أخبار - 2026.02.05

سابعةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" الرسالة إلى الشرق الأوسط

سابعةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" الرسالة إلى الشرق الأوسط

بقلم محمد إبراهيم الحصايري - في هذه الحلقة السابعة من مقالي عن "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" سأتناول بالعرض والتعليق ما جاء في الاستراتيجية عن منطقة الشرق الأوسط.
ومنذ الوهلة الأولى وتحت عنوان "نقل الأعباء وبناء السّلام"، تؤكد الاستراتيجية أن الولايات المتحدة تتّجه نحو القطع مع الأسلوب الذي اعتادت أن تتعامل به مع المنطقة على امتداد نصف قرن على الأقل...
وهذا القطع يتجلّى في مظهريْن أساسيَّيْن هما التاليان:

أولا: الكَفُّ عن إعطاء الشرق الأوسط الأولوية على أيّ منطقة أخرى: وتؤكد الاستراتيجية أن ذلك لا يرجع إلى "أن الشرق الأوسط لم يعد مهمّا" وإنّما إلى أنه شهد من التحولات ما أنهى "الأيام التي كان يهيمن فيها على السياسة الخارجية الأمريكية سواء في التخطيط بعيد المدى أو في التنفيذ اليومي"، وهذه التحولات تتمثل فيما يلي:

أنّ منطقة الشرق الأوسط كانت، لعقود، أهمّ مورّد للطاقة في العالم، أما اليوم فقد أصبحت مصادر الطاقة أكثر تنوعا بكثير، وأصبحت الولايات المتحدة مصدِّرًا صافيا للطاقة مرة أخرى، ومع قيام إدارة الرئيس دونالد ترامب بإلغاء أو تخفيف سياسات الطاقة المُقَيِّدَة، وارتفاع الإنتاج الأمريكي من الطاقة ستتراجع الأسس التاريخية لاهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط.
أنها كانت ساحة رئيسية للتنافس بين القوى العظمى، أما اليوم فإنّ هذا التنافس تحوّل الى تزاحم تحتل فيه الولايات المتحدة الموقع الأكثر إثارة للإعجاب مدعوما بنجاح الرئيس دونالد ترامب في إحياء تحالفات الولايات المتحدة في الخليج ومع شركائها العرب الآخرين، ومع إسرائيل.
أنها كانت مليئة بالصراعات التي كانت تهدّد بالامتداد إلى العالم الأوسع، بل حتى إلى سواحل الولايات المتحدة. أما اليوم فإنّها لم تعد المُسَبِّبَ الدائم للاضطراب والمصدرَ المحتمل لكارثة وشيكة كما كانت في السابق.

وبالرغم من أنّ الاستراتيجية تقرّ بأنّ الصّراع ما يزال هو الجانب الأكثر إزعاجا في الشرق الأوسط، فإنّها ترى أن "حجمه اليوم أقل مما توحي به العناوين الإعلامية".

وللتدليل على ذلك، ساقت الاستراتيجية مثال إيران التي وصفتها بالقوة الأكثر زعزعة للاستقرار في المنطقة، فهذه القوة، كما تقول، أضْعِفَتْ بشدّة، نتيجة العمليات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023، وكذلك نتيجة عملية "مطرقة منتصف الليل" (Operation MIDNIGHT HAMMER) التي نفَّذها الرئيس ترامب في جوان 2025، والتي قلّصت بشكل كبير من برنامج إيران النووي".

كما ساقت مثالا آخر وهو مثال "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" الذي تعترف بأنّه "ما زال معقّدًا لكن وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الذي تفاوض عليه الرئيس ترامب قد مهّد الطريق لتقدُّمٍ باتجاه سلامٍ أكثر ديمومة"، خاصة وأن ذلك ترافق مع "إضعاف الداعمين الرئيسيين لحماس أو ابتعادهم عن المشهد"، وأن سوريا وإن كانت "تظل مصدرَ قلق محتمَل قد تتمكّن، مع الدعم الأمريكي والعربي والإسرائيلي والتركي، من الاستقرار واستعادة دورها الطبيعي والإيجابي كلاعب محوريّ في المنطقة".

وغنيّ عن البيان أن هذين المثالين يثيران الكثير من نقاط الاستفهام حول مدى انطباقهما على الواقع، وعلى المتوَقَّعِ من تطوّراته القادمة، ذلك أنّ الحديث عن "إضعاف إيران بشدّة" يتضارب مع استعدادات الولايات المتحدة المحمومة، هذه الأيام، لشنّ عدوان جديد على إيران، فهذه الاستعدادات تدلّ على أنّ عملية "مطرقة منتصف الليل" لم تحقِّقْ النتائج التي كانت واشنطن وتل أبيب تؤملانها منها، والتي فاخر الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب في الكلمة التي قدّم بها لـ"استراتيجية الأمن القومي الأمريكية" بأنه "دمّر بها قدرةَ إيران على تخصيب اليورانيوم بالكامل"...

وفي هذا السياق، لا بد من الملاحظة أنّ الاستراتيجية التي نشرتها وزارة الحرب الأمريكية في 23 جانفي 2026، أكّدت، على عكس ما جاء في "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية"، أنّ إيران "رغم أنها عانت من نكسات قاسية خلال الأشهر الأخيرة، يبدو أنها عازمة على إعادة تشكيل قواتها العسكرية التقليدية. كما ترك قادة إيران الباب مفتوحاً لاحتمالية محاولتهم الحصول على سلاح نووي مرّة أخرى، بما في ذلك عن طريق رفض الانخراط في مفاوضات جادة (ذات مغزى)".

ثم إن وكلاء إيران، كما تضيف استراتيجية وزارة الحرب "رغم أنهم قد أُضعفوا بشدّة، إلا أنهم قد يسعون أيضاً لإعادة بناء بنيتهم التحتية وقدراتهم المدمَّرَة".

على أن استراتيجية وزارة الحرب لا تكتفي بذلك، بل تمضي في تبرير مهاجمة إيران، من جديد، باستدعاء جملة من المسوّغات الأخرى، حيث أنها تؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها "تجاهل حقائق أن النظام الإيراني تلطّخت يداه بدماء الأمريكيين، وأنه ما يزال عازماً على تدمير حليفها الوثيق إسرائيل، وأن إيران ووكلاءها يفتعلون الأزمات الإقليمية بشكل روتيني، والتي لا تهدد حياة الجنود الأمريكيين في المنطقة فحسب، بل تمنع المنطقة نفسها أيضاً من السعي نحو ذلك النوع من المستقبل السلمي والمزدهر الذي يتمناه بوضوح الكثيرُ من قادتها وشعوبها"...

ويُستخلص مما تقدّم أنّ الولايات المتّحدة مُصِرَّة إصرارا على ضرب إيران مرّة أخرى، على أن تكون الضربة، هذه المرّة، قاضيةً، لا فحسب بسبب برنامجها النووي وصواريخها الباليستية ومسيّراتها ودعمها لمحور المقاومة... وإنّما أيضا لدوافع انتقامية، وفي نفس الوقت لضمان تحييدها حتى لا تعرقل المشاريع الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة...

ونفس نقاط الاستفهام يثيرها المثال الثاني أي ما تسمّيه "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية" بـ"تمهيد الطريق أمام سلام أكثر ديمومة للصراع في فلسطين".

وهذا "السّلام الأكثر ديمومة" أمر مشكوك فيه، لا فقط لأن إسرائيل مستمرة في حرب الإبادة التي تواصل، للسنة الثالثة على التوالي وبدعم أمريكي مطلق، شنَّها على قطاع غزة، وإنما أيضا لأن تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يؤكد أن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يفرّط في حقوقه مهما طال الزمن، ومهما تعاقبت عليه المِحَن، وهو قد يهدأ بعض الوقت، لكنه لا يلبث أن يلتقط أنفاسه وأن ينتفض، من جديد، ليعلن أنه ما يزال حيّا، وأن قضيّته ما تزال حيَّةً رغم كل محاولات قبرها...

ومثلما أسلفت في الحلقة الأولى من هذا المقال، فإنّ ما اعتبرته الاستراتيجية "النجاح اللافت الذي حقّقه الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى عبر اتفاقيات أبراهام التاريخية" كان أحد الأسباب التي قادت إلى حرب الإبادة المتوحّشة في قطاع غزة، وتغوُّلِ الاستيطان في الضفة الغربية، وعربدةِ إسرائيل في المنطقة باعتداءاتها السافرة المتكررة على دول الجوار القريب كما البعيد، وذلك لأن هذه الاتفاقيات حاولت القفز على القضية الفلسطينية وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، بدفع بعض الدول العربية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل...

واليومَ، وأمام جموح الرئيس الأمريكي الذي يريد أن يثبت، بأي ثمن، قابليةَ شعار "تحقيق السلام بالقوة" للتطبيق ميدانيا، وفي مواجهة ما ينوي القيام في قطاع غزة الذي سيتقاسم الاستيلاء عليه مع إسرائيل ليجعل منه "ريفييرا الشرق الأوسط"، وليحقّق فيه جملة من المآرب الأخرى التي ما تزال خفية الآن ولكن الأيام ستكشف عنها، ينبغي لأي سياسي عاقل أن يدرك أن المقاربة الأمريكية لمعالجة الأزمة في الشرق الأوسط تحمل في طياتها بذور تفجّر جديد، قد لا يتأخر كثيرا، للأوضاع في فلسطين خصوصا، وفي المنطقة ككل عموما...

ثانيا: الكفُّ عن استخدام أسلوب توجيه اللوم، والضغط على دول الشرق الأوسط لحملها على التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية

تصف "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية" الطريقة التي دأبت الولايات المتحدة على التعامل بها مع منطقة الشرق الأوسط بأنها "تجربة أمريكية خاطئة" وتؤكد أن الأساس لنجاح العلاقات مع المنطقة "هو قبولها هي وقادتها ودولها كما هي، والعمل معها في مجالات المصالح المشتركة".

وتوضح الاستراتيجية أن المطلوب، بدلا من توجيه اللوم والضغط على دول المنطقة وخاصة منها الملكيات الخليجية، لحملها على التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية، هو "أن تشجع الولايات المتحدة الإصلاح وأن ترحب به عندما يظهر بطريقة طبيعية من الداخل من دون محاولة فرضه من الخارج".

وإذا التزمت الولايات المتحدة فعلا بهذا التوجّه، فإن ذلك سيمثل، بالتأكيد، منعرجا حقيقيا في طريقة تعاملها مع دول المنطقة... لأنه سيعني أنها ستكف عن التدخل في شؤون هذه الدول الداخلية، في نسجٍ واضحٍ على منوال منافستها الصين التي لا تربط تعاونها مع الدول الأخرى بأي شروط أو إملاءات سياسية...

وفي رأيي فإن هذا الالتزام ليس متوقَّعًا لأنه لن يكون ممكنا بالنظر إلى مزاج الرئيس الأمريكي المتقلب وأهوائه الشخصية الجامحة، فضلا عن طبيعة السياسة الأمريكية الاستعلائية المتغطرسة ونزعتها الهَيْمَنِيَّة المتأصّلة...

وعلى كلّ فإنّ هذا ما يمكن أن يُستخلصَ من المقابل الذي تطلبه الولايات المتحدة من قادة دول الشرق الأوسط ودول الخليج بالذات، لغضّ الطرف عن سياساتهم وقبولهم كما هم.

إنّ هذا المقابل سيكون، دون شكّ، باهظا، إذ أنّه لن يكون أقلّ من مواصلةِ، إن لم نَقُلْ، تعزيزِ السيطرة الأمريكية على المنطقة، لكن بأقلّ أعباء ممكنة، وهذا ما يعبّر عنه العنوان الذي اختارته الاستراتيجية لحديثها عن المنطقة أي "نقل الأعباء وبناء السّلام".

إن الاستراتيجية تعتبر، بتفاؤلٍ، أراه مبالغا فيه، أن الشرق الأوسط "يبرز اليوم كمنطقة شراكة وصداقة واستثمار وهو اتجاه يجب الترحيب به وتشجيعه"، وهي تستند في ذلك إلى "أن الرئيس ترامب استطاع توحيد العالم العربي في شرم الشيخ سعيا إلى السلام والتطبيع"، غير أن هذا الأمر ليس صحيحا لأن العالم العربي أكبر وأوسع من الدول العربية محدودة العدد التي انضمت، كرها أو طوعا، إلى قمة شرم الشيخ.

ولا بدّ في هذا السياق من أن أستطرد لكي ألاحظ أن الاستراتيجية لم تتحدّث عن العالم العربي ككل، وإنما قَصَرَتْ حديثها على منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد على بعض دولها وبعض دول الخليج دون غيرها، وهو أمر يؤشر بكل وضوح إلى تضاؤل مكان ومكانة المنطقة العربية في تقديرات الفكر السياسي الأمريكي.

وبقطع النظر عن ذلك، فإنّ الاستراتيجية تؤكد أنّ الشرق الأوسط كما تتصوره الولايات المتحدة مستقبلا "سيصبح مصدرا ووجهة متزايدة للاستثمارات الدولية وفي قطاعات تتجاوز النفط والغاز بما في ذلك الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الدفاعية". وعلى هذا الأساس فإن الولايات المتحدة "يمكنها أيضا العمل مع شركائها في الشرق الأوسط لدعم مصالح اقتصادية أخرى، مثل تأمين سلاسل الإمداد العالمية وتعزيز الفرص لفتح أسواق ودّية ومفتوحة في مناطق أخرى من العالم، مثل إفريقيا".

وحتى يتم تأمين الظروف الملائمة لتحقيق ذلك كله، فانّ دول المنطقة مدعوة إلى الاضطلاع، تحت إشراف الولايات المتحدة التي ستعمل بالتنسيق مع حليفتها النموذجية إسرائيل، بالمهام التالية:

الالتزام بمكافحة التطرف والإرهاب مع تحمّل أعباء هذه المكافحة ماديا وبشريا... وذلك لمنع "تحول الشرق الأوسط إلى حاضنةٍ، أو مصدرٍ لتصدير الإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو ضد الوطن الأمريكي، ولتبقى إسرائيل آمنة". 
التعاون من أجل ضمان حرية الحركة عبر الممرات المائية في المنطقة، بما في ذلك "حمايتها من إيران ووكلائها"، وذلك حتى يبقى مضيق هرمز مفتوحا، ويظل البحر الأحمر صالحا للملاحة.
منع وقوع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو مباشر للولايات المتحدة.
الانخراط في استكمال مشروعات السلام مع إسرائيل وضمان أمنها، وذلك من خلال توسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل مزيدا من الدول في المنطقة ودولا أخرى في العالم الإسلامي...

ومن جانبها فإنّ وزارة الحرب الأمريكية ستعمل، وفقا لما جاء في استراتيجيتها لسنة 2026، على دعم الحلفاء والشركاء في المنطقة وعلى تمكينهم من تحمل المسؤولية الأساسية لردع إيران ووكلائها، وذلك خاصة من خلال دعم جهود إسرائيل للدفاع عن نفسها، وتعميق التعاون مع الشركاء في الخليج، وتمكين التكامل بينهم وبين إسرائيل...

محمد إبراهيم الحصايري

قراءة المزيد

• سادسةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى أوروبا

• خامسةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى آسيا ومنطقة الهندي الهادئ

• رابعةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى منطقة "نصف الكرة الغربي"

• من رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" - الرسالة الأولى: رسالة إلى العالم 

•  ثانيةُ رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": هذه مبادئ السياسية الخارجية الأمريكية، شاء من شاء وأبى من أبى 

•  ثالِثَةُ رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة": هذه أولويات السياسية الخارجية الأمريكية من هنا فصاعدا 


 

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.