أخبار - 2026.01.28

خامسةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى آسيا ومنطقة الهندي الهادئ

خامسةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى آسيا ومنطقة الهندي الهادئ

بقلم محمد إبراهيم الحصايري - مباشرةً من الحديث عن منطقة "نصف الكرة الغربي" انتقلت "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" إلى الحديث عن آسيا، ولكن ليس كلّ آسيا، وإنّما أساسًا عن منطقة "الهندي-الهادئ" وبالذات عن الصين، وجاء هذا الحديث تحت عنوان حافل بالدلالات والمعاني وهو "كسب المستقبل الاقتصادي ومنع المواجهة العسكرية".

ومنذ البداية، وفي إعادةٍ مثيرةٍ للجدلِ لقراءةِ تاريخِ العلاقات الأمريكية الصينية خلال الأربعين أو الثلاثين سنة الماضية، تطرّقت الاستراتيجية إلى ما اعتبرته "أكثر من ثلاثة عقود من الافتراضات الأمريكية الخاطئة حول الصين"، التي أدّت إلى صعودها والتي تمثّلت في "أنَّ النُّخب الأمريكية، عبر أربع إدارات متعاقبة من الحزبين،  كانت إمّا ممكِّنًا، طواعية، للاستراتيجية الصينية، أو مُنْكِرَةً لحقيقة ما يجري"، لأنّها كانت تحسب وتدّعي أنّ فتح أسواق الولايات المتحدة أمام الصين، وتشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار فيها، ونقل صناعتها إليها عوامل من شأنها أن تسهل دخولها إلى ما يسمى "النظام الدولي القائم على القواعد"، غير أنّ ذلك لم يحدث، وما حدث فعلا هو أن "الصين أصبحت ثريّة وقويّة واستعملتْ ثروتها وقوّتها لمصالحها الكبرى" (وكأنَّ النّخب الأمريكية كانت من السذاجة بحيث كانت تتوقّع منها أن تستعمل ثروتها وقوّتها لخدمة مصالح الولايات المتحدة).

وعلى كلٍّ، فإنّ صعود الصين أدّى إلى صعود منطقة الهندي-الهادئ عموما، وهو ما تجلّى في أن هذه المنطقة أصبحت تنتج بالفعل ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي عند القياس وفقا لتعادل القوة الشرائية (PPP) وثلث الناتج العالمي عند القياس وفقا للناتج الاسمي، ومن المؤكَّد، حسب ما جاء في الاستراتيجية، أن هذه الحصة ستواصل النمّو خلال القرن الحادي والعشرين، وهو ما يعني أن المنطقة أصبحت بالفعل وستظل أحد ميادين المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية الكبرى في القرن المقبل.
وتعتبر الاستراتيجية أن النجاح في الداخل الأمريكي يستوجب من الولايات المتحدة أن تنافس بنجاح في منطقة الهندي-الهادئ، وأن هذا ما تقوم به، ويقوم به فعلاً الرئيس الأمريكي الذي وقّع خلال جولته الآسيوية التي قادته في أكتوبر 2025 إلى ماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية، اتفاقيات كبرى عمّقت أكثرَ روابطَ الولايات المتحدة القوية في مجالات التجارة والثقافة والتكنولوجيا والدفاع، وأعادت التأكيد على التزامها بأن تظل منطقة الهندي-الهادئ "حرة ومفتوحة".

وتؤكد الاستراتيجية أن الولايات المتحدة تعوّل في تحقيق هذه الغاية، والنجاح في المنافسة على ما "لا تزال تمتلكه من قدرات هائلة" وهي أقوى اقتصاد، وأقوى جيش في العالم، وابتكارٌ يتفوّق عالميا، وقوَّةٌ ناعمةٌ لا مثيل لها، وسجلٌّ تاريخيّ في جلب الفوائد لحلفائها وشركائها...

كما تعوّل، من ناحية أخرى، على عمل الرئيس دونالد ترامب من أجل بناء تحالفات وتعزيز شراكات قويّة في منطقة الهندي-الهادئ ستكون الأساس الصّلب للأمن والازدهار لوقت طويل في المستقبل.

ووفقا للاستراتيجية فإنّ الرهان الأكبر على الصعيد الاقتصادي سيكون إعادة التوازن للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وبين الصين، علما بأن الولايات المتحدة ترى أن هذه العلاقات كانت وما تزال منذ أن أعاد الاقتصاد الصيني فتح أبوابه للعالم سنة 1979، غير متوازنة بشكل جوهري، ذلك أن العلاقة التي قامت آنذاك بين الاقتصاد الأمريكي الذي كان "اقتصادا ناضجا وثريّا" والاقتصاد الصيني الذي كان اقتصادَ "دولة كانت من أفقر دول العالم"، تحوّلت اليوم إلى علاقة بين قوّتين متقاربَتَيْن...

ومع أنّ السياسة الجمركية الأمريكية شهدت تحوّلاً، بدأ منذ سنة 2017 (على يد الرئيس دونالد ترامب في مستهلّ ولايته الرئاسية الأولى)، فإنّ الصّين استطاعت التكيّف مع هذا التحوّل من خلال تعزيز سيطرتها على سلاسل الإمداد وخاصة في دول الدخل المنخفض والمتوسّط (أي الدول التي يبلغ فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 13.800 دولار أو أقل) وهي من أكبر ميادين المنافسة الاقتصادية في العقود المقبلة.

ونتيجة لهذا التكيّف الذي مكّن الصين من مضاعفة صادراتها إلى الدول منخفضة الدخل بين سنَتَيْ 2020 و2024، باتت الولايات المتحدة تستورد السلع الصينية بشكل غير مباشر عبر وسطاء ومصانع بنتها الصين في عشرات الدول بما في ذلك المكسيك. وبالفعل فإنّ صادرات الصين اليوم إلى الدول منخفضة الدخل أصبحت، كما جاء في الاستراتيجية، تقارب أربعة أضعاف صادراتها إلى الولايات المتحدة. وعندما تولى الرئيس ترامب منصبه لأول مرة سنة 2017 كانت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تمثّل 4 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي، لكنها انخفضت لاحقا إلى ما يزيد قليلا على 2 بالمائة، ومع ذلك تواصل الصين التصدير إلى الولايات المتحدة عبر دول وسيطة.

واعتبارا لذلك فإنّ الولايات المتحدة تتجه إلى العمل، في المرحلة المقبلة، على إعادة توازن العلاقة الاقتصادية بينها وبين الصين مع إعطاء الأولوية للمعاملة بالمثل والانصاف بهدف استعادة الاستقلال الاقتصادي الأمريكي.

وتؤكد الاستراتيجية أن ذلك يستوجب أن تكون التجارة مع الصين متوازنة ومركَّزة على العوامل غير الحساسة، علما بأن اقتصاد الولايات المتحدة، إذا استمرت في مسار النمو الاقتصادي، وتمكّنت من الحفاظ على هذا النموّ مع استمرار علاقة اقتصادية متبادلة الفائدة حقا مع بيكين، يجب أن ينتقل من 30 تريليون دولار سنة 2025 إلى 40 تريليون دولار في ثلاثينات هذا القرن، وهو ما يضعها في موقع قويّ يمكّنها من الحفاظ على مكانتها كأكبر اقتصاد في العالم.

وانطلاقا من أنّ الهدف النهائي الذي ترمي الولايات المتحدة إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة هو وضع أساس متين لازدهار اقتصادي طويل الأمد، فإنّه من المهم أن تُرْفِقَ جهودَها على الصعيد الاقتصادي بـ"تركيز قويّ ومستمرّ على الردع، لمنع الحرب في منطقة الهندي-الهادئ".

إن هذا النهج المزدوج، كما تؤكد الاستراتيجية، يمكن أن يتحول الى حلقة إيجابية متكاملة بحيث يتيح الردع الأمريكي القويّ مساحة أكبر لاتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر انضباطا، بينما تؤدي الإجراءات الاقتصادية إلى تعزيز الموارد الأمريكية اللازمة للحفاظ على الردع على المدى الطويل.

وحتى يتسنى للولايات المتحدة تأمين أسباب النجاح لهذا النهج، فإنّها ستكون بحاجة إلى عدّة أمور أساسية وضرورية، يمكن إجمال أهمها فيما يلي:

أولا وعلى الصعيد الداخلي

أن تعمل، بغيةَ حماية اقتصادها وشعبها والدفاع عنهما من أيّ ضرر ومن أي دولة أو مصدر كان، على إنهاء كل أشكال الممارسات التجارية غير العادلة (التي دأبت هي والدول الغربية عامة باتهام الصين بارتكابها) وقد عدّدت منها "الدعم الحكومي الافتراسي (predatory) والاستراتيجيات الصناعية الموجّهة من الدولة، وسرقة الملكية الفكرية على نطاق واسع والتجسس الصناعي، والتهديدات التي تطال سلاسل الإمداد وتعرّض وصول الولايات المتحدة إلى الموارد الحيوية للخطر، بما في ذلك المعادن والعناصر النادرة، وتصدير المواد الأولية لإنتاج الفنتانيل التي تغذّي أزمة الأفيونيات في أمريكا، والدعاية وعمليات التأثير وأشكال أخرى من الاختراق الثقافي"...

أن تستثمر في البحث العلمي للحفاظ على تفوّقها وتطويره في التقنيات العسكرية المتقدمة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج مع التركيز على المجالات التي تتمتع فيها بأقوى ميزات التفوق. وتشمل هذه المجالات القدرات تحت سطح البحر، والفضاء، والطاقة النووية، بالإضافة الى المجالات التي ستحدد مستقبل القوة العسكرية مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية والأنظمة الذاتية/ المستقلة، وكذلك مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل هذه التقنيات.

أن تعزّز العلاقات الحيوية بين الحكومة الأمريكية وبين القطاع الخاص الأمريكي بما يساعد في مراقبة التهديدات المستمرة التي تستهدف الشبكات الأمريكية بما في ذلك البنية التحتية الحيوية. وهذا بدوره يتيح للحكومة الأمريكية القدرة على الكشف الفوري عن التهديدات وتحديد مصدرها والاستجابة لها (سواء عبر الدفاع الشبكي أو العمليات السيبرانية الهجومية) وذلك مع حماية تنافسية للاقتصاد الأمريكي، وتعزيز مرونة قطاع التكنولوجيا الأمريكي.

أن تعمل بالتوازي مع ذلك على التقليل بشكل كبير من القيود التنظيمية، وذلك بهدف تعزيز قدرتها التنافسية وتحفيز الابتكار وزيادة الوصول إلى الموارد الطبيعية، والسعي من خلال ذلك إلى استعادة توازن عسكري يكون في صالحها وصالح حلفائها في المنطقة.

ثانيا وعلى الصعيد الخارجي

أن تعمل الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها الذين يضيفون ما قيمته 35 تريليون دولار من القوة الاقتصادية إلى اقتصادها البالغ 30 تريليون دولار، على مواجهة الممارسات الاقتصادية الافتراسية، وعلى الاستفادة من هذه القوة الاقتصادية المشتركة التي تمثل أكثر من نصف اقتصاد العالم، لحماية موقعها الريادي في الاقتصاد العالمي، وضمان عدم خضوع اقتصادات الحلفاء لأي قوة منافسة.

وفي هذا الإطار، تجدر الملاحظة أنّ الاستراتيجية تولي أهمية خاصة للهند، حيث أنها تؤكد على وجوب مواصلة تحسين العلاقات التجارية وغيرها مع نيودلهي لتشجيعها على المساهمة في أمن منطقة الهندي-الهادئ، بما في ذلك من خلال استمرار التعاون الرباعي بين أستراليا واليابان والهند والولايات المتحدة (Quad).
وواضح أن هذه الأهمية الخاصة التي توليها الولايات المتحدة للهند ترجع إلى رغبتها في استغلال طبيعة العلاقة "المضطربة عادةً" القائمة بين نيودلهي وبين بيكين، في مواجهة الصين، حيث أنها، كما تؤكد الاستراتيجية، ستعمل على "مواءمة إجراءات حلفائها وشركائها مع مصالحها المشتركة في منع هيمنة أي دولة منافسة واحدة".

أن تعمل أيضا، في إطار سعيها إلى الحفاظ على تفوقها الاقتصادي، وإلى تحويل منظومتها التحالفية إلى كتلة اقتصادية موحّدة، على تطبيق سلسلة الإجراءات التالية:

- أن تُنَفِّذَ انخراطا اقتصاديّا قويّا بواسطة الدبلوماسية ومن خلال القطاع الخاص في الدول التي يرجَّحُ أن يحدث فيها معظم النمو الاقتصادي العالمي خلال العقود القادمة.
- أن تشجّع أوروبا واليابان وكوريا وأستراليا وكندا والمكسيك ودولا بارزة أخرى على تبني سياسات تجارية تساعد في إعادة توازن الاقتصاد الصيني نحو استهلاك الأُسَر لأنّ جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط لا يمكنها وحدها استيعاب الطاقة الإنتاجية الصينية الفائضة الهائلة. وفي هذا الإطار يمكن للدول الأوروبية والآسيوية المصدّرة أن تتوجه هي أيضا إلى دول الدخل المتوسط باعتبارها سوقا لمنتجاتها آخذةً في النموّ.  
- أن تتدارك هي وحلفاؤها التفوّق الذي أحرزته الشركات الصينية المدعومة والموجَّهَة من الدولة في بناء البنى التحتية المادية والرقمية في بلدان الشركاء التجاريين للصين التي أعادت توظيف ما يقارب 1.3 تريليون دولار من فوائضها التجارية على شكل قروض في هذه البلدان، ويتطلّب ذلك وضع وتنفيذ خطة مشتركة لما يسمى بـ"الجنوب العالمي" من قبل الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها الذين يمتلكون معا موارد هائلة (تلاحظ الاستراتيجية في هذا الصدد أن أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها تمتلك أصولا مالية أجنبية صافية تبلغ 7 تريليونات دولار. كما إن المؤسسات المالية الدولية بما في ذلك البنوك الإنمائية متعددة الأطراف تمتلك أصولا مجتمعة تبلغ 1.5 تريليون دولار). 
- أن تستغلّ موقعها القيادي في المؤسسات المالية الدولية التي ترى أنّ اتساع مهامها أدى إلى تقويض بعضها، وذلك من أجل تنفيذ إصلاحات تضمن أن تكون في خدمة المصالح الأمريكية.
- أن تعرِضَ على شركائها حزمة من الحوافز، على غرار التعاون في التقنيات العالية، ومشتريات الدفاع، والوصول الى أسواق رأس المال الأمريكية، وهي حوافز يمكن أن ترجّح الكفّة لصالحها عند اتخاذ القرارات.
-أن تساعد، باعتبار أنها تمتلك أعمق وأكثر أسواق رأس المال كفاءة في العالم، الدولَ منخفضةَ الدخل على تطوير أسواقها المالية الخاصة، وربط عملاتها بشكل أوثق بالدولار، مما يضمن استمرار الدولار مستقبلا باعتباره العملة الاحتياطية العالمية. 
- أن تعمل، في ضوء النتائج التي أسفرت عنها الزيارات الرسمية التي قام بها الرئيس الأمريكي في ماي 2025 إلى دول الخليج العربي والتي أظهرت قوة وجاذبية التكنولوجيا الأمريكية، بصورة مشابهة، على استقطاب الحلفاء والشركاء الأوروبيين والآسيويين، بما في ذلك الهند، لترسيخ وتحسين مواقعها المشتركة في نصف الكرة الغربي وفي إفريقيا فيما يتعلق بالمعادن الحرجة. 
- أن تشكّل تحالفات تستخدم وتستفيد من مزاياها النسبيّة في التمويل والتكنولوجيا بهدف بناء أسواق تصديرية مع الدول المتعاونة.

وإلى كل ذلك، وقبله وبعده، تؤكد الاستراتيجية أن شركاء الولايات المتحدة الاقتصاديين لا ينبغي أن يتوقّعوا، بعد الآن، تحقيق الدخل منها عبر فائض الطاقة الإنتاجية والاختلالات البنيوية، بل يجب أن يسعوا إلى النمو من خلال تعاونٍ مُدَارٍ ومُرْتًبِطٍ بالاصطفاف الاستراتيجي ومُعْتَمِدٍ على الاستثمار الأمريكي طويل الأمد.

وبكل ثقة في النفس، تعتبر الاستراتيجية أنّ الولايات المتحدة تستطيع تحقيق كافة أهدافها بفضل ما تتميّز به عن بقية دول العالم، من انفتاح، وشفافية، وموثوقية، والتزام بالحرية والابتكار والرأسمالية القائمة على السوق الحرة، فهذه المميزات ستستمر في جعلها الشريك الأول المفضل عالميا خاصة وأنها ما تزال تحتفظ بالموقع المهيمن في التقنيات الأساسية التي يحتاجها العالم، وذلك فضلا عن "أن أعظم مزاياها ما تزال تتمثل في نظام حكمها، واقتصادها الديناميكي".

غير أن الاستراتيجية تستدرك لكي تؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تفترض أن مزايا نظامها ستستمر تلقائيا دون جهد...   

أما الجهد المطلوب فهو يتمثل، إلى جانب ترسانة الأسلحة الاقتصادية والتجارية التي عدّدتها، وعلاوة على التعاون مع الحلفاء والشركاء، في ضرورة أن تعمل الولايات المتحدة على ردع التهديدات العسكرية الآتية من آسيا ومنطقة الهندي-الهادئ وبالتحديد من الصين التي تواصل صعودها السّريع بل المُسَرَّع اقتصاديا وعسكريا، وتعلن، على الملأ، أنها ترنو إلى أن تصبح القوة العالمية الأولى سنة 2049 أي سنة الاحتفال بقيام جمهورية الصين الشعبية سنة 1949.   

وتؤكد الاستراتيجية "أن الحفاظ على التفوق الاقتصادي والتكنولوجي الأمريكي هو، على المدى الطويل، الوسيلة الأضمن للردع ومنع نشوب صراع عسكري واسع النطاق"، غير أن "توازن القوى العسكرية التقليدية يبقى عنصرا أساسيا في المنافسة الاستراتيجية".

ومن هذا المنطلق فإنّ الولايات المتحدة توجّه وبحق، قدرا كبيرا من الاهتمام نحو تايوان وذلك، جزئيا، بسبب هيمنتها على صناعة أشباه الموصلات، ولكن، أساسا، لأنّ موقعها الجغرافي يتيح وصولا مباشرا إلى السلسلة الثانية من الجزر الصينية، ويقسّم شمال شرق آسيا وجنوب شرق آسيا الى مسرحين منفصلين.

وبما أن ثلث الشحن البحري العالمي يمرُّ سنويّا عبر بحر الصين، "فإنّ لهذا الأمر انعكاسات كبيرة على الاقتصاد الأمريكي". ولذلك وتلافيا لهذه الانعكاسات ستعمل الولايات المتحدة على ردع الصراع حول تايوان...

وتدقّق الاستراتيجية نوع الردع المقصود، فتؤكد أنّه "ردع يُفَضَّلُ أن يتمّ عبر الحفاظ على تفوّق عسكري واضح"، ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة لا تستبعد الردع عبر المواجهة أو العمل الحربي، لكنها تخَيِّرُ، حاليا، أن تحافظ على موقفها المصرَّح به، باستمرار، بشأن تايوان وهو الموقف الذي يتمثل في أنها "لا تدعم أي تغيير آحادي للوضع القائم في مضيق تايوان".

وتأسيسا على ما تقدم، ستقوم الولايات المتحدة ببناء قوة عسكرية قادرة على منع أي عدوان في أي موقع داخل السلسلة الأولى من الجزر.
غير أن الاستراتيجية تشدد على أن منع العدوان "لا يمكن ولا ينبغي أن تقوم به القوات المسلحة الأمريكية وحدها. فعلى حلفاء الولايات المتحدة أن يتحملوا مسؤولياتهم وأن ينفقوا أكثر، والأهم أن يفعلوا أكثر من أجل الدفاع الجماعي".

وإلى ذلك فإن الولايات المتحدة ستركز جهودها الدبلوماسية على حث الحلفاء والشركاء في السلسلة الأولى من الجزر، على منح قواتها وصولاً أكبرَ إلى موانئهم ومرافقهم الأخرى، وعلى زيادة إنفاقهم الدفاعي، والأهم على الاستثمار في قدرات تهدف إلى ردع العدوان.

وترى الاستراتيجية أن ذلك "سيسهم في ربط قضايا الأمن البحري على امتداد السلسلة الأولى من الجزر، وفي الوقت نفسه في تعزيز قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على منع أي محاولة للسيطرة على تايوان، أو فرض قوى غير مرغوب يجعل الدفاع عن الجزيرة مستحيلا".

وتعتبر الولايات المتحدة التي رأينا في الحلقة الرابعة من هذا المقال أنها تريد احتكار التحكم في "نصف الكرة الغربي" وتحريم أيّ تدخّل فيه، بأيّ شكل من الأشكال، ومن أيّ قوة من القوى أو أيّ دولة من دول العالم، أن "التحكم المحتمل لأيّ قوّة منافسة في بحر الصين الجنوبي تمثل تحديا أمنيا مرتبطا ومهمّا. فقد يمكّن ذلك قوّةً، ربَّما تكون معاديةً، من فرض نظام جباية على واحد من أهم طرق التجارة في العالم، أو، وهو الأسوأ، إغلاقه وإعادة فتحه متى شاءت. وكلا الاحتمالين سيكون ضارا بالاقتصاد الأمريكي وبمصالح الولايات المتحدة الاوسع".

إنها الغطرسة الأمريكية في أوقح تجلياتها، ولذلك ليس من المستغرب أن تؤكد الاستراتيجية على وجوب "تطوير إجراءات قوية، إلى جانب الردع اللازم للحفاظ على هذه الممرات مفتوحة، ومعفاة من أي جباية، وغير خاضعة لإغلاق تعسفي من دولة واحدة. وسيتطلب ذلك مزيدا من الاستثمار في القدرات العسكرية الأمريكية خصوصا البحرية منها، إضافة إلى تعاون قوي مع كل دولة ستعاني من هذا الخطر من الهند إلى اليابان وما بعدها إذا لم يُعالج هذا التحدي".

وبالنظر إلى إصرار الرئيس الأمريكي على زيادة تقاسم الأعباء من جانب اليابان وكوريا الجنوبية، ستعمل الولايات المتحدة على حث هاتين الدولتين على زيادة إنفاقهما الدفاعي مع التركيز على القدرات بما في ذلك القدرات الجديدة اللازمة لردع الخصوم وحماية السلسلة الأولى من الجزر، كما إنها ستعمل من ناحية أخرى على تحصين وتعزيز وجودها العسكري في غرب المحيط الهادئ، أما في تعاملها مع تايوان وأستراليا فستحافظ على خطاب واضح وحازم بشأن ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي.

وخلاصة القول هي أن الولايات المتحدة، كما تؤكد الاستراتيجية، تعتبر أن "منع الصراع يتطلب اعتماد اليقظة في منطقة الهندي-الهادئ وإحياء قاعدة الصناعات الدفاعية، وزيادة الاستثمار العسكري من جانبها ومن جانب حلفائها وشركائها، إضافة إلى الانتصار في المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية على المدى الطويل".

غير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى، فيما يرى بعض المحللين،  رهين ثلاثة عوامل كبرى هي أولا، مدى قدرة الولايات المتحدة المرهَقَة بالديون والتي فقدت عظمتها وتريد أن تستردها، على الوفاء بمستلزمات الاستمرار في الحفاظ على تفوقها الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي على الصين، وثانيا، مدى استعداد الحلفاء والشركاء للاستجابة لمطالب الرئيس الأمريكي الذي يريد أن يلقي بأعباء المواجهة الثقيلة المحتمَلَة مع الصين على عاتق بلدانهم وشعوبهم، وثالثا، مدى صلابة موقف الصين ذات القدرات المتنامية باطراد، والتي ستعمل، يقينا، من أجل إحباط الأهداف الأمريكية وإجهاضها بكل ما لديها من قوة حاليّا، وما سيكون لها من قوة مستقبلا لاسيما وأنها ستجتهد، هي أيضا، في استقطاب دعم أصدقائها الذين يزدادون عددا سواء في إطار مجموعة "البريكس الموسّعة" أو في إطار ما يسمى بـ"الجنوب العالمي"، وذلك بفعلِ وبفضلِ السياسات الفظة الغليظة التي ما فتئ الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب يتعامل بها مع معظم دول العالم، بما فيها الدول الحليفة والشريكة.

محمد إبراهيم الحصايري

قراءة المزيد

• رابعةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى منطقة "نصف الكرة الغربي"

• من رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" - الرسالة الأولى: رسالة إلى العالم 

•  ثانيةُ رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": هذه مبادئ السياسية الخارجية الأمريكية، شاء من شاء وأبى من أبى 

•  ثالِثَةُ رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة": هذه أولويات السياسية الخارجية الأمريكية من هنا فصاعدا 



 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.