هذه الطيور الساحرة… كنزٌ طبيعي يستحق المشاهدة والحماية
تختزن تونس ثروةً طبيعية فريدة تتمثل في تنوعها الكبير في عالم الطيور، حيث تزخر بأنواع نادرة وأخرى ذات قيمة علمية وبيئية استثنائية، ما يجعلها من أبرز الوجهات لعشاق مراقبة الطيور والباحثين في علم الطيور. ويضم هذا التراث البيولوجي ما يقارب 400 نوع تم توثيقها علميًا، ليشكل لوحة طبيعية آسرة تعكس غنى البيئة التونسية وتنوعها.
غير أن هذه الثروة، شأنها شأن كل كنز ثمين، تواجه تحديات حقيقية تهدد استدامتها. فالصيد الجائر، واصطياد الطيور بغرض الاتجار بها، واحتجازها بطرق غير قانونية، كلها ممارسات تُعرّض العديد من الأنواع لخطر التراجع والاندثار.
ورغم محدودية الإمكانات، تواصل السلطات العمومية جهودها لحماية هذا الإرث الطبيعي، سواء عبر الإدارة العامة للغابات التابعة لوزارة الفلاحة أو من خلال المؤسسات المختصة بالمحافظة على البيئة والمناطق الرطبة. إلا أن الدور الأبرز يظل من نصيب المجتمع المدني، وفي مقدمته جمعية أصدقاء الطيور، التي أصبحت حارسًا يقظًا لهذا التنوع البيولوجي، من خلال نشر ثقافة حماية الطيور، وإنجاز الدراسات والأعمال الميدانية، ومساندة الباحثين والمهتمين بهذا المجال.
هذا الملف يدعو القارئ إلى رحلة داخل عالم الطيور في تونس؛ عالم زاخر بالألوان والأصوات والحياة، يسلط الضوء على أجمل الأنواع التي تزخر بها البلاد، ويكشف التهديدات التي تواجهها، كما يعرّف بالدور الذي تضطلع به جمعية أصدقاء الطيور وأعضاؤها في حماية هذا التراث الطبيعي. ومع حلول فصل الربيع، تتجدد الدعوة إلى إعادة اكتشاف الطبيعة التونسية والاستمتاع بما تمنحه من مشاهد آسرة وتنوع استثنائي.
ورغم أن تونس تُعد من أصغر بلدان المنطقة مساحةً، فإنها تحتل مكانة متميزة على خريطة الطيور في حوض البحر الأبيض المتوسط، بفضل العدد الكبير من الأنواع التي يمكن رصدها على مدار السنة، سواء كانت مقيمة أو مهاجرة. ويعود هذا الثراء أساسًا إلى موقعها الجغرافي الفريد، الذي يجعلها حلقة وصل بين قارتي أوروبا وإفريقيا، فضلًا عن تنوع بيئاتها الطبيعية، من الغابات والجبال إلى السواحل والسباخ والواحات والصحارى.
وتتميز الطيور التونسية بتركيبة بيولوجية فريدة؛ فإلى جانب عدد محدود من الطيور البحرية المنتشرة عالميًا، تضم البلاد مجموعة واسعة من الأنواع البالياركية المقيمة، إضافة إلى أنواع مستوطنة وأخرى ذات أصول إفريقية. وقد أسفر هذا التنوع عن تسجيل 395 نوعًا مختلفًا من الطيور، من بينها 245 نوعًا من غير العصافير و151 نوعًا من العصافير.
ومن بين هذه الأنواع، يوجد 174 نوعًا يتكاثر في تونس بصورة مؤكدة أو مرجحة بدرجة كبيرة، و8 أنواع يُحتمل تكاثرها دون أن يُحسم وضعها العلمي بعد، إلى جانب 19 نوعًا انقرضت أو يُعتقد أنها اختفت من البلاد. ويرجع اختفاء معظم هذه الأنواع منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى الصيد المفرط وتدهور مواطنها الطبيعية، ومن أبرزها النسر الأسمر، والنسر الراهب، والعقاب الملتحي، والعقاب أبيض الذيل، وكركي نوميديا وغيرها من الطيور التي كانت يومًا جزءًا من المشهد الطبيعي التونسي.
كما تضم قائمة الطيور في تونس 156 نوعًا من الطيور المهاجرة التي تعبر البلاد أو تقضي فيها فصل الشتاء أو الصيف، إضافة إلى 38 نوعًا نادر الظهور أو استثنائيًا، وهي طيور تُرصد خارج نطاق انتشارها المعتاد. ومن بين هذه الأنواع النادرة طيطوي الرمل المحمر القادم من أمريكا الشمالية، وزقزاق أبيض الذيل الآسيوي، واللقلق أبو منجل الإفريقي، وصائد الذباب القزم، وهي مشاهد تؤكد المكانة التي تحتلها تونس كمحطة رئيسية على أحد أهم مسارات هجرة الطيور في العالم.
إعداد الملف: هشام عزفزف، مراد العماري، وكلوديا فيلتروب- عزفزف
الصور: هشام عزفزف ، وشاترستوك.
- اكتب تعليق
- تعليق