أخبار - 2020.08.02

الرتيبة: مـزار عشَّاق البحــر والغـــابـــة

الرتيبة: مـزار عشَّاق البحــر والغـــابـــة

بقلم محمّد الرايس التوكابري - الرتيبة اسم قد لا يستوقف الكثيرين وقد لا يشجّعهم على البحث في دفاتر أجمل المناطق التونسية خاصّة وقد اختار أهاليها العيش في هدوء بعيدا عن صخب المدينة وأن لا يروّجوا لصورة القرية الساحلية التي تستقطب آلاف وألاف الزوّار رغم أنّها انتصبت في الطريق الرابطة بين معتمديتي تاكلسة والهوارية في الوطن القبلي.

الرتيبــــة قرية خجـــــول استحيت واختــــارت منذ سنين أن لا تكشف مفاتنها وزادتها غيرة أهاليها حياء ولكنّها لم تصمد أمام إلحاح عدد من المتيّمين بحبّ الطبيعة والباحثين عمّا فيها مــــن سحــــر متفرّد فمـــزارهم يصـــل بين خضرة الغابـــــة وكثــــافة أشجارها وبين لمعان شاطئها الفــضّي الممتدّ يعـــــانق صفاء زرقـــة السمــــاء والبحر.

وككلّ قصص العشق فإنّ «الرتيبة» صعبة المنال خاصّة وأنّ الوصول اليها يتطلّب قطع أكثر من 40 كلم انطلاقا من مدينة سليمان الأندلسية غير البعيدة عن تونس العاصمة باستعمال الطريق الوطنية رقم 26 مرورا بمنطقة المريسة، بوّابة قربص عاصمة الاستشفاء بالمياه الحارة ومرورا بمعتمدية تاكلسة التي انتصبت عاصمة للفلاحة البيولوجية ولزراعة الزياتين، وصولا إلى سدّ وادي العبيد الذي يغدق بمائه على كامل الوطن القبلي.

قد يصعب الحديث اليوم عن شريط ساحلي بجهة الوطن القبلي دون ذكر الحمّامات ونابل وقربة وقليبية والهوارية بينما «يبتسم الأنانيون في صمت» بعد أن انفردوا بمناطق بدا يسطع نجمها من الشاطئ الجديد لسليمان الذي أنجزت فيه أشغال كبرى لإعادة تغذيته بالرمال وأصبح يستقبل آلاف الزوّار، إلى شواطئ مرسى الأمراء، والمريسة وقربص، وصولا إلى الرتيبة.

هذه المعتمديات الساحلية، غير البعيدة عن تونس العاصمة، هي اليوم وجهة للباحثين عن الاستمتاع بجمال الطبيعة في كنف الراحة والهدوء، ويجوز القول بأنّ غرب الوطن القبلي هو اليوم أكثر ثراء من الجهات الساحلية التقليدية.

ذلك أنّ غرب الوطن القبلي بثروات طبيعية قابلة لأن تكون منتوجا سياحيا متميّزا، يجمع بين امتداد الشواطئ الذهبيّة والصخرية وجمال المشاهد الطبيعية حيث تترامى الأشجار والنباتات الغابية والحقول التي تقع في الطريق الى البحر.

زوّار هــــذه الأماكن في فصـــل الصيـــف مجموعات صغيرة مـــــن الشبّان الذيــــن لم تعد تروق لهم الإقامة في المناطق الساحلية التقليدية وأُسٓرٌخيّرت الابتعــاد عــــن الشواطئ المكتظّة حيث يختلـــط الحــــابل بالنابل.

من يختار زيارة «الرتيبة» سيمرّ حتما بالمريسة وسيعبر تاكلسة حيث تنتصب مطاعم شواء السمّان والدجاج «العربي» والأرنب وقد يستهويه بالإضافة إلى خبز «الطابونة». عســــل مصفّى يباع على الطريــــق من منتجات غـــــابة تاكلسة.

رحلة  الزائر في اتجاه الرتيبة ، وإن طالت ، ستكون ممتعة، فخلالها لا يحتاج الى تشغيل المكيّف داخل السيارة،  إذ قد يفوته الاستمتاع برائحة الاكليل والزعتر وأنواع من الأعشــاب الطبية الغابية التي تعبق برواحهــــا الذكية المنعشة.

وغرب الوطن القبلي لن يبخل على محبّي التاريخ والمواقع الأثريّة بما يبهــــج النفس ويشحذ الذاكرة، فيكفيــــه التوقّف بمدينة سليمان لينهل مــــــن تاريخ أندلسي عريق بالتجوّل في مدينتها العتيقة حيث بإمكانه أن يأخذ طورا من أمام «السباط» وهو شكل مميّز للمدن الأندلسية وأن يتذوّق، إن توفّرت له الفرصة، أكلة الكوارس (نوع من الطاجين المحشوّ لحما). 

غرب الوطن القبلي بما تتوفّر فيه من إمكانيات ضخمة قادر على أن يشكّل منتوجا تنمويا متميّزا في تونس شريطة إعطائه طابعا خاصّا بوضع استراتيجية للتنمية المستدامة تجمع بين النشاط الفلاحي العصري والتقليدي وبين السياحة الإيكولوجية  والصناعات النظيفة، على طول الشريط الممتدّ من سليمان إلى الهوارية.

ولعلّ الحركة التي بدأت تدبّ في منطقة «الرتيبة»، حيث بادر الكثيرون بتشييد منازل فخمة، يمكن أن تشكّل لبنة على درب إنشاء وجهة لسياحة الإقامات  تعزّزالقطاع السياحي التونسي وتوفّر للزائرين تونسيين أو أجانب منتوجا مجدّدا يوفِّق بين المحافظة على الطبيعة والتنمية الاقتصادية.

محمّد الرايس التوكابري
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.