حسيب بن عمّار في لحظات مع بورقيبة
لم يأبه حسيب بن عمّار، عندما انسدّت أمامه أفق الحوار وسبل الديمقراطية، من أن يقدّم لبورقيبة استقالته من وزارة الدفاع (1971) واتصل بوزير التربية آنذاك الأستاذ الشاذلي العياري، لاستئناف عمله أستاذا للفيزياء والكيمياء، فحمل محفظته وخرج من الوزارة، ليعبر هضبة القصبة ويلتحق بالتدريس بالمعهد الصادقي الذي تخرّج منه.
هذه الصورة وحدها تختزل شخصيّة الرجل، الذي اعتذر فيما بعد عن قبول عروض تَولّي الوزارات والسفارات، وأنشأ جريدتي "الرأي" و"Démocratie" ثمّ المعهد العربي لحقوق الإنسان.
ولعلّ السؤال المطروح كيف انبرى الشاب المدرسي التونسي منذ ثلاثينيّات القرن الماضي في خوض معركة الاستقلال وتحمّل مخاطر العمل السرّي لإعداد النشرات الإعلامية وطبعها وتوزيعها ونظّم المظاهرات، ثمّ وكيف ساهم بعد الاستقلال في بناء الدولة الحديثة إلى جانب بورقيبة ولكنّه ظلّ متمسكا بقيم الديمقراطية؟ حسيب بن عمّار يمثل أحد هؤلاء الوطنيّين، ولعلّنا نكتشفه أكثر من خلال ذكرياته تحت عنوان "صفحات من الكفاح التحريري ولحظات مع بورقيبة" التي أعدّها للنشر وقدّمها الأستاذ عبد المجيد الشرفي، ونشرها المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة.
وتوفّق الأستاذ الشرفي في تدقيق النصوص والمقاربة بين المخطوطات والنص المرقون وأبرز في تقديمه أهميّة هذه الشهادة مذكّرا بمسيرة حسيب بن عمّار ورفاقه، وبالذهنيّة السائدة في أوساط الشباب في تلك الفترة وقال أنّ الكتاب يضيء جوانب من شخصيّة صاحبه الجامعة بين المثالية والواقعية، ومن شخصيّة بورقيبة المعقّدة والمتقلّبة أحيانا.
وقد بيّن الأستاذ الشاذلي القليبي في مقدّمته لهذا المخطوط سنوات عديدة قبل نشره أنّ اللّحمة الوطنية التي تميّزت بها تونس كان لها فوزها من أجل الاستقلال وفي نضالها من بعد وجعلها أن تكون قوية في مواجهة التحدّيات.
تجمع هذه الوثيقة النادرة بين المسيرة الشخصيّة وذكريات العمل السرّي والعمل الطلاّبي بباريس ثم تحمّل المسؤوليات في دولة الاستقلال. وتتضمّن تقارير هامّة لأجهزة المخابرات الفرنسية في رصد المواطنين، وتضمّنت أيضا مجموعة من المواقف الطريفة التي عاشها حسيب بن عمّار مع بورقيبة وهي تكشف المزيد من ملامحه وتعكس شخصيّته.
كتاب جيّد، يذكّر الأجيال الشابة بشخصيّات تونسية رائدة التفّت حول بورقيبة واختلفت معه، ولكنّها كانت وفيّة لتونس.
- اكتب تعليق
- تعليق