أخبار - 2026.01.09

دول منظمة المؤتمر الإسلامي ووحدة دولة الصومال: نورالدين المازني يستذكر أول زيارة سنة 1991

دول منظمة المؤتمر الإسلامي ووحدة دولة الصومال: نورالدين المازني يستذكر أول زيارة سنة 1991

دعت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي لعقد اجتماع استثنائي لمجلس وزراء الخارجية، اليوم السبت بجدة لبحث التطورات المتسارعة والخطيرة التي تشهدها جمهورية الصومال الفيدرالية بعد اعلان إسرائيل اعترافها بصومالي لاند. ويمثل تونس في هذا الاجتماع وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي.
وفي انتظار ما ستفضي اليه الاشغال، يستذكر الأستاذ نورالدين المازني، المستشار السابق لأمين عام منظمة الدول الإسلامية مرافقته للأمين العام الدكتور حامد العابد يوم 21 جوان 1991 في زيارة لأرض الصومال، في "شهادة للتاريخ" أرادها "إضاءات من الماضي قد تفيد الحاضر وتوضح الرؤى للمستقبل".

بقلم نورالدين المازني، المستشار السابق لأمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي،،

صورة لي من أرشيف الخاص عن وصول وفد منظمة المؤتمر الإسلامي- التعاون الإسلامي- حاليا الى مطار "بربرة"

و يظهر الامين العام للمنظمة انذاك الدكتور حامد الغابد و زميلي السابق السفير بوبو نيانغ مستشار الامين العام وهو من السنغال

الطائرة السعودية الخاصة انتظرتنا للعودة نفس اليوم الى جدة، مقر المنظمة.‬‬

 

كنت ضمن اوائل الوفود الدولية التي زارت "ارض الصومال" اسابيع قليلة بعد إعلانها الانفصال عن الوطن الأم لأسباب شرحها لنا اول رئيس لجمهورية "صومالي لاند" خلال تلك الزيارة. عقدة الاعتراف الدولي باستقلال هذا الاقليم استمرت لما يزيد عن ثلاثة عقود وكانت إسرائيل اول من فكها بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الانفصالي، خدمة لمصالحها الاستراتيجية الذاتية، وليس دفاعا عن حقوق ابناء الاقليم..

 21جوان 1991: في هذا اليوم وقبل خمسة و ثلاثين عاماً، كنتُ ضمن أول بعثة رفيعة المستوى بقيادة الدكتور حامد الغابد، الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي آنذاك، تزور جمهورية صومالي لاند) أرض الصومال (بعد اسابيع قليلة من إعلان الانفصال... كان الهدف من هذه المهمة هو تقييم الوضع الإنساني والسياسي في شمال الصومال بعد تقارير متطابقة تلقتها الامانة العامة للمنظمة من مصادر صومالية ومن بلدان الجوار عن أوضاع انسانية صعبة يعاني منها السكان هناك وحاجتهم الى مساعدات إنسانية عاجلة ترسل مباشرة الى مناطقهم بعد قطع كل علاقة مع جنوب البلاد والإعلان عن تأسيس دولة خاصة بهم هي جمهورية ارض الصومال "صومالي لاند..."وكانت المنظمة في تلك الفترة تستعد لعقد الدورة العشرين لمؤتمرها السنوي على مستوى وزراء الخارجية في اسطنبول مطلع شهر اوت من نفس السنة ومطالبة، من بين أمور اخرى، بتقديم تقرير عن الاوضاع في الصومال والجهود الإقليمية والدولية الدائرة آنذاك في جيبوتي، البلد المجاور، من اجل تحقيق المصالحة الوطنية في الصومال بدءا بالتوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الفصائل الصومالية المتناحرة التي اسقطت نظام الرئيس سياد بري ثم تنازعت فيما بينها للسيطرة والانفراد بالحكم...

تم اللقاء بين وفد المنظمة وقيادة شمال الصومال، بمدينة "بربرة" الساحلية التي وصلناها مباشرة من جدة على متن طائرة خاصة وضعتها السلطات السعودية تحت تصرف الامين العام، توجهنا فور الوصول الى مقر اقامة أول رئيس للجمهورية الانفصالية هو "عبد الرحمن أحمد علي تور" الذي يقود الحركة الوطنية الصومالية (SNM)، وكان معارضا بارزاً للنظام المركزي في مقديشو بقيادة الجنرال سياد بري..

تفاصيل اللقاء مع رئيس الاقليم الانفصالي

شكّل ذلك اللقاء واحداً من أولى الاجتماعات الكبرى بين رأس السلطة الجديدة لـ "جمهورية صومالي لاند" وبعثة دولية.. اتذكر جيدا ان "الرئيس تور" كان في مدينة بربرة بصدد التعاف من حمى شديدة اصابته خلال تحركاته في مدن الاقليم وبين قبائله للتشاور بشأن قرار الانفصال، ومع ذلك أصر على لقاء وفدنا مطولا لشرح اسباب ذلك القرار والحديث عن الاوضاع الصعبة التي يعاني منها سكان الشمال لسنوات طويلة بسب سياسة التهميش والاضطهاد التي مارستها عليهم الحكومة المركزية في مقديشيو، وحسب ما احتفظ به من تدوينات شخصية، شدد مخاطبنا في مستهل حديثه على الحاجة الماسة لتقديم المعونات الإنسانية و خاصة المأوى والغذاء لعدد كبير من اللاجئين العائدين إلى العاصمة -هرغيسا- و مدن شمالية أخرى بعد سقوط النظام المركزي و توقف الصراع بين قواته النظامية و سكان تلك المناطق ، كما طالب الرئيس تور بان تكون الدول الاسلامية في طليعة البلدان التي تعترف بدولته الجديدة وتساعد على حشد أكبر عدد ممكن من الاعترافات بها على المستوى الدولي، مؤكداً أن إعلان جمهورية صومالي لاند جاءت تجسيدا لإرادة شعب أرض الصومال الذي عانى- حسب قول مخاطبنا- الأمرين من نظام الجنرال سياد بري، وقد أعرب رئيس الوفد في ردوده عن استعداد المنظمة ومؤسساتها المتخصصة الى جانب الدول الاعضاء، لتقديم المعونات الإنسانية العاجلة المطلوبة، ومساعدة الأشقاء الصوماليين في حل مشاكلهم وبذل المزيد من الجهود لتحقيق السلام والمصالحة في إطار "صومال موحد "

وكانت هذه الردود واضحة في رفض اية خطوة من شأنها تشجيع حركات الانفصال في اي بلد عضو وعدم المساس بالحدود القائمة عند الاستقلال واحترام سلامة اراضي الدول ووحدتها السياسية وهو مبدأ تضمنه ميثاق الامم المتحدة وتبنته من بعدها كل المنظمات الدولية والإقليمية الاخرى..

وقد عقّب الرئيس "تور" على كلام الامين العام بالتأكيد على ان قرار الانفصال الذي اتخذته قبائل الشمال وكذلك الجبهة التي يترأسها نهائي ولارجعة فيه، بعد تجربة ثلاثة عقود من الوحدة" التي كان الشطران الشمالي والجنوبي للصومال قد وافقا عليها بمحض ارادتهما ، مشيرا بصفة خاصة الى ان ارض الصومال حصلت فور استقلالها من بريطانيا في منتصف 1960 على اعتراف أكثر من ثلاثين دولة وتريد استعادة هذا الاعتراف الدولي الرسمي بعد ان تنازلت عليه عندما شكلت مع الشطر الجنوبي الحائز على استقلاله للتو من إيطاليا،" جمهورية الصومال "الموحد في الاول من شهر جويلية 1961،،، وواصل مخاطبنا مداخلته بالإشارة الى ان الإنقلاب العسكري الذي قاده الجنرال سياد بري وأطاح فيه بالحكومة المدنية وأسس عوضا عنها نظاماً ماركسياً شمولياً بعد ثماني سنوات من قيام الوحدة بين شطري البلاد، غير الموازين و "جعل ابناء الشمال تحت "حكم عسكري مباشر" من السلطة المركزية،،

خلفية عن الاوضاع الصومالية في تلك الفترة

تزامنت زيارتنا الى ارض الصومال مع منحى تصاعدي لما سمي بالحرب الأهلية الصومالية بين الفصائل المسلحة بالشطر الجنوبي للبلاد حيث تقع العاصمة الفيدرالية مقديشيو التي هيمن عليها "امراء الحرب في ظل الفراغ الذي تركه سقوط نظام سياد بري في مطلع السنة نفسها تحت وطأة ثورة مسلحة قادتها جبهات معارضة متعددة توحدت في مرحلة اولى واستطاعت انهاء حكم استبدادي استمر ما يزيد عن العقدين، وكانت أبرز سماته تهميش المعارضة والصدام القمعي مع القبائل وكسر شوكتها وخاصة في الشمال، حيث قام النظام العسكري للرئيس بري بقصف المدن والقرى وارتكاب مجازر بحق أكبر قبائله، وهي قبيلة "إسحاق" التي ينحدر منها حوالي ثلثي سكان الشمال،،

وكانت تلك السياسات القمعية سببا رئيسيا واضحا في الاعلان الأحادي الجانب لأبناء الشمال عن الانفصال عن الشطر الجنوبي الذي لم يعرف، والحق يقال الاستقرار ولو نسبيا.
الا في السنوات الاخيرة، اذ تواصل تنظيمات ارهابية عديدة وخاصة حركة) الشباب الصومالية) حركة) الشباب المجاهدين) المرتبطة بتنظيم القاعدة، والمتواجدة في مناطق واسعة بوسط البلاد وجنوبها، شن هجمات ضد الحكومة والمواقع الاستراتيجية في العاصمة الفيدرالية، بينما ظل الشمال في منأى عن تلك الصراعات وعمل على تعزي مؤسسات "دولته" الناشئة من حكومة وجيش وبرلمان وعملة خاصة به مع تداول خمس رؤساء على حكمه إلى حد الان، آخرهم الرئيس الحالي موسى بديهي عبدي الذي يقود في الآونة الاخيرة تقاربا كبيرا ولافتا مع إسرائيل..

مكاسب إسرائيل الكبيرة من وراء اعترافها بجمهورية شمال الصومال

هناك اعتقاد سائد في إسرائيل وخارجها ان الحرب على غزة وتدخل قوات نظام الحوثيين في شمال اليمن لمناصرة الفلسطينيين بالقطاع عن طريق توجيه الضربات الصاروخية المتتالية على مواقع إسرائيلية في اوج الحرب المذكورة وكذلك استهداف سفن الشحن المتجهة الى إسرائيل عبر مضيق هرمز، كانا من بين الاسباب الرئيسية لهذا التقارب بين تل أبيب وهرغيسا، ولم يكن لهذا الاعتراف الرسمي الاول من نوعه بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة ان يتم، دون ضوء اخضر من واشنطن، لما يشكله من تحدي صارخ
للقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة واستفزاز للكثير من دول العالم التي ادانت فرادى في إطار منظمات اقليمية ودولية عديدة هذه الخطوة الإسرائيلي واعتبرتها سابقة خطيرة وإجراءا أحاديا يشكل مساسا بسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدتها وسلامة أراضيها وتهديدا مباشرا لأمن منطقة القرن الافريقي،،

لا أعتقد ان هذه المواقف والبيانات ستغير في شيء من هذا الواقع الجديد الذي يخدم بدون شك مصالح الطرفين وخاصة إسرائيل التي أصبح لها اليوم فعليا موطئ قدم في منطقة على غاية الأهمية الاستراتيجية بموقعها الجغرافي الحيوي، وموانئها المطلّة على خليج عدن، وخاصة ميناء بربرة الذي يمنحها منفذا مباشراً على باب المندب، أحد اهم الممرات البحرية

في العالم، هكذا ستصبح لإسرائيل قاعدة متقدمة تخدم أهدافها الأمنية والاستخباراتية لمواجهة الحوثيين وإيران، وتساعدها ايضا على إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة والحد من تأثير القوى الإقليمية المنافسة وربما تنفيذ هجوم استباقي جديد ومباغت على إيران للقضاء على ما تبقى لها من اسلحة استراتيجية بدعوى ان هذا الوضع مازال يشكل تهديد لأمنها القومي،،
اما الاقليم الانفصالي فقد يكسب الى جانب المساعدات الإسرائيلية في مجالات عديدة مثل الامن والزراعة والتكنولوجيات الحديثة، على اهم من ذلك، وهو الحصول على المزيد من الاعترافات الدولية بضغوط من تل أبيب على اصدقائها في المنطقة وخارجها وربما تعاطف حلفائها وقد تحدث مفاجئات في هذا الشأن تخص اعترافات دول من الوزن الثقيل أظهرت في الآونة الاخيرة استهتارا غير مسبوق بالقانون الدولي وانانية مفرطة كل ما تعلق الامر بخدمة مصالحها الذاتية الضيقة،، لننتظر ونرى، وللحديث بقية.

نورالدين المازني

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.