ثالِثَةُ رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة": هذه أولويات السياسية الخارجية الأمريكية من هنا فصاعدا
بقلم محمد إبراهيم الحصايري - بعد أن تناولتْ بالعرضِ ما سمّته "مبادئ" وما سمَّيْتُهُ "توجّهات" السياسة الخارجية الأمريكية، انتقلتْ استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة إلى الحديث عن الأولويات التي شرع الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب، منذ اليوم الأول لولايته الثانية، في العمل بموجبها، من أجل وضع العالم أمام أمرها الواقع.
وعلى غيرِ ما هو متوقَّعٌ استهلّت الاستراتيجية حديثها عن الأولويات بالتطرق إلى إشكالية الهجرة رغم أنها، عند عرضها للمبادئ، لم تتطرق إليها إلا في خاتمة العرض.
وللتذكير فإنّ الاستراتيجية أكّدت على أنّ الولايات المتحدة تتّجِه نحو "التركيز على العامل الأمريكي" وستعمل "في كلّ مبدإِ تتبنّاه، وكلّ إجراء تتخذه على أن تكون أمريكا والأمريكيون أوّلا ودائما"، وذلك من خلال السّهر على ألاّ يتمَّ السّماح باستخدام "الجدارة" كذريعة لفتح سوق العمل الأمريكية أمام العالم تحت مسمّى "جذب المواهب العالمية" بما يؤدي الى الإضرار بالعاملين الأمريكيين...
وبقطع النظر عن أن ترتيب الأولويات قد يعود إلى "شراسة" موقف الرئيس الأمريكي من الهجرة والمهاجرين، وهي شراسة صادمة تجلت في خشونة الإجراءات التي اتخذها منذ الأيام الأولى لولايته الثانية، فإن الاستراتيجية حاولت تحت عنوان "عصر الهجرة الجماعية قد انتهى" أن تبرّر وضع هذه الإشكالية على رأس الأولويات الأمريكية بأن "أمن الحدود هو العنصر الأساسي في الأمن القومي، وأن وجود حدود تخضع لإرادة الشعب الأمريكي وتُدَار عبر حكومته هو أساس بقاء الولايات المتحدة كجمهورية ذات سيادة".
وعلاوة على ذلك ساقت الاستراتيجية جملة أخرى من الاعتبارات التي فسرت بها خطورة هذه الإشكالية من المنظور الأمريكي، وهذه الاعتبارات هي التالية:
• أن الولايات المتحدة تعتقد أن من تسمح الدولة بدخوله إلى حدودها وبأيّ اعداد ومن أيّ مناطق سيحدّد مستقبلَها حتما، لذلك فإنّ أيّ دولة تعتبر نفسها ذات سيادة لديها الحق والواجب في تحديد مستقبلها.
• أن التاريخ يبيّن أن الدول ذات السيادة كانت تمنع الهجرة غير المنضبطة ولم تكن تمنح الجنسية الا نادرا وبعد استيفاء معايير صارمة.
• أن الهجرة الجماعية أدّت في دول عديدة حول العالم إلى استنزاف الموارد الداخلية، وزيادة العنف والجريمة، واضعاف التماسك الاجتماعي، وتشويه أسواق العمل، وتقويض الامن القومي.
وإزاء هذه التأثيرات بالغة الخطورة التي تنجم عن الهجرة الجماعية، تعتبر الولايات المتحدة أنّ من واجبها أن تضع لها حدا، وأن تحمي نفسها من الغزو ليس فقط من الهجرة غير المنضبطة بل أيضا من التهديدات العابرة للحدود مثل الإرهاب والمخدّرات والتجسّس وتهريب البشر.
وحتى يتسنى تحقيق هذه الغاية، منحت الولايات المتحدة وزارَاتِهَا ووكالاتِهَا الحكومية "صلاحيات هائلة" لكي تضطلع بهذه الواجبات، وتتمكن من "حماية الحقوق الطبيعية التي وهبها الله للمواطنين الأمريكيين"، وهي، ضمنيا، حقوق تعلو على حقوق بقية بني البشر.
ولأنّ الوزارات والوكالات الحكومية الأمريكية شرعت في الاضطلاع بهذه "الصلاحيات الهائلة" بطريقة فيها الكثير من الإذلال للمهاجرين، والاحتقار للدول التي قدموا منها والتي رُحِّلوا إليها (أو إلى دول ثالثة) بأسلوب مُهين، فإنّ الاستراتيجية تؤكد على ما تسمّيه ضرورة إرفاق الإجراءات المتخَّذَة بـ"حماية الحقوق والحريات الأساسية"، وعلى أن الوزارات والوكالات الحكومية يجب ألا تسيء، مطلقا، استخدام الصلاحيات التي خُوِّلَت لها، سواء تحت ذريعة إزالة التطرّف، أو حماية الديمقراطية الأمريكية، أو أيّ ذريعة أخرى.
ومع أن الاستراتيجية تنبِّهُ إلى وجوب محاسبة من يسيئون استخدامَ هذه الصلاحيات، فإنّ تضارب الروايات والجدل الدائر، هذه الأيام، حول مقتل رينيه نيكول غود على يد أحد عناصر إدارة الهجرة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، يؤشِّرَان إلى استمرار التجاوزات المرتَكَبَة في إطار ما يسمّى بحملة البيت الأبيض لمكافحة الهجرة غير الشرعية.
ثمّ إنّ إعلان المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية يوم الأربعاء 14 جانفي 2026 أن الولايات المتحدة ستُعلّق، ابتداء من 21 جانفي 2026، في إطار الحملة المُكثّفة على الهجرة، إجراءات منح تأشيرات لطالبيها من 75 دولة (من دول أمريكا اللاتينية، ودول البلقان، ودول جنوب آسيا، ودول الشرق الأوسط وإفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي)، يدل على أن الإدارة الأمريكية ماضية قدما في تنفيذ سياستها الشّرسة لمكافحة الهجرة خاصة من بلدان العالم الثالث، رغم ما قوبلت به هذه السياسة من انتقادات واحتجاجات خارجية وحتى داخلية أحيانا.
ولكن هل يمكن للانتقادات والاحتجاجات أن تجدي نفعا إذا كانت الاستراتيجية تنص بكل وضوح، على أن سياسة "حماية الحقوق والحريات الأساسية"، والدفاع بقوة عن ضرورة احترامها نصا وروحا، تعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة الدول التي تشاركها أو تقول إنها تشاركها نفس المبادئ، وهذه الدول كما تضيف، فيما بعد للتدقيق، هي "الدول الانجلو-ساكسونية وبقية العالم الديمقراطي وخاصة بين حلفائها".
على أن الجدير بالملاحظة أنّ الاستراتيجية تُرْدِف تعهّدَ الولايات المتحدة بحماية الحقوق والحريات الأساسية وبالدفاع عن ضرورة احترامها نصا وروحا، بالتأكيد، مرة أخرى، على ضرورة تقاسم الأعباء. وهي تعلن، بكل صراحة ودون أيّ مواربة، "أنّ زمن تحمُّلِ الولايات المتحدة لعبء النظام العالمي بأكمله انتهى".
ومعنى ذلك أنّ الولايات لم تعُدْ، كما تؤكد الاستراتيجية نفسُها، تريد (والأقرب إلى الظن، فيما أرى، أنها لم تَعُدْ تستطيع) الاضطلاع بدور الجبّار "أطلس" الذي تقول الأساطير الإغريقية، إن الآلهة كلَّفَتْه بحمل قبَّة السَّماء على كتفيه.
وفي رأيي فإنّ تشبيهَ الاستراتيجية للولايات المتحدة بـالجبّار "أطلس" قد يكون "زلّة تعبيرية" لأنّه يشكّل اعترافا ضمنيا بأن واشنطن باتت منهَكَةً، خائرةَ القوى، إلى حد أنّها لم تعد قادرة على أن تحمل على كتفيها النظام العالمي الأحادي الذي قامت بإنشائه، بمحض إرادتها وتوهُّمًا منها باّن التاريخ بلغ نهايته بانتهاء الحرب الباردة، وذلك طمعا في الهيمنة على العالم هيمنةً أبديّة.
وفي رأيي، فإن لهذا الإنهاك مظهران أساسيان: مظهرٌ اقتصاديٌّ، ومظهرٌ عسكريٌّ.
أمّا المظهرُ الاقتصادي فيتجلّى في أنّ الرئيس الأمريكي، وهو كما يعلم الجميع "رجل صفقات" وقد سبق لي أن وصفته بـ"تاجر واشنطن" للشَّبَه بين سلوكه وبين سلوك "تاجر البندقية" في مسرحية وليم شكسبير الشهيرة، إلى مطالبة حلفاء وشركاء الولايات المتحدة التي تجاوز إجماليّ دينها العام 37 تريليون دولار أمريكي خلال سنة 2025، بأن يتحملوا المسؤولية الأساسية عن أمن مناطقهم وأن يساهموا بدرجة أكبر بكثير في الدفاع المشترك، خاصة وأن بين دولهم توجدُ عشرات الدول الثرية والمتقدمة...
وفي هذا النطاق تشيرُ الاستراتيجية إلى أنّ الرئيس الأمريكي تمكّن من وضع "معيار عالمي جديد" حين توصل الى ما سمّي بـ"تعهد لاهاي" (The Hague Commitment) الذي يلزم دول حلف شمال الأطلسي بإنفاق 5 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع...
وفي حين تنتظر الولايات المتحدة من حلفائها الأطلسيين الوفاء بهذا التعهّد، فإنّها تتّجه نحو مواصلة العمل بنفس النهج من أجل دفع بقية حلفائها وشركائها في مختلف أنحاء العالم إلى النسج على منوال هذه السابقة وإلى تحمل المسؤولية الأساسية في مناطقهم، وهو ما سيفضي في نهاية المطاف، إلى إنشاء شبكة من الشراكات الموجَّهَة التي تضطلع فيها واشنطن بدور المنسق والداعم الذي يضمن تقاسم الأعباء ويمنح كل الجهود شرعية أوسع.
وتؤكد الاستراتيجية أن هذا التوجّه الاستراتيجي سيمكّن الولايات المتحدة من مواجهة النفوذ العدائي والتخريبي بكفاءة، مع تجنب التوسع المفرط وتشتيت الجهود اللذَيْن أضعفا السياسات السابقة. وستكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديم المساعدة لحلفائها وشركائها بما في ذلك معاملة تجارية تفضيلية، ومشاركة بعض التقنيات، والتعاون في مشتريات الدفاع، للدول التي تتحمل مسؤولية أكبر من أمن مناطقها، وتنسق ضوابط صادراتها مع الضوابط الأمريكية.
وفي هذا السياق يمكن القول إنّ أحد أهم تطبيقات هذا التوجّه ظهر للعيان في النتائج التي أسفرت عنها زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة خلال شهر نوفمبر 2025، فواشنطن التي تريد من الرياض الاضطلاع، مستقبلا، بدور أكبر في ضمان المصالح الأمريكية في المنطقة والحفاظ على الأمنها والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط، عقدت خلالها مع المملكة العربية السعودية عدّة شراكات، ووقّعت عدّة اتفاقيات بعضها ذو طابع اقتصادي على غرار "اتفاقية تسهيل إجراءات تسريع الاستثمارات السعودية" وبعضها الآخر ذو طابع عسكري على غرار "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي" وذلك إلى جانب "البيان المشترك لاستكمال المفاوضات بين البلدين بشأن التعاون في الطاقة النووية المدنية"، والاعلان عن إمكانية تزويد المملكة بطائرات حربية من طراز إف 35، رغم اعتراض إسرائيل القاطع على ذلك...
ثم إن الاستراتيجية تؤكد أن الولايات المتحدة ستسعى إلى "إعادة التموضع عبر السلام"، وليس عبر الحرب، وذلك من خلال السعي الى اتفاقيات سلام بتوجيه من الرئيس حتى في المناطق والدول التي تقع على هامش مصالحنا الأساسية المباشرة، وهو ما سيساعدها على تحقيق هدفين اثنين الأول هو زيادة الاستقرار، والثاني تعزيز نفوذها العالمي وإعادة اصطفاف الدول والمناطق بما يخدم مصالحنا وفتح أسواق جديدة.
ولأنّ الولايات المتحدة المثقلة بالديون لم تعُدْ، على ما يبدو، قادرة على تحمّل كلفة تحركاتها الحربيّة، فإن الاستراتيجية تلاحظ أن هذا التمشّي لن يكلّفها الكثير حيث أن الموارد المطلوبة لتحقيقه تعتمد بالأساس على "الدبلوماسية الرئاسية وهي أداة لا يمكن للأمة الأمريكية العظيمة ان تستخدمها بفعالية الا في ظل قيادة كفؤة" (طبعا على غرار قيادة الرئيس غريب الأطوار دونالد ترامب)، أما العوائد من انهاء صراعات طويلة الأمد وإنقاذ أرواح وكسب أصدقاء جدد فهي قد تفوق بكثير التكاليف المحدودة نسبيا من الوقت والاهتمام.
وليس غريبا أن تنتقل الاستراتيجية بعد ذلك، مباشرةً، إلى الحديث عما تسميه "الأمن الاقتصادي" باعتباره أساس الأمن القومي الأمريكي.
وفي هذا الإطار فإنّ الولايات المتحدة ستعمل على تعزيز الاقتصاد الأمريكي بشكل أكبر مع التركيز على الآليات الستّ الكبرى التالية:
1/ التجارة المتوازنة: إذ ستعطي الولايات المتحدة، وهي في الحقيقة شرعت في ذلك منذ بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، الأولويةَ لإعادة التوازن إلى علاقاتها التجارية عبر تقليل العجز التجاري، ومواجهة العوائق المفروضة على صادراتها، وإنهاء الإغراق، وغيره من الممارسات المناهِضَة للمنافسة التي تلحق الضرر بالصناعات والعمال الأمريكيين.
ووفقا لما جاء في الاستراتيجية، ستسعى الولايات المتحدة إلى إبرام اتفاقيات تجارية عادلة مع الدول التي تريد التجارة معها على أساس المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل، غير أن تحقيق العدل وتبادل المنفعة والاحترام يبقى مرهونا، من المنظور الأمريكي، بمدى تلبيَتِهِ لمقتضيات الأولوية الأمريكية الأولى التي ستظل دائما هي مصلحة العمال الأمريكيين، والصناعات الأمريكية، والأمن القومي الأمريكي.
2/ تأمين الوصول إلى سلاسل الإمداد والموادّ الحيويّة، وهنا تذكّر الاستراتيجية بنظريات ألكسندر هاملتون 1(Alexander Hamilton) الذي أكد في الأيام الأولى لقيام الجمهورية الأمريكية على أن الولايات المتحدة يجب ألا تعتمد أبدا على أي قوة خارجية للحصول على المكوّنات الأساسية من المواد الخام، إلى القطع، إلى المنتجات النهائية اللازمة لدفاع الأمة أو اقتصادها.
ومن هذا المنطلق فإنّ الولايات المتحدة يجب أن تعيد تأمين وصولها المستقلّ والموثوق إلى السلع التي تحتاجها للدفاع عن نفسها والحفاظ على نمط حياتها.
ومن نافلة القول إن الولايات المتحدة شرعت فعلا وبكل غطرسة، في القيام بذلك، وهو ما رأيناه رأيَ العين في العدوان الصارخ على فينزويلا والمجاهرة بالرغبة في الإمساك بمقاليد الحكم فيها وفي التصرف في ثروتها النفطية الهائلة، وليس من المستبعد أن نراه، قريبا ومن جديد، في الاستيلاء بالقوّة على غرينلاند بدعوى ضرورتها للأمن القومي الأمريكي.
ولا ينبغي في هذا السياق أن ننسى أن الولايات المتحدة بصدد الاستيلاء على قطاع غزة لا لتحويله إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" كما تروّج لذلك، بل لأغراض استراتيجية سيكشف عنها المستقبل، وهي تتعلق بتوطيد الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل خريطته بالشكل الذي يخدم، على المدى الطويل، مصالح واشنطن وتل أبيب.
على أنّ ما يدعو إلى الاستغراب والتعجّب هو أن صاغَةَ الاستراتيجية لا يشعرون بأي حرج ولا أي تناقض عندما يتحدثون عمّا يسمونه "الممارسات الاقتصادية الافتراسية" التي تأتيها القوى المنافسة للولايات المتحدة، فهم يعتبرون أن تأمين الوصول إلى سلاسل الإمداد والمواد الحيوية سيتطلب من الولايات المتحدة توسيع وصولها إلى المعادن والمواد الحيوية مع مواجهة هذه الممارسات (ولو بممارسات أشدّ افتراسا) ، كما يبشّرون العالم بأن "أجهزة الاستخبارات ستقوم بمراقبة سلاسل الإمداد الرئيسية والتطورات التكنولوجية حول العالم لضمان فهم المخاطر والثغرات التي قد تعرِّض أمن وازدهار الولايات المتحدة للخطر".
3/ إعادة التصنيع: تؤكد الاستراتيجية "أن المستقبل يعود إلى الدول التي تنتج. ولذلك ستقوم الولايات المتّحدة بإعادة تصنيع اقتصادها وإعادة توطين الإنتاج الصناعي داخلها وتشجيع وجذب الاستثمارات إلى اقتصادها وقوتها العاملة مع التركيز على القطاعات التكنولوجية الحيوية والناشئة التي ستشكل مستقبل العالم".
أما عن الوسائل التي ستسخّرها لتحقيق ذلك فهي تتمثل في "الاستخدام الاستراتيجي للتعرفة الجمركية" كوسيلة من وسائل الضغط والإرغام، وفي "تقنيات جديدة تسهم في نشر الإنتاج الصّناعي على نطاق واسع في كل أنحاء الولايات المتحدة، وترفع مستوى المعيشة للعمال الأمريكيين" كما تضمن "ألا تعتمد الولايات المتحدة مرَّةً أخرى على أيّ خصم حاليّ أو مُحْتَمَل للحصول على منتجات أو مكوِّنات مهمة".
4/ إحياء قاعدة الصناعات الدفاعية: فانطلاقا من حقيقة أنّ أيّ جيش في العالم لا يمكن أن يكون قويا وقادرا إذا لم يكن يستند إلى قاعدة صناعات دفاعية قوية وقادرة، فإنّ الولايات المتحدة، كما تؤكد الاستراتيجية، ستكون بحاجة ماسّة إلى التكيّف مع التغيرات التي كشفت عنها الصراعات الأخيرة والجارية حاليا خاصة في منطقة الشرق الأوسط وفي أوكرانيا، وذلك من خلال العمل على تحقيق الأهداف التالية:
• إطلاق عملية "تعبئة وطنية لتطوير أنظمة دفاعية قوية ومنخفضة التكلفة"، وذلك حتى يتم تقليص الفارق الكبير بين التكلفة المنخفضة للطائرات المسيَّرَة والصواريخ التي باتت تستخدم بكثافة في الحروب الحديثة، وبين التكلفة الباهظة لأنظمة الدفاع اللازمة لمواجهتها، وهو ما يؤكد مرّة أخرى حالة الإنهاك التي بات الاقتصاد الأمريكي يعاني منها.
• إنتاج أكثر الأنظمة والذخائر قدرة وحداثة على نطاق واسع.
• إعادة توطين سلاسل الإمداد الدفاعية داخل البلاد.
• تمكين المقاتلين الأمريكيين من مجموعة كاملة من القدرات بدءا من الأسلحة منخفضة التكلفة القادرة على هزيمة معظم الخصوم، وصولا إلى الأنظمة المتقدّمة عالية الأداء الضرورية لخوض صراع مع عدو متطوّر.
ومع التأكيد على ضرورة الإسراع في إنجاز هذه الأهداف حتى يتسنى للولايات المتحدة أن تحقق شعار "السلام عبر القوة" الذي رفعه الرئيس الأمريكي، فإن الاستراتيجية تؤكد أن واشنطن ستشجع على إحياء قواعد الصناعات الدفاعية لدى جميع حلفائها وشركائها لتعزيز الأمن والدفاع المشترك.
5/ هيمنة الطاقة: تعتبر الاستراتيجية "أن استعادة الهيمنة الأمريكية في مجال الطاقة (في النفط والغاز والفحم والطاقة النووية) وإعادة توطين المكوّنات الحيوية اللاّزمة لإنتاجها هي أولوية استراتيجية قصوى"، وذلك لأنّ توفّر الطّاقة الرخيصة والوفيرة للولايات المتّحدة سيمكنها من تحقيق الأهداف الداخلية والخارجية التالية:
• إنشاء وظائف عالية الأجر داخل البلاد.
• تخفيض التكاليف على المستهلكين والشركات.
• تغذية إعادة التصنيع.
• المساعدة على الحفاظ على التفوّق الأمريكي في التقنيات المتقدّمة مثل الذكاء الاصطناعي.
• توسيع الصادرات الأمريكية الصافية من الطاقة.
• تعميق العلاقات مع الحلفاء.
• الحد من نفوذ الخصوم.
• حماية قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن سواحلها وتمكينها، عند الضرورة، من عرض قوتها خارج حدودها.
وغنيّ عن البيان أن جملة هذه الأهداف هي التي تفسّر وتبرّر، ولو جزئيا، ما فعلته الولايات المتحدة في فينزويلا وما قد تفعله مستقبلا في دول أخرى، لاسيّما وأن الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب استهل ولايته الثانية بالانسحاب من "اتفاق باريس للمناخ" علما بأن الاستراتيجية تؤكد على رفض الولايات المتحدة لإيديولوجيات "التغير المناخي" و"صفر انبعاثات" لأنها كما تزعم "ألحقت ضررا كبيرا بأوروبا، وتهدد الولايات المتحدة، وتقدّم دعما غير مباشر لخصومها".
6/ الحفاظ على هيمنة القطاع المالي الأمريكي وتنميتها: وتكتسي هذه الآلية أو الوسيلة أهمية خاصة في ظل سعي مجموعة "البريكس" والعديد من دول "الجنوب العالمي" بشكل حثيث ومتصاعد إلى فك الارتباط مع الدولار الأمريكي واستبداله، في معاملاتها التجارية، بالعملات الوطنية.
وبالرغم من أنّ الاستراتيجية تؤكّد أنّ "الولايات المتحدة تتمتع بأقوى الأسواق المالية وأسواق رأس المال في العالم وهي ركائز أساسية للنفوذ الأمريكي تمنح صانعي السياسات أدوات قوية لتعزيز أولويات الأمن القومي"، فإنّها تعترف بأنّ هذا التفوق لا يمكن اعتباره أمرا مسلما به، ولذلك فإن الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة المالية وتنميتها سيتطلبان منها الاستفادة من نظامها الحر الديناميكي، ومن ريادتها في التمويل الرقمي والابتكار، لضمان أن تبقى أسواقها الأكثر ديناميكية وسيولة وأمانا، وأن تظل محط إعجاب العالم".
فهل ستتمكّن الولايات المتحدة من تلبية هذه المتطلبات أم أنّ التحولات الجارية والمطلوبة على الصعيد العالمي لن تسمح لها بذلك؟ هذا ما سيكشف عنه المستقبل ربما القريب وليس البعيد.
محمد إبراهيم الحصايري
1 - هو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، عاش فيما بين 1755 أو 1757 و1804 وكان مؤسس النظام المالي للبلاد، والمنظِّر الرئيسي للسياسات الاقتصادية لإدارة الرئيس جورج واشنطن بوصفه أول وزير للخزينة.
قراءة المزيد
• من رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" - الرسالة الأولى: رسالة إلى العالم
- اكتب تعليق
- تعليق