كيف جرى توظيف الدبلوماسية التونسية لدعم انتخاب القاضي سليم اللغماني: مهمة دبلوماسية بالغة الدقة
الحصول على منصب رفيع المستوى لمرشح دولة ما داخل منظومة الأمم المتحدة ومؤسساتها، أو في المؤسسات المالية الدولية، ليس بالأمر السهل، بل هو مسار طويل ومعقد. فما العوامل التي تساعد على تحقيق ذلك؟ وما المنهج الذي ينبغي اتباعه؟ يشكل انتخاب الأستاذ سليم اللغماني قاضياً في المحكمة الدولية لقانون البحار نموذجاً عملياً للإجابة عن هذه الأسئلة.
ومن نيويورك، حيث دارت العملية الانتخابية، برز الدور الكبير الذي قامت به البعثة الدائمة لتونس لدى الأمم المتحدة، إذ عملت بكثافة وحنكة لضمان نجاح المرشح التونسي.
ويقول نبيل عمار، سفير تونس وممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك، في تصريح لمجلة «ليدرز»، إن النجاح في مثل هذه الانتخابات يتطلب توفير عدة شروط أساسية. أولها تحديد المناصب التي تمثل أولوية حقيقية لتونس، ووضع خطة مبكرة للاستعداد لها.
بعد ذلك يأتي اختيار المرشح الأنسب، الذي يمتلك المؤهلات والخبرة والشرعية اللازمة لتولي المنصب. وفي حالة الأستاذ سليم اللغماني، نجحت تونس في تقديم مرشح يتمتع بخبرة طويلة في قانون البحار وبسمعة علمية ومهنية مرموقة.
لكن وجود مرشح ممتاز لا يكفي وحده، إذ يجب أيضاً كسب أصوات الدول الأخرى. فقد حدث في السابق أن امتلكت تونس أفضل المرشحين، لكنها لم تفز لأن التحرك الدبلوماسي لم يكن بالمستوى المطلوب.
ولهذا، فإن الدعم القوي من أعلى هرم الدولة، والتعبئة المستمرة لكامل الجهاز الدبلوماسي، والتنسيق الوثيق بين الإدارة المركزية والبعثات الدبلوماسية، وخاصة في أماكن إجراء الانتخابات، تعد عناصر أساسية للنجاح. كما أن العمل الميداني في مقر الانتخابات له أهمية حاسمة، لأن الاتصال المباشر مع ممثلي الدول يلعب دوراً كبيراً، إذ إن العديد من الدبلوماسيين الموجودين في نيويورك يتخذون قرار التصويت دون الرجوع إلى عواصمهم. ومن الضروري أيضاً أن تمتلك تونس قاعدة بيانات محدثة باستمرار تضم كفاءاتها الوطنية في مختلف المجالات.
ويتطلب الترويج للمرشح ولترشحه جهداً متواصلاً، من خلال لقاء ممثلي جميع الدول، وتنظيم اجتماعات مباشرة بين المرشح والوفود، ومواصلة العمل دون انقطاع حتى يوم الاقتراع.
ورغم أهمية التحركات الرسمية، فإن العلاقات الشخصية تبقى عاملاً حاسماً. لذلك يجب التواصل مع الزملاء الحاليين والسابقين، والأصدقاء والمعارف، لإبراز أحقية تونس بهذا المنصب، وإظهار القيمة التي سيضيفها مرشحها للمؤسسة الدولية. كما يجب أن تتم التحركات في عواصم الدول، حيث تصدر تعليمات التصويت، وفي نيويورك أيضاً حيث تجرى الانتخابات. وحتى اللحظات الأخيرة، لا يمكن اعتبار أي نتيجة مضمونة، ولذلك كان جميع أعضاء البعثة التونسية يعملون بروح الفريق وفي تنسيق كامل.
دروس مستفادة
استفاد السفير نبيل عمار من خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي، ومن تجربته السابقة وزيراً للشؤون الخارجية، إضافة إلى اقتناعه الكامل بكفاءة الأستاذ سليم اللغماني.
كما أن انتخاب الأستاذ هيكل بن محفوظ قاضياً في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في ديسمبر 2023، بعد محاولة أولى لم تكلل بالنجاح، وخلال الفترة التي كان فيها نبيل عمار وزيراً للخارجية، وفر لتونس دروساً مهمة ساعدتها على تطوير أسلوبها في إدارة مثل هذه الحملات الانتخابية الدولية.
أما بالنسبة للأستاذ سليم اللغماني، فقد كانت المهمة أكثر صعوبة، لأنه كان مطالباً بالحصول على أغلبية الثلثين من أصل 172 صوتاً، في منافسة مع مرشحين ذوي كفاءة عالية واستعداد جيد. وقد أثمرت الجهود، إذ حصل على 116 صوتاً منذ الجولة الأولى.
ويؤكد السفير نبيل عمار أن مرحلة ما بعد الانتخابات لا تقل أهمية عن مرحلة الحملة نفسها. فالعلاقات بين الدول تقوم أيضاً على تبادل الدعم للترشيحات المختلفة. لذلك ينبغي توجيه الشكر إلى الدول التي ساندت تونس، والاستعداد لمساندتها عندما تحتاج إلى ذلك. كما أن المرشح، بعد انتخابه، يجب أن يدرك أنه مدين لوطنه بهذا النجاح، وأن يحافظ على روابط قوية معه، وأن ينجح في أداء مهمته، بما يفتح الطريق أمام كفاءات تونسية أخرى لتولي مناصب دولية مستقبلاً.
قراءة المزيد
أبعاد انتخاب الأستاذ سليم اللغماني قاضياً في المحكمة الدولية لقانون البحار
الأستاذ سليم اللغماني في لقاء حصري مع ليدرز بعد انتخابه قاضياً بالمحكمة الدولية لقانون البحار
- اكتب تعليق
- تعليق