من رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" - الرسالة الأولى: رسالة إلى العالم
بقلم محمد إبراهيم الحصايري - هذا المقال يتألّف من تسع حلقاتٍ مترابطةٍ وثيقَ الترابط، وقد شرعت في تحريره بُعَيْدَ أن اطلّعت على "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" التي قامت إدارة الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب بنشرها في الخامس من شهر ديسمبر 2025، وذلك من منطلق القناعة بضرورة قراءة سطور هذه الوثيقة الخطيرة وما بين سطورها، بكلّ تَأَنٍّ وكلّ تمعّنٍ، من أجل إدراك وتَبْرِيزِ سلسلة الرسائل التي بعثت بها إلى العالم ككل، وإلى عدد من مناطقه وكبرى دولِهِ...
وقد تأكَّدَتْ هذه الضرورةُ بعد الهجمات الجويّة التي شنّتها القوات الأمريكية في 25 ديسمبر 2025، أي يومَ عيد الميلاد، على مواقع في نيجيريا بذريعة معاقبة فصائل ترتبط بتنظيم الدولة الإسلامية على استهدافها "للمسيحيين النيجيريين الأبرياء"، وخاصة بعد العدوان الأمريكي الموصوف على فنزويلا يوم الجمعة 3 جانفي 2026 واختطاف رئيسها (مع زوجته) ثم الشروع، بطريقة استعراضية مستفزة، في محاكمته بدعوى قيادته لـ"دولة مخدّرات" فضلا عن تزويره للانتخابات الفنزويلية التي جرت سنة 2024.
إنّ العدوان الصّارخ على فنزويلا يعتبر أول تجسيم عمليّ لما عبّرت عنه "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة"، مباشرة بعد نشرها، مثلما كان الدعم الأمريكي المطلق لحرب الإبادة التي تواصل إسرائيل شنّها على قطاع غزة والإعدادات الجارية، على قدم وساق، للاستيلاء على القطاع وتحويله الى "ريفييرا الشرق الأوسط"، والهجمات الأمريكية على اليمن، وخاصّة العدوان السافر على إيران في 22 جوان 2025 تجسيما عمليّا له قبل نشرها، بعدّة أشهر...
وغنيّ عن البيان أن الولايات المتحدة تبرهن بكل ذلك على أنها لا تكتفي بإصدار التهديدات ذات اليمين وذات الشِّمال، وإنما لا تتورّع عن تنفيذها، وهو ما يستوجب أخذ ما تنطوي عليه الاستراتيجية من مخاطر تهدد أمن العالم واستقراره مأخذ الجد.
فإذا جئنا، الآن، إلى محتوى هذه الاستراتيجية فإننا نلاحظ، بادئ ذي بدء، أنها تتكوّن من تَصْدِيرٍ بإمضاء الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب، ثم من مقدّمة يتلوها عرضٌ مفصَّل لجملة الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها من خلالها، ثم للوسائل والأدوات التي ستسخرها من أجل تنفيذها، وذلك قبل أن تحدد الطريقة التي ستتعامل بها مع كل منطقة من مناطق العالم التي تعتبر واشنطن أنها تمثل أهمية خاصة بالنسبة إليها.
وفي هذه الحلقة الأولى من هذا المقال سأتناول بالتحليل والتعليق ما أرى أنه يشكّل الرسالة الأولى والكبرى التي تبعث بها الاستراتيجية إلى العالم بأسره.
فلقد جاء في الكلمة التي صدَّر بها الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب الاستراتيجية والتي أمضاها بإمضائه "الشهير"، أنّ "استراتيجية الأمن القومي هي خريطة طريق لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم وأنجح دولة في تاريخ البشرية وموطن الحرية على وجه الأرض".
وبدورها أكّدت مقدّمة الاستراتيجية في سطورها الأولى على أن الغاية من الاستراتيجية هي أن "تبقى الولايات المتحدة الدولة الأقوى والأغنى والأكثر نفوذا والأكثر نجاحا في العالم لعقود قادمة"...
وحتى يتسنى للولايات المتحدة تحقيق هذه الغاية، شدّد الرئيس الأمريكي على أنه سيواصل "في السنوات القادمة تطوير كل جانب من جوانب قوّتنا الوطنية وسنجعل أمريكا أكثر أمانا وأكثر ثراء وأكثر حرية وأعظم وأكثر قوة من أي وقت مضى"، كما أكّدت المقدّمة على أن الاستراتيجية الموضوعة التي تمّ العمل على أن تكون "متماسكة ومركَّزَة" والتي توضح كيفية تعامل الولايات المتحدة مع العالم حاضرا ومستقبلا "ترمي إلى الحفاظ على سلامة الولايات المتحدة كجمهورية مستقلة ذات سيادة، وإلى حماية البلاد وشعبها وأراضيها واقتصادها وطريقة حياتها من الهجمات العسكرية ومن التأثيرات الأجنبية العدائية".
ويُستخْلَصُ مما تقدم ومن كثافة "أفعال التفضيل" المستخدَمَة في كلمة الرئيس الأمريكي وفي المقدمة أن الولايات المتحدة مصمّمة على أن تحافظ على "تفوّقها" على جميع دول العالم على جميع المستويات وفي كافة المجالات، وعلى أن تؤمِّن أسباب هيمنتها على الساحة الدولية بكل الوسائل الممكنة وذلك من خلال العمل أوّلا بشعار "أمريكا أولا" الذي يعنى أن كفّة مصلحة الولايات المتحدة ترجَح على كفّة مصالح بقية العالم كلِّهِ، وثانيا بشعار "فرض السلام من خلال القوة" الذي يعني أن تمتلك الولايات المتحدة من القوة ما يجعلها "محترمة" وبالتالي قادرة على أن "تصنع" أو في الحقيقة أن تفرض السلام الأمريكي في أنحاء العالم، وهو ما حرص الرئيس الأمريكي على المفاخرة به من خلال زعمه أنه استطاع في ظرف ثمانية أشهر فقط من تولّيه الرئاسة إنهاءَ ثمانية صراعات مشتعلة مع التأكيد، بشكل خاص، على أنه دمّر بـ"عملية مطرقة منتصف الليل قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم بالكامل"...
وطبقا لما جاء في الاستراتيجية فإنّ الولايات المتحدة تحتاج لكي تحقق تطلعاتها، إلى "السيطرة الكاملة على الحدود وعلى نظام الهجرة لديها، والى بنية تحتية وطنية مرنة قادرة على تحمل الكوارث الطبيعية والتهديدات الأجنبية وإحباطها"، وهو ما يتطلب منها العمل على الجبهات الثلاث التالية:
الجبهة الأولى وهي الجبهة العسكرية التي تقتضي "تجنيد وتدريب وتسليح ونشر أقوى جيش في العالم، جيش يتمتع بأعلى درجات القوة والفتك والتقدم التكنولوجي وذلك لحماية المصالح الأمريكية وردع الحروب" كما تقتضي "امتلاك أقوى قوة ردع نووي وأكبرها وأكثرها حداثة في العالم إضافة الى أنظمة دفاع صاروخي من الجيل القادم بما في ذلك قبة ذهبية لحماية الوطن الأمريكي وذلك لحماية الشعب الأمريكي والأصول الامريكية في الخارج وحلفاء الولايات المتحدة"...
أما الجبهة الثانية فهي الجبهة الاقتصادية إذ يجب على الولايات المتحدة أن تعمل على "أن يكون الاقتصاد الأمريكي أقوى اقتصاد في العالم والأكثر ديناميكية وابتكارا وتطورا، وذلك من خلال توفّره على أقوى قاعدة صناعية في العالم، فالقوة الأمريكية تعتمد على قطاع صناعي قوي قادر على تلبية متطلبات الإنتاج في زمن السلم والحرب على حد سواء، وعلى أقوى قطاع طاقة في العالم قطاع منتج ومبتكر، وعلى البقاء الدولة الأكثر تقدما علميا وتكنولوجيا وابتكارا في العالم".
واما الجبهة الثالثة فهي الجبهة الدبلوماسية، وعلى هذا الصعيد تحتاج الولايات المتحدة إلى "الحفاظ على قوتها الناعمة التي لا مثيل لها والتي من خلالها تمارس نفوذا إيجابيا في مختلف أنحاء العالم بما يخدم مصالحها، ومما سيساعد على ذلك استعادة وتجديد الصحة الروحية والثقافية لأمريكا".
إن ذلك يعني العودة إلى العمل بـ"عقيدة جيمس مونرو" الذي كان أحد الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة ورئيسها الخامس من 1817 إلى 1825، مع توسيع نطاق مشمولات هذه العقيدة التي كانت تدعو إلى ضمان استقلال كلِّ دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوروبي، ليشمل، من هنا فصاعدا، أي تدخل، بأي شكل من الأشكال، ومن أي قوة من القوى أو أي دولة من دول العالم في القارة الأمريكية بأكملها، وذلك لأن الأمن القومي الأمريكي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا ضمنت الولايات المتحدة بقاء نصف الكرة الغربي "مستقرا بدرجة كافية ومحلَّ حكم فعّال يمنع ويثبّط الهجرة الجماعية إليها"، وإلا إذا كانت حكوماتُه "تتعاون معها ضد إرهابيي المخدرات والكارتيلات والمنظمات الاجرامية العابرة للحدود".
على أنّ الأهم من كل ذلك هو أن يكون نصف الكرة الغربي "خاليا من التدخلات الأجنبية العدائية أو من سيطرة قوى معادية على الأصول الحيوية وبحيث يدعم سلاسل الامداد الاستراتيجية" كما يضمن وصول الولايات المتحدة إلى المواقع الاستراتيجية الأساسية.
وواضح من التحرّكات التي شرعت في القيام بها منذ الأيام الأولى لولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية والتي هدفت من خلالها، في مرحلة أولى، إلى استعادة السيطرة على قناة باناما، ثم وفي مرحلة ثانية إلى الاستيلاء على مقاليد الحكم في فينزويلا وربما في دول أمريكية أخرى، أن الولايات المتحدة بصدد تحويل نصف الكرة الغربي إلى منطقة نفوذ حصري ومطلق لها.
غير أن ذروة اللامعقول السياسي فضلا عن الأخلاقي، تظهر بشكل صارخ في تأكيدِ الولايات المتحدة التي تبيح لنفسها احتكار التحكّم في نصف الكرة الغربي وتحرِّمُ على كافة القوى والدول مجرد الاقتراب منه، على أنها تريد، في المقابل "أن تضمن "الحفاظ على حرية وانفتاح منطقة الهندي-الهادئ وصون الملاحة في جميع الممرات البحرية الحيوية" وذلك بغية "ضمان وجود سلاسل إمداد آمنة وموثوقة، وتوفير الوصول الى المواد الاستراتيجية الأساسية (أو ما يسمّى بالمواد الحرجة)".
وفي هذا الصدد بالذات، تشدّد الاستراتيجية خاصة على أن الولايات المتحدة "تريد منع أيّ قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط، وعلى موارد النفط والغاز فيه، وعلى نقاط الاختناق الحيوية التي تمر عبرها هذه الموارد" مع الحرص على "تجنب الحروب التي لا تنتهي والتي استنزفتها في تلك المنطقة وكلّفتها أثمانا باهظة".
ويبدو أن الولايات المتحدة تعوّل في تحقيق هذه الأطماع الأنانيّة النَّهِمَة والجَشِعَة على ما تعتبره ركائز قوّتها التي لا تضاهيها أي قوة أخرى في العالم والتي تستمَدها مما تسميه "المزايا التي تتمتع بها عالميا" وهي بإيجاز التالية:
• موقعُها الجغرافي الذي تحسد عليه، فهي بفضل هذا الموقع "تتمتع بجغرافيا مثالية، تضم موارد طبيعية وفيرة، ولا توجد فيها قوى منافسة مسيطرة، ولها حدود آمنة من الغزو العسكري إذ تفصلها عن القوى الكبرى الأخرى محيطات شاسعة"...
• نظامُها السياسي الذي "ما يزال قادرا على التصحيح والتعديل عند الحاجة".
• شجاعةُ الشعب الأمريكي وارادتُه ووطنيةُ مواطنيه...
• وفرةُ ما تمتلكه من أصول وموارد...
• توفُّرُها على أكبر اقتصاد في العالم وأكثره ابتكارا، وهو اقتصاد يولد ثروة يمكن للولايات المتحدة استثمارها في مصالحها الاستراتيجية ويمنحها نفوذا على الدول التي تريد الوصول الى أسواقها.
• امتلاكُها لنظام مالي وأسواق رأسمالية رائدة في العالم ومن ذلك وضع الدولار كعملة احتياطية دولية.
• امتلاكُها لقطاع تكنولوجيا هو الأكثر تقدما وابتكارا وربحية في العالم، وهو قطاع يدعم اقتصادها ويوفر ميزة نوعية لجيشها، كما يعزز نفوذها العالمي.
• برنامجُ رئيسِها المحليُّ القويُّ الذي يقوم على إعادة ترسيخ ثقافة الكفاءة... وإطلاق العنان لقدرتها الهائلة على انتاج الطاقة كأولوية استراتيجية، وإعادة التصنيع داخل الاقتصاد الأمريكي لدعم الطبقة الوسطى، وللسيطرة على سلاسل الإمداد وقدرات الانتاج الخاصة بها، هذا إضافة إلى إعادة الحرية الاقتصادية للمواطنين والاستثمار في التقنيات الناشئة والعلوم الأساسية لضمان استمرار ازدهارها والحفاظ على ميزتها التنافسية وتحقيق التفوق العسكري لأجيالها القادمة.
ثمّ إن الولايات المتحدة، قبل كل ذلك وبعده، "تملك أقوى وأقدرَ قوة عسكرية في العالم، وتتوفّر على شبكة واسعة من التحالفات تشمل حلفاءَ بمعاهدات، وشركاءَ في أهم مناطقه الاستراتيجية" كما "تملك قوة ناعمة لا مثيل لها ونفوذا ثقافيا عالميا".
محمد إبراهيم الحصايري
- اكتب تعليق
- تعليق