ثامنةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى إفريقيا
بقلم محمد إبراهيم الحصايري - جاء الحديث عن إفريقيا في ذيل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة"، وهو حديث مختزل في ثلاث فقرات قصيرة مجموع مفرداتها في حدود المائتي مفردة.
ولا أحسبني أخطئ إن قلت إن هذا الحديث، من حيث المبنى والمعنى، يرشح، وقد قيل قديما «كل إناء بما فيه يرشح"، بقدر كبير من الاستخفاف بالقارة الإفريقية التي يعلم الجميع أن الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب ينظر إليها نظرة مليئة بالازدراء، حيث أنه سبق أن وصفها، خلال ولايته الرئاسية الأولى، بـ «قارة القذارة".
وبالرغم من أنّه نفى أن يكون فعل ذلك، فإنّ سلوكه إزاء الدول الإفريقية والقادة الأفارقة، منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية، يثبت أنه إن لم يكن يستهين بإفريقيا، فإنه لا يحترمها.
وقد ظهر ذلك، بكل وضوح، في عدّة "تصرفات فظة غليظة" يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال، أنه حاول إهانة ضيفه رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، حيث تعمّد أن يعرض عليه مقطعا مصوّرا لاعتداء جماعة متطرفة من السود على البيض في بلاده، واتهم حكومة بريتوريا بارتكاب ما زعم أنه "إبادة جماعية ضد مواطنيها البيض"، وذلك في تلويح عقابي صريح لجنوب إفريقيا التي تجرّأت على رفع قضيــة ضــد إسرائيل، أمــام محكمــة العــدل الدوليــة في 29 ديســمبر 2023 بتهمة "الإبادة الجماعيــة للشــعب الفلســطيني في قطــاع غــزة".
كما يمكن أن نذكر منها الأسلوب المتعجرف الذي عامل به قادة الدول الإفريقية الخمس (ليبيريا والسينغال وموريتانيا وغينيا بيساو والغابون وهي بلدان تطل كلها على المحيط الأطلسي وتتوفر على إمكانات اقتصادية هائلة وموارد طبيعية غير مستغلة، بحكم كونها غنية بالمعادن وخاصة منها المعادن الحرجة، غير أنها تعيش أوضاعا هشة، وتسعى الصين الى تعزيز حضورها فيها ومن خلالها في المحيط الاطلسي) الذين قَدِمُوا إليه في جويلية 2025، تلبية لدعوته، فأجلسهم أمامه كتلاميذ في قسم، وقطع الكلام على بعضهم (أعني رئيسيْ موريتانيا وغينيا بيساو)، وحاول السخرية من أحدهم (أعني رئيس ليبيريا) حين سأله، بغباء، "أين تعلّم لغته الإنجليزية الجيدة".
على أن الأدهى من ذلك أنه أسرف في إكرامهم حين دعاهم إلى العمل على خفض المعدلات المرتفعة للمهاجرين الأفارقة، بمن فيهم مهاجرو بلدانهم، الذين يتجاوزون مدة صلاحية تأشيرات الدخول إلى بلاده، وعلى التقدم في إبرام اتفاقيات "الدول الثالثة الآمنة"، التي تمكّنه من ترحيل المهاجرين الذين ترفض بلدانهم الأصلية استقبالهم أو تتلكأ في استعادتهم، إليها.
وبالفعل فإنّ الولايات المتحدة شرعت في تنفيذ عمليات الترحيل، حيث قامت، خلال شهر جويلية 2025 بعمليتين شملت إحداهما خمسة مهاجرين غير نظاميين ينحدرون من دول في آسيا والبحر الكاريبي إلى مملكة إسواتيني (Eswatini وهي دولة صغيرة تقع في جنوب القارة الإفريقية) وشملت الثانية ثمانية مهاجرين غير نظاميين آخرين رحّلوا إلى دولة جنوب السودان.
ويُخشى، إذا تمادت الولايات المتحدة في عمليات الترحيل ونسجت الدول الأوروبية على غرارها وعلى غرار المملكة المتحدة التي كانت أول دولة استنبطت واستخدمت هذه الطريقة للتخلص من المهاجرين غير النظاميين، أن تتحول بعض دول القارة الإفريقية إلى "مكبّات بشريّة" لسياسات الهجرة الغربية...
على أن الرئيس الأمريكي المهووس بمشكلة الهجرة لم يكتف بذلك، بل اتخذ جملة من قرارات الحظر على الدخول إلى الولايات المتحدة التي شملت العديد من الدول الإفريقية بما ذلك أربعُ دول من الدول الخمس التي استضاف قادتها...
وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة دشّنت السنة الجديدة، بتصعيد شامل للسياسة الصارمة التي تنتهجها للحد من الهجرة، حيث أعلنت في 18 جانفي 2026 تعليقًا غير محدّدِ المدة لجميع خدمات تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة من دول العالم بينها العديد من الدول الإفريقية.
إلى ذلك ينبغي التذكير بأن الرئيس الأمريكي سارع منذ الأيام الأولى لولايته الرئاسية الثانية إلى تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مما أربك العديد من البلدان الإفريقية.
ومن ناحية أخرى، حرص الرئيس الأمريكي عند تدخله لوقف الحرب بين رواندا وجمهورية الكونغو الديموقراطية، على وضع قضية المعادن في قلب المفاوضات، تماما كما فعل مع أوكرانيا.
أما على الصعيد الاقتصادي فإنّه فرض، تحت ذريعة السعي إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي، رسوما جمركية واسعة على منتجات دول إفريقية عديدة.
وإذا عدنا الآن إلى ما جاء في الاستراتيجية فإننا نلاحظ أنها تدعو في حديثها عن القارة الافريقية إلى التخلي عن السياسة الأمريكية التي كانت، لوقت طويل جدا، تركّز على تقديم المساعدات ونشر الإيديولوجيا الليبرالية في إفريقيا، وإلى استبدالها بسياسة جديدة يمكن تلخيص أولوياتها فيما يلي:
1/ الانتقال من علاقات قائمة على تقديم المساعدات إلى علاقات قائمة على التجارة والاستثمار مع إفريقيا، بما يمكّن من استغلال ثرواتها الطبيعية الوفيرة وقدراتها الاقتصادية الكامنة.
وفي هذا الإطار ستعمل الولايات المتحدة على اتخاذ خطوات لتعديل نهج المساعدات والاستثمار، وذلك، على سبيل المثال، من خلال مراجعة "قانون النمو والفرص في إفريقيا" (the Africa Growth and Opportunity Act)، وتعزيز العلاقات التجارية متبادلة المنفعة.
على أن الاستراتيجية تدقِّقُ أن الشراكات التي يمكن أن تقيمها الولايات المتحدة من هذه المنطلق، يُفَضَّل أن تكون مع الدول الإفريقية القادرة والموثوقة التي تلتزم بفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الأمريكية.
2/ التركيز، في الاستثمار الأمريكي في إفريقيا، على المجالات ذات العائد الجيّد المحتمَل في قطاع الطاقة وتطوير المعادن الحرجة، مع الملاحظة أن الولايات المتّحدة تتوقّع أن يحقّق تطوير تقنيات الطاقة النووية المدعومة أمريكيا والغاز النفطي المسال والغاز الطبيعي المُسال، أرباحا للشركات الأمريكية وأن يساعدها في المنافسة على المعادن الحرجة وغيرها من الموارد.
3/ السعي إلى إقامة شراكات، مع دول مختارة (مرة أخرى) من القارة الإفريقية، بهدف التفاوض على تسويات للصراعات الجارية (مثل الكونغو الديمقراطية – رواندا السودان) أو منع نشوب صراعات جديدة (مثل: أثيوبيا أريتريا الصومال).
4/ الحذر من عودة النشاط الإرهابي الإسلامي في بعض مناطق إفريقيا، مع تجنب أي وجود أو التزامات أمريكية طويلة الأمد في تلك المناطق. ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة ستسعى إلى الاستعانة بالدول الإفريقية أو التعاون معها للتعامل مع الجماعات الإرهابية.
وقد كان أوّل تطبيق لهذا التوجه في نيجيريا، حيث نفّذت الولايات المتحدة في 25 ديسمبر 2025، أي يوم عيد الميلاد، ضربات جوية في شمال غرب البلاد، ضد مواقع يُشتبه في أنها تابعة لتنظيم "الدولة الاسلامية" المتهمة، من قِبَلِ واشنطن، باستهداف المسيحيين في المنطقة.
وواضح من هذه الأولويات الأمريكية في إفريقيا أن الولايات المتحدة تريد أن تقيم علاقاتها، من هنا فصاعدا، على معادلة، هي في الأصل مختلّة، وسيزداد اختلالها تفاقما، إذ أنها ستسعى من خلالها، إلى الترفيع في قيمة الفوائد التي تريد أن تجنيها من هذه العلاقات، وفي المقابل التخفيض إلى أقصى حد ممكن، بل ربما التخلص تماما، من كلفة ما كانت تقدمه للدول الإفريقية من "مساعدات على التنمية" ومن عبء انخراطها العسكري الميداني في القارة حفاظا على نفوذها ومصالحها الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية...
وفي هذا الصدد، كان من الغريب أن الاستراتيجية لم تتطرق، ولو بإشارة بسيطة، في حديثها عن إفريقيا إلى الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وبين منافستها الكبرى الصين التي تفيد الأرقام أن حجم تجارتها مع القارة يقدّر بخمسة أضعاف حجم التجارة الأمريكية.
وخلاصة القول إن حديث الاستراتيجية عما تسميه الشراكة متبادلة المنفعة بين الولايات المتحدة وبين الدول الإفريقية لا يستقيم، لأن أي شراكة لا يمكن أن تكون حقيقية وعميمة النفع إلا إذا كانت تستند إلى حد أدنى من التوازن في تحديد شروطها وغاياتها بين أطرافها...
محمد إبراهيم الحصايري
قراءة المزيد
• سابعةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" الرسالة إلى الشرق الأوسط
• سادسةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى أوروبا
• خامسةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى آسيا ومنطقة الهندي الهادئ
• رابعةُ رسائلِ "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة": الرسالة إلى منطقة "نصف الكرة الغربي"
• من رسائل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة" - الرسالة الأولى: رسالة إلى العالم
- اكتب تعليق
- تعليق