أبعاد انتخاب الأستاذ سليم اللغماني قاضياً في المحكمة الدولية لقانون البحار
في غرة شهر أكتوبر المقبل، سيؤدي الأستاذ سليم اللغماني اليمين القانونية أمام المحكمة الدولية لقانون البحار، التي تتخذ من مدينة هامبورغ الألمانية مقراً لها، ليتولى رسمياً مهامه قاضياً بالمحكمة.
وكان اللغماني قد انتُخب لهذا المنصب الرفيع يوم 18 جوان الماضي، خلال الاجتماع السادس والثلاثين للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي انعقد بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. وتمتد ولايته تسع سنوات إلى غاية سنة 2035، قابلة للتمديد مع تجديد ثلث أعضاء المحكمة البالغ عددهم 21 عضواً بشكل دوري.
وقد فاز مرشح تونس منذ الجولة الأولى بحصوله على 116 صوتاً، متجاوزاً أغلبية الثلثين المطلوبة، متفوقا على مترشحين رفيعي المستوى من كبار المتضلعين في المجال.
وشكّل قانون البحار منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي محور أبحاث الأستاذ اللغماني ومسيرته الأكاديمية، ويأتي انتخابه اليوم تتويجاً لمسيرة جامعية وعلمية حافلة، ويفتح أمامه مرحلة جديدة كخبير يحظى بتقدير دولي واسع.
ويقول دبلوماسي بارز بالأمم المتحدة: "إن ثقافته القانونية الواسعة، وحكمته، واتزانه، ستكون جميعها إضافة ثمينة لعمل المحكمة."
ومن المهم التذكير أن آخر مرة شغل فيها قاضٍ تونسي عضوية المحكمة الدولية لقانون البحار، تعود الى اكثر من عشرين عاما وذلك منذ ولاية الراحل محمد المولدي مرسيط، بين عامي 1996 و2005، في السنوات الأولى لانطلاق أعمال المحكمة.
ويأتي انتخاب الأستاذ اللغماني في وقت تستعد فيه المحكمة، أواخر شهر سبتمبر المقبل، للاحتفال بالذكرى الثلاثين لتأسيسها، وهو احتفال يؤكد صواب رؤية مؤسسيها وأهمية وجود هيئة قضائية متخصصة، في ظل سياق دولي يتسم بتزايد التحديات المرتبطة باستخدام المضائق البحرية، واستغلال قاع البحار، وترسيم الحدود البحرية، والنزاعات المتعلقة بالصيد البحري، وتأثيرات التغير المناخي، وهشاشة النظم البيئية البحرية.
وتُعد المحكمة هيئة قضائية مستقلة أنشأتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للنظر في النزاعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية وتطبيقها، وتتكون من 21 قاضياً مستقلاً، وتمارس اختصاصاً قضائياً في الفصل في النزاعات، إضافة إلى اختصاص استشاري.
وبعد انتخاب هيكل بن محفوظ، في السادس من ديسمبر 2024، قاضياً في المحكمة الجنائية الدولية، توفق الأستاذ سليم اللغماني في الفوز بمقعد مرموق وفي هذا الظرف بالذات في إحدى أهم الهيئات القضائية المتخصصة في القانون الدولي.
ويُعزى هذا النجاح إلى المسيرة العلمية والمهنية المتميزة للمرشح، وإلى الحملة الدبلوماسية الفعالة التي قادتها الدبلوماسية التونسية.
وكما يكشف عنه الأستاذ سليم اللغماني في حديثه إلى مجلة Leaders، في عددها لشهر جويلية، فإنه لم يكن في البداية يفكر في هذا المنصب، عندما استحثه منذ عشرين عاما العميد الراحل عبد الفتاح عمر للتقدم اليه، ولكن الأمر بدأ يتبادر إلى ذهنه بعد الفراغ من مهامه الجامعية، غير أنه لم يتقدم بترشحه بمبادرة شخصية منه، إذ تم اختياره من قبل الجهات المعنية، قبل أن يقرر رئيس الجمهورية تقديم ترشيحه رسمياً، مع توفير الدعم اللازم لإنجاحه.
وخلال المرحلة الأخيرة من الحملة، منذ شهر افريل الماضي، كثفت البعثة الدائمة لتونس لدى الأمم المتحدة، وعلى رأسها السفير نبيل عمار، جهودها لحشد التأييد، وتحولت إلى خلية عمل متواصلة لكسب الأصوات.
وقد نظمت البعثة ما لا يقل عن 70 لقاء للأستاذ اللغماني مع ممثلي الدول الأطراف في الاتفاقية، وقد سافر إلى نيويورك مرتين لإجراء هذه اللقاءات.
وأثبتت هذه الاتصالات المباشرة إلى جانب حفلات الاستقبال التي نُظمها السفير نبيل عمار بهذه المناسبة، وما قدمه المرشح من إجابات دقيقة ومقنعة عن مختلف الأسئلة المطروحة، نجاعتها في تحقيق هذا الفوز.
ويمثل هذا النجاح انتصاراً لتونس بأسرها، التي تتطلع إلى استعادة إشعاعها الدبلوماسي على الساحة الدولية، وهي تسعى لكي ترى كفاءاتها تبواء مناصب دولية رفيعة، اعترافاً بما تتمتع به من خبرة وكفاءة ونزاهة.
ما هي دلالات هذا الانتخاب؟ وما الذي دفع الأستاذ سليم اللغماني إلى خوض هذه التجربة؟ وكيف نجحت الدبلوماسية التونسية في تأمين الأصوات؟
الإجابة عن كل هذه الأسئلة تجدونها في ملف خاص يتضمن حوارين حصريين مع الأستاذ سليم اللغماني والسفير نبيل عمار، نشرته مجلة ليدرز في عددها لشهر جويلية الجاري، ونتولى ترجمته الى اللغة العربية ونشره تباعا على موقع ليدرز.
الصور: محمد الحامي (الأستاذ سليم اللغماني)، و® المحكمة الدولية لقانون البحار.
- اكتب تعليق
- تعليق