أخبار - 2026.07.08

زمبرة: جوهرة البحر الأبيض المتوسط

زمبرة: جوهرة البحر الأبيض المتوسط

بقلم عبد المجيد دبار

صراعات سياسية ومطامع حول الجزيرة

• محاولة شراء "آغا خان": في بداية الثمانينيات، قام الأغا خان — قادمًا من سردينيا حيث كان يمتلك جزيرة تضم مجمعًا سياحيًا فاخرًا — بجولة حول جزيرة زمبرة على متن يخته. وفور وصوله إلى سيدي بوسعيد، اتصل هاتفيا ببورقيبة الابن قائلاً: «أريد شراء زمبرة»، فجاءه الرد قاطعًا وفوريًا: «تونس ليست للبيع».

• مشروع الرادار (1985): إثر القصف الإسرائيلي للمقر العام الفلسطيني في حمام الشط عام 1985، قررت الحكومة التونسية تثبيت رادار يغطي خليجي تونس والحمامات، وجزءًا كبيرًا من شمال البلاد وجنوبها. لكنها اضطرت للتخلي عن الفكرة بسبب تضاريس زمبرة الوعرة التي جعلت تركيب الرادار مستحيلاً، ليتنقل المشروع في النهاية إلى مرتفعات جبل سيدي عبد الرحمن، أعلى نقطة في الوطن القبلي.

• المطامع الصينية (2008): في أفريل 2008، كادت عائلة الرئيس السابق زين العابدين بن علي أن تبيع جزءًا من الجزيرة لمستثمرين صينيين لبناء مجمع سياحي. حينها، اتحد البيئيون والمثقفون للدفاع عن زمبرة وإنقاذها، ونجحوا في ذلك بفضل التدخل الأمريكي الذي عارض بشدة تغلغل الصينيين في موقع استراتيجي كهذا.

جنة بيئية ومحمية عالمية

بقيت هذه الجوهرة المتوسطية، التي تتكون من جزيرة "زمبرة" وجزيرتها الصغيرة "زمبرتة"، فردوسًا بيئيًا حافظ على ثروته الحيوانية والنباتية بشكل مذهل. ولهذا السبب، أدرجتها منظمة اليونسكو كمحمية للمحيط الحيوي منذ عام 1977.

تحولت الجزيرة إلى محمية وطنية لسبب رئيسي، وهو أنها تمثل الملاذ السنوي الأمثل لتكاثر طائر "جلم الماء الدكنة" (Le puffin cendré) في شقها البري، بينما تحظى منطقتها البحرية بحماية تمتد على مسافة 1.5 ميل بحري حول الجزيرتين.

تاريخ عريق وحفريات أثرية

كشفت الحفريات الأثرية التي قام بها المعهد الوطني للتراث منذ عام 1993 عن تعاقب حضارات شتى على زمبرة؛ منها البونية، والرومانية، والوندالية، والبيزنطية، والعربية، وتؤكد ذلك الفسيفساء والآثار القريبة من الميناء ومن الشاطئ الرملي الوحيد.

•  آثار من إيطاليا: يمكن للملاحظ الدقيق عند صعوده المسلك المؤدي إلى "وادي الزيتون" و"الكاتدرائية" (صخرة ضخمة)، أن يجد عند مستوى "بيت الشاعر" شظايا عديدة من حجر "الأوبسيديان" (الزجاج البركاني) القادم من جزيرة بانتيليريا الإيطالية.

• بقايا بشرية: أظهرت تحاليل أخرى اكتشاف عظام بشرية يعود تاريخها إلى 3000 أو 4000 سنة قبل الميلاد.

• منشآت مائية قديمة: تبرز المنشآت المائية الضخمة المتواجدة بالجزيرة — مثل سدود حجز مياه الأمطار، والمواجل الكبيرة، والآبار — أن الجزيرة كانت مأهولة بالسكان منذ العصور القديمة.

• صناعات بحرية: بينت حملات أثرية أخرى وجود آثار لصناعات مرتبطة باستغلال البحر، لا سيما استخراج الصباغ الأرجواني من قواقع "البطلينوس".

غطاء نباتي فريد ومميز

عند مقارنة نباتات زمبرة بنباتات القارة (وخاصة الوطن القبلي)، نلاحظ غياب نبتة الإكليل (الروزماري) تمامًا. ومن بين 266 نوعًا نباتيًا في الجزيرة:

• تُعد أشجار الزيتون البري والعرعر الأشجار الوحيدة هناك.

• يغطي وسط الجزيرة نبات الضرو، والخلنج، والقطلب، والقستوس، وهي نباتات لا يتجاوز طولها المترين.

• ينتشر النخيل القزم بكثافة، حتى على صخرة "الكاتدرائية" الضخمة الواقعة شمال غرب الجزيرة.

• تتشابه بعض الأنواع النباتية مع نباتات خمير، والمقاعد، والوطن القبلي، مع وجود أنواع نادرة وبعضها مستوطن (جزائري-تونسي، أو شمال متوسطي، أو غرب متوسطي وتحديدًا من سردينيا).

• تنتشر نبتة "الكَبّار" في المرتفعات المتوسطة وفي منطقة "عين كبّار" التي تحمل اسمها، ويوجد الكرنب البري (أصل القرنبيط) في "وادي الكرومبيت" قبل الوصول إلى مغارة الحمام.

الحياة البحرية وسلاسل الغذاء

أصيب غواصو نادي المرسى بالذهول أمام صفاء مياه زمبرة وشفافيتها، وثراء قاعها البحري وصخورها وفجواتها بالنباتات والحيوانات البحرية في سيمفونية رائعة من الألوان.

• قصة الأرانب البرية: أدخل البحارة البونيون والرومانيون "الأرنب البري" إلى الجزيرة ليكون بمثابة "مخزن طعام حي" يلجؤون إليه أثناء العواصف وسوء الأحوال الجوية، وهو ما أثبتته تحاليل الكربون 14 على العظام الموجودة في السهل الوحيد شمال الميناء وفي "عنق الجمل"، والتي يعود تاريخها لأكثر من 4000 سنة. وحاليًا، يشهد انتشار الأرنب البري تراجعًا في الجزيرة.

• التيارات البحرية المغذية: تتمتع زمبرة بتنوع بيولوجي بحري هائل؛ حيث يمر بها تيار بحري قادم من المحيط الأطلسي، يعبر السواحل المغربية والجزائرية، ليلتف حول زمبرة وزمبرتة وينتهي في خليج تونس. هذا التيار غني بالمواد المغذية (العوالق النباتية والحيوانية) التي تشكل أساس الغذاء للأسماك.
• صيد التونة (الماتانزا): جعلت هذه التيارات من سواحل جنوب سردينيا، ومضيق صقلية، وعرض خليج تونس، مكانًا مثاليًا لتغذى أسراب الماكريل والسردين والأنشوجة. وجذب هذا الثراء السمكي صيادًا ضخمًا وهو التونة العنيدة (التونة الحمراء)، التي تقيم في المنطقة لتتغذى وتسمّن قبل مواصلة رحلتها. وهنا تنتظرها مفاجأة؛ حيث ينصب لها صيادو "سيدي داود" شباكًا معقدة يسوقونها عبرها إلى "الماتانزا" (غرفة الموت)، لتنتهي في علب المصبرات وفي أطباقنا.

طائر جلم الماء الدكنة: سيد البحر

يُعد طائر "جلم الماء الدكنة" المفترس الآخر لأسماك السردين والأنشوجة. يقضي هذا الطائر ستة أشهر في عرض البحر الأطلسي وصولاً إلى سواحل البرتغال وموريتانيا، وستة أشهر أخرى في زمبرة للتكاثر.

رقم قياسي عالمي: تذكروا هذا جيدًا، 95% من تعداد هذا الطائر في البحر الأبيض المتوسط — أي ما يعادل 140 ألف زوج — يستقر في تجاويف ومغارات وصخور زمبرة لبناء أعشاشه.

لا يزور الطائر عشه إلا ليلاً لتبادل أدوار حضن البيض مع شريكه، وللتعارف بينها، تطلق هذه الطيور صيحات تشبه صراخ الأطفال في دور الحضانة. بفضل طول جناحيه الذي يصل إلى 125 سم، يطير هذا الطائر بسهولة مع الرياح أو عكسها، وتتراوح سرعته بين 50 و90 كم/ساعة.

يستطيع هذا الطائر المحلق بامتياز تتبع أسراب الأسماك حتى سواحل عنابة في الجزائر وخليج سرت في ليبيا، ولكن نذرًا يلا حظ في خليج قابس، ويبدو أنه يتجنب المياه الضحلة لأنه يغوص حتى عمق 9 أمتار لصيد الأسماك. يوزع الطائر الذي لا يحضن البيضة وقته نهارًا كالتالي: 35% للبحث عن الطعام، 25% للتنقل، و40% مستريحًا فوق الماء، وتعد مياه خليج تونس (على بعد 50 كم من المستعمرة) منطقة ذات أهمية قصوى لتغذيته.

الشاهين: صياد السماء السريع

تسجل زمبرة على مساحتها البالغة 389 هكتارًا واحدًا من أعلى الكثافات العالمية لـ صقر الشاهين (Le faucon pèlerin) بوجود 10 أزواج، إضافة إلى زوج واحد من "الصقر الوكري".

يمتلك الشاهين — سيد السماء وأسرع كائن على وجه الأرض — تقنيته الخاصة لتأمين طعامه في الجزيرة: في بداية الخريف وخلال فترة الهجرة من الشمال إلى الجنوب، تعبر الطيور المهاجرة البحر المتوسط قادمة من أوروبا. وبما أن زمبرة تقع في أحد ممرات الهجرة، تحط الطيور المجهدة (مثل العصافير والقماري وغيرها) في الجزيرة للراحة. وما إن يغامر طائر بمواصلة طيرانه نحو إفريقيا، حتى ينقض عليه أحد صقور الشاهين المتربصة؛ إذ يأخذ الصقر ارتفاعًا شاهقًا ثم ينقض ببراعة وسرعة مذهلة تصل إلى 300 أو 380 كم/ساعة، وبذلك تحافظ الصقور على طرائد حية لها ولصغارها بدلاً من الطيران لجلبها من الوطن القبلي الذي يبعد 15 كم.

الأروية الكورسيكية وأزمة العطش

في عام 1964، أهدى الملك بودوان ملك بلجيكا للرئيس بورقيبة زوجًا من الأروية الكورسيكية (Moufflons de Corse - خراف برية)، وتولت الإدارة العامة للغابات نقلها إلى "وادي الزيتون" شمال غرب زمبرة.

يبلغ عددها حاليًا 42 رأسًا، لكنها تواجه نسبة وفيات عالية بسبب العطش؛ ففي شهر أغسطس يجف النبع الوحيد في وادي الزيتون. وبعد مرور أكثر من 50 عامًا، لم يكتشف القطيع بعد الجانب الشمالي الشرقي من الجزيرة حيث يوجد نبع "عين كبّار"، وذلك بسبب حاجز طبيعي صخري ضخم يُطلق عليه اسم "الباور" لشبهه بالسفينة الكبيرة.

تحية وفاء للبيئيين التونسيين

إن محمية زمبرة وزمبرتة الطبيعية — أو "جامور الكبير" و"جامور الصغير" كما كان يحب أن يسميهما "عصفور"، الرجل الذي كرس حياته لهذا الموقع وكان يعتبره أحد أبنائه — تدين بحفظها وحمايتها لمناضلين كبيرين في المجال البيئي، وهما: علي الهيلي وعبد الله بن ضافر (الملقب بعصفور)، اللذين أدين لهما بتكويني ومعرفتي.

ما زالت محمية زمبرة وزمبرتة تكتنز الكثير من الخيرات والأسرار المصونة، والباحثون والعلماء مدعوون اليوم لمضاعفة الجهود لفك شفراتها وإبراز مكنوناتها.

عبد المجيد دبار

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.