بين بورقيبة والحبيب عاشور: شهادة حيّة جديدة في مذكرات حسيب بن عمّار
سبعة وعشرون عاما تمرّ يوم 14 مارس 2026 على ذكرى وفاة الزعيم النقابي الحبيب عاشور سنة 1999 ولم تكن علاقته ببورقيبة دوما على نفس وتيرة الصفاء والمودّة، على الرغم من عشرتهما الطويلة ومن الخدمات والتضحيات التي قدّمها الحبيب عاشور لتونس وبورقيبة، وقد شهدت هذه العلاقة فترات متفاوتة من القرب والود ومن الصدّ حتى أنّ بورقيبة لم يأبه أكثر من مرة بالزجّ برفيق نضاله في السجن واخضاعه للإقامة الجبرية وحمله على مغادرة قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل.
وفي مذكراته، يروي حسيب بن عمّار هذه الواقعة المتميّزة التي أثمرت رفع الإقامة الجبرية عن الحبيب عاشور وإعادته إلى "الحظيرة الوطنية".
مع عاشور
كان بورقيبة جالسا في حديقة قصره، فجرى الحديث حول الحبيب عاشور. وكان ذلك في الظرف الذي كان فيه مغضوبا عليه.
- «والله، لو يوجّه لي رسالة لعفوت عنه، وأدرت الصفحة».
- «هل تسمحون لي أن أحاول؟»
- «بأي صفة؟»
- «أنا والي الجهة وعلى اتصال بجميع المسؤولين»
- «لا أرى مانعا، حاول»
ففاتحت في الموضوع عضدي بالبلدية، الأخ أحمد مبارك، وكانت تربطه بعاشور صداقة خاصة، حيث أنّ أحمد أصيل زغوان، وكان عاشور نُفي بهذه المدينة أيام الكفاح التحريري.
فاتصلنا بعاشور وأبلغناه الحديث مع بورقيبة، فكان ردّ فعله أن رفض رفضا باتا: «أبدا! لن أكتب، أنا أنحني أمامه؟ أبدا!»
- «اسمح لنا بإعداد مشروع للرسالة، وأنت حرّ، تقبلها أو ترفضها».
وأعدّ أحمد مشروعا يذكر فيه عاشور مساهمته الفعالة في الكفاح الوطني، ويؤكّد فيه أنّ المناضل الحبيب عاشور لم يصدر عنه، ولن يصدر عنه، يوما ما من شأنه الإضرار بالمصلحة الوطنية. ولم تقع الإشارة ولو مرّة واحدة إلى قرار الديوان السياسي ضدّه.
فاطلع على المشروع، ووافق على كتابة الرسالة، وأسرعت بتقديمها إلى بورقيبة. وعندما قرأها بانت على وجهه ملامح الغضب الشديد.
- «Mais, il se moque de moi! (إنه يتمسخر عليّ) ما لك، حسيب، تتمسخر عليّ! إنه لا يعترف بشيء ومصرّ على موقفه!»
ثم، كأنّ شيئا لم يقع، أخذ جهاز الهاتف، وطلب مدير الحزب محمد الصيّاح، وأملى عليه نص البلاغ التالي:
«قرّر الديوان السياسي رفع قرار الإقصاء الذي كان اتّخذه ضد السيد الحبيب عاشور».
تُبيّن هذه الحادثة أنّ بورقيبة كان يعطي أهميّة أكبر لقبول كتابة الرسالة منه لمضمونها. فهو يعتبر كتابة الرسالة علامة انبطاح، أو على الأقل علامة ولاء. وهو في ذلك لم ينس ما شعر به أيام كان منفيّا ببرج لوبوف - برج بورقيبة حاليّا – عندما اضطرّ لكتابة رسالة إلى المقيم العام الفرنسي.
قراءة المزيد
- اكتب تعليق
- تعليق