محمّد العادل دبوب ومحنة المجنّدين قسريّا خلال الحرب العالمية الأولى
في بحث تاريخي معمّق يكشف الأستاذ محمد العادل دبوب لأوّل مرّة خفايا التجنيد القسري لأكثر من مائة وعشرة آلاف شاب تونسي ونقلهم إلى فرنسا لخوض غمار الحرب العالمية الأولى (1914-1918) سواء للدفع بهم في الخطوط الأمامية على جبهة القتال أو للعمل بالمصانع والضيعات لتعويض اليد العاملة الفرنسية المجنّدة.
ففي كتاب تحت عنوان: "تونس في أتون الحرب الكبرى، محنة المجنّدين والرّأي العام التّونسي 1914-1918"، صدر مؤخّرا عن المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية (جامعة منوبة)، يتناول المؤلف هذه القضية الهامّة التي تمّ تغييبها لعقود متتالية، متمعّنا في تفاعل الرأي العام التونسي مع مختلف جوانبها سواء منها اقحام تونس في هذه الحرب، أو إعلان التعبئة العامة وتكثيف التجنيد وفرض تعويضات مالية مكلفة جدّا لتفادي العمل العسكري، وأيضا تسليط الرقابة على المراسلات والتعتيم عن القوائم الفعلية للذين أُرسلوا إلى فرنسا ثمّ التكتّم عن عدد الضحايا الحقيقي. فقد أقرّت فرنسا في مرحلة أولى سنة 1919 بوفاة ما لا يقل عن 10.500 جندي تونسي، لترفّع فيما بعد سنة 1936 هذا العدد إلى 16.500 تونسي من خلال وثائق عسكرية وتقارير رسمية ومراسلات عائلية، ويزيح الأستاذ محمد العادل دبوب عتمة الصمت والتضليل عن واحدة من أهمّ النواكب التي أصابت أعداد هامّة من شباب الأرياف بالخصوص وكذلك المدن، وأكثرهم فقرا وأقلّهم تعليما، تفصح مراسلاتهم معاناتهم من شدة البرد وسط الثلوج وهول المعارك وسط النيران، ويدرس بالتوازي ما ترصده سلطات الاستعمار الفرنسي آنذاك من وقع لدى الرأي العام وتفاعل النخب السياسية والاجتماعية.
وذكّر الأستاذ علي آيت ميهوب أستاذ التاريخ المتخصص في التاريخ العسكري في مقدمته أنّ الكاتب هو "من الأوائل الذين تناولوا موضوع التاريخ العسكري وتاريخ الحرب العالمية الأولى، وهو مبحث بقي طويلا شبه بكر في الجامعة التونسية لأسباب عديدة" وأضاف أنّ "هذا الكتاب يمثل إثراء للمكتبة التاريخية التونسية وإضافة نوعية لهيستوغرافيا الحرب الكبرى ومرجعا لا غِنَى عنه لكل من ينشد دراسة هذه الحقبة الزمنية من تاريخ تونس".
كتاب ثمين جدّا، حرص الأستاذ خالد عبيد، مدير المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر على نشره، ضمن ديناميكية جديدة يشهدها المعهد، وتوفّق المؤلف في صياغته بمنهجية علمية دقيقة.
ويكشف الأستاذ محمد العادل دبوب في التقديم الموالي كيف انطلقت فكرة انجاز الكتاب وأهم محتوياته.
لماذا هذا الكتاب أو كيف انطلقت فكرة إنجازه؟
تعود فكرة إنجاز الكتاب للأسباب التالية:
أوّلا: تبيّنت في خضمّ دراسة مسار الحرب الكبرى أنّ الاحتفال الفرنسي بذكرى هدنة 11 نوفمبر 1918 والانتصار الفرنسي ظلّ ولا يزال من أهمّ الاحتفالات الوطنيّة ودعامة للذّاكرة الجماعيّة الفرنسيّة بعد مرور أكثر من قرن على نهاية الحرب، بل أنّ عدد النُّصب التذكاريّة لتخليد قتلى الحرب الكبرى يبلغ 37.000 نصب بالبلديّات والدّوائر الرّيفيّة بفرنسا.
بالمقابل سجّلتُ غيابا صادمًا للذّاكرة التّاريخيّة التّونسيّة حول الحدث، بل ظلّت الحرب العالميّة الأولى لحظة انكسار صامتة رغم مشاركة أعداد هامّة من التّونسيّين في معاركها، بل شمل طمس الذّاكرة أماكن الذّاكرة كالنّصب التذكاريّة والتّماثيل التي تمّ نزعها بعد الاستقلال. لذلك قرّرت الخوض في دراسة هذه المرحلة الشائكة من تاريخ تونس حرصًا على صوْن الذّاكرة الجماعيّة ودرءًا لاضمحلالها وتآكلها (Contre la déliquescence de la mémoire collective).
ثانيًا: يتعلّق الأمر بدافع معرفي؛ إذ تعتبر أغلب المراجع المتعلّقة بفترة الحرب الكبرى (مثل مؤلّفات أحمد توفيق المدني ومصطفى كريم وعلي المحجوبي) أنّها فترة ركود وسكينة للحركة الوطنيّة (باستثناء انتفاضة قبائل الجنوب التّونسي في 1915-1916)، وكأنّها مرحلة باهتة بين مرحلتين وضّائتين من النّضال الوطني: حركة الشباب التونسي (1907-1912) وتأسيس الحزب الحرّ الدّستوري التونسي (1920) وجامعة عموم العملة التونسية (1924). ولهذا الاعتبار سعيت لتعميق البحث حول مدى تطابق المقاربات المذكورة مع الواقع التونسي وحركيّته، وهل فعلاً فترة الحرب هي فترة ركود للحدث الوطني.
ما هي المصادر المعتمدة لإنجاز هذه الدّراسة؟
حرصنَا على تنويع المصادر من أرشيفات وزارة الخارجيّة ووزارة الحرب والإقامة العامّة الفرنسيّة المتوفّرة في بكرات (Bobines) مصوّرة بالمعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، اعتمدنا أيضًا على سلاسل (Séries) الأرشيف الوطني التونسي (السلسلة E، سلسلة الحركة الوطنيّة MN، سلسلة المتمرّدون Les rebelles، سلسلة أشخاص مشبوهون Gens Suspects). وكما ذكر الرّوائي الجزائري مولود فرعون حول اللّغة الفرنسيّة بالجزائر، حيث اعتبرها من غنائم الحرب (butin de guerre)، وجدتُ غنيمة الحرب أو ذخيرة الذّاكرة في "السلسة الفرعيّة شؤون عسكريّة" بالأرشيف الوطني التونسي؛ إذ تشتمل على حافظات تتعلّق بفترة الحربين العالميّتين، تضمّنت عديد ملفّاتها مراسلات صادرة وواردة تغطّي الفترة الممتدّة بين سنة 1915 إلى سنة 1919 تصدر عن اللجنة العسكريّة للمراقبة البريديّة من بينها مراسلات المجنّدين والعمّال التّونسيّين بفرنسا وغيرها. وقد أتاحت لنا الاطّلاع على وضعيّة التونسيّين المعاصرين للأحداث وتمثّلاتهم وكيفيّة تفاعلهم مع ظروف الحرب مكّنتنا من إنجاز جزء هامّ من العمل، خصوصا أنّ عددًا من الملفّات حمل جداول لسبر آراء التونسيّين من خلال مراسلاتهم حول المسائل السياسيّة والعسكريّة سنتي 1917-1918 ساعدتنا على إتمام دراسة ميدانيّة للرّأي العامّ التونسي.
التخطيط
يُعالج الباب الأوّل تحوّلات الرّأي العامّ بتونس زمن الصّدمة مؤكّدين على العوامل المحفّزة في تشكّله وفي تطوّره. ثمّ الباب الثاني تعلّق بدراسة تمثّلات الوعي الجمعي التونسي في خضمّ الحرب العالميّة الأولى، وفسح فيه المجال لدراسة سرديات المجندين التونسيّين ولتجارب العمال التونسيّين بفرنسا خلال الحرب الكبرى. ثمّ كنتيجة خلصنا إلى تحليل أوّل سبر آراء للتّونسيين خلال الحرب ومواقفهم إزاء مسألة السلم والحرب.
أهمّ الاستنتاجات
1. لعبت الحرب الكبرى دورا محوريّا في تدعيم تشكّل الرّأي العام التونسي وتنوّع تعبيراته لما رافقها من احداث داخلية وخارجيّة ولكثافة الدّعاية على غرار الدّعاية التركية-الألمانيّة، الدّعاية الفرنسيّة المضادّة، دعاية منظمة حقوق الإنسان، دعاية الأممية الثانية والأحزاب الاشتراكية الدّاعية لوقف المعارك... وأيضا لتعدّد محاملها من مؤلّفات وصحف ومجلاّت وصور وأشرطة سينمائيّة دعائيّة. وشدّ انتباه الرّأي العام عديد المسائل في مقدّمتها التّجنيد الإجباري وكيفيّة تجاوزه عن طريق دفع تعويض مالي رغم ارتفاع قيمته، كما اشتدّ التململ نتيجة اندلاع حرب الغواصات وانتقاضه قبائل الجنوب التونسي...
2. لا نُجانب الحقيقة إذا اعتبرنا أنّ فترة الحرب الكبرى لم تكن فترة ركود للعمل الوطني، إذ لا يُعدّ انحسار النشاط السياسي المنظم انكسارًا، بل اتّخذ العمل أشكالا أخرى كحركات الفرار من الخدمة وحركات العصيان المدني (الامتناع عن دفع الضرائب) والتمرّد (الفلاڤة وانتفاضة الجنوب) وشهد انزياح مركز ثقل التعبير الاجتماعي من العاصمة والنّخبة المثقفة إلى الشرائح الاجتماعيّة المعدمة بالأرياف والأحياء الفقيرة بالمدن.
من جهة أخرى عرف سياق الفكر السياسي المحلّي تطوّرا هامّا خلال الحرب بالتخلّي عن مطالب المشاركة في إدارة شؤون البلاد مثلما تضمنته مطلب حركة الشباب التونسي إلى المطالبة لأوّل مرّة باستقلال البلاد التونسيّة انسجاما مع الوضع العالمي وتفاعلا مع دعوات السّلم للرّئيس الأمريكي ولسن وضمان حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، والتمسك بالرّؤى التحرّريّة وبمفهوم عصري وقطري للاستقلال. وفي حين بدأ تأثير المنحى الدّعائي لحركة الجامعة الإسلاميّة المرتكز على ضرورة الانصهار ضمن مصالح الخلافة العثمانيّة يتقلّص عمّا كان عليه في بداية الحرب، تطوّر المنحى الوطني الحقوقي التحديثي الذي تجسّد في مقالات مجلّة المغرب وتجلّى في محتوى كتاب تونس الشّهيدة ثمّ في مطالب الحزب الحرّ الدستوري التونسي سنة 1920.
3. أدّى الاحتكاك المعيشي للمجندين والعمال التونسيّين بفرنسا وغيرها من الأصقاع إلى تحوّلات هامّة طرأت على الأنماط الفكريّة والسلوكات الاجتماعيّة، إذ تبيّن المجنّدون والأجراء تطوّر التنظيم المدني للمجتمع الفرنسي في مجال الخدمات العموميّة (تغطية اجتماعيّة وصحيّة) وتطوّر دور المرأة في الاقتصاد والمجتمع. فحملوا عند عودتهم هذه التصوّرات وحاول بعضهم نقلها إلى تونس إثر انتهاء المعارك. ولاحظنا اقتباسهم لعدد من السلوكات الغربيّة في الأنماط الغذائية واللّباس ومعايير النظافة...، لذلك لم تكن تجربة الحرب بالنسبة لهؤلاء مجرّد احتكاك عسكري وشغلي بل كانت رافعة في ميدان التدرب الاجتماعي أعادت تشكل جزء من سلوكياتهم اليوميّة وزرعت بعض بذور التحديث الاجتماعي. كما تعمّق وعيهم بطبيعة النظام الاستعماري وأدركوا زيف وعوده. لذا يجوز اعتبار ذلك من لبنَات بروز الحركة الوطنيّة والنّقابيّة التونسيّة بداية العشرينات.
4. اشتغلت في جزء كبير من العمل على مراسلات الجنود والأجراء الذين وقع تجنيدهم، إذ يتضمّن أغلبها تجربة معاشيّة مباشرة في منتهى المعاناة تعكس مشاعر الخوف من الموت بالنّسبة للجنود والسّخط على الاستغلال الاقتصادي وسوء المعاملة بالنّسبة للعمّال.
لكن يطرح اعتمادنا على هذه المراسلات إشكاليّة منهجيّة: هي التعارض بين الشّاهد والمؤرّخ (L’opposition entre le témoin et l’historien) لأنّ المجندين يتحولون من خلال مراسلاتهم من فاعلين ومشاركين في واقع الحرب (des acteurs) إلى رواة وساردِين للحدث (des narrateurs) مساهمين بذلك في نسج رواية أو سرد ذاكراتي (récit mémoriel) يختلف ويمكن أن ينافس السرد التاريخي (récit historique). إذ يتميّز السّرد الذاكراتي بطابعه الذاتي وارتباطه بالتّجربة المعاشة ويخضع للانتقاء ويكون مشحونًا بالعاطفة والتمثلات والقيم وتعوزه الموضوعيّة. في حين يقوم السرد التاريخي على معالجة نقديّة لمصادر متعدّدة بهدف إعادة بناء الوقائع في سياقها الزّمني والسّياسي والاجتماعي لفهم الآليات والبنى وتفسيرها تفسيرًا علميّا قابلا للنقاش. لذلك أخضعنا المراسلات لقراءة نقديّة واعتمدنا مقارنتها مع مصادر أخرى لتتحوّل إلى مادّة تاريخيّة ذات قيمة كبرى في دراسة الذّهنيات والحياة اليوميّة والعلاقة مع السّلطة وصُور الحرب والهجرة في المخيال الشّعبي وتحليل التجربة الاستعماريّة من الأسفل (l’histoire par le bas).
5. من منظور حقوقي؛ تعدّ تعبئة بين 105.000 و110.000 تونسي من الجنود والعمّال وأغلبهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 سنة وعلى أقصى تقدير 30 سنة دون موافقتهم، ضربًا واضحًا للقيم والحقوق الإنسانيّة منها الحقّ في الحريّة الشّخصيّة (عدم الإكراه) ومنع العمل القسري وحقّ اختيار محلّ الإقامة والعمل وعدم تعريض الحياة الانسانيّة للخطر دون إرادة الشخص. وإذا كانت هذه التّعبئة إجراء مشروعا داخل المنظومة الاستعماريّة، فهي انتهاك صارخ أخلاقيا وحقوقيا لحقوق الإنسان تعبّر عن أوجه العنف البنيوي الملازم للنظام الاستعماري.
من جهة أخرى لم تعترف فرنسا إثر انتهاء الحرب مؤسّساتيّا بتضحيات المشاركين التونسيّين وكذلك من بقية المستعمرات في المجهود الحربي، بل ظلّت التجربة منحصرة في الذاكرة العائليّة، وعوّضتها بذاكرة تمجيديّة تحت يافطة "مساهمة الإمبراطوريّة في النّصر الفرنسي"، ممّا أفرز إنتاج ذاكرة صامتة أو ذاكرة مجروحة (Mémoire blessée) لدى أغلب المجنّدين تأخّر الاعتراف بها ولم تتحوّل إلى عنصر فاعل في الخطاب الوطني إلاّ لاحقا عندما استُثمرت سياسيّا في سياق المطالبة بالحقوق والمساواة في العشرينات والثلاثينات.
- اكتب تعليق
- تعليق