أخبار - 2026.07.14

تونس: جزر الكنائس ملاذ طبيعي للطيور المهاجرة الشتوية

تونس: جزر الكنائس ملاذ طبيعي للطيور المهاجرة الشتوية

في منتصف الطريق بين المحرس والصخيرة، وعلى بعد نحو 1.5 كيلومتر من الساحل، تمتد الجزر الخمس التي تشكل أرخبيل جزر الكنائس على مساحة تبلغ 5850 هكتارًا. وتصل هذه المساحة إلى حوالي 22 ألف هكتار أثناء الجَزر، عندما تظهر المرتفعات البحرية وتصبح يابسة.

ويمنح التغير بين المد والجزر هذه المنطقة، المعروفة بضحالتها والغنية بمروج البوسيدونيا، وهي الأكبر في البحر الأبيض المتوسط، كميات كبيرة ومتنوعة من العناصر الغذائية. وتُعد هذه المروج مصدرًا مهمًا لتغذية الأسماك الصغيرة، إذ يُعتبر الموقع مهدًا لأكثر من ثلث أسماك البحر المتوسط.يضم الأرخبيل جزيرة البصيلة، وهي الأكبر، ثم جزيرة الحجر أو جزيرة سيدي صالح، نسبة إلى الولي الصالح الذي تزوره بعض عائلات المنطقة، وخاصة من قبيلة السمالة، فوق هذا الرأس الصخري الذي تعلوه جرف بارتفاع مترين. وفي وسط المحمية توجد جزيرة اللبوة أو جزيرة دير القديس فولجانس الذي كان قائمًا في المكان خلال القرن السادس الميلادي. أما في أقصى الجنوب فتقع جزيرتا الوسطى والغربية المتلاصقتان تقريبًا، والمكوَّنتان من الحجر الرملي الدقيق، وقد تأثرت سواحلهما بشدة بتآكل الأمواج البحرية.

تقع الجزيرة الكبرى قبالة قرية خوالة على الساحل، حيث كان صيادو المنطقة ينزلون في موقع يُعرف بـ«القطاية» قبل إنشاء ميناء الزبوزة في ثمانينات القرن الماضي. أما القوارب الصغيرة الشراعية أو المزودة بمحركات خارجية فتستفيد اليوم من الرصيف الذي أنجزته وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي بالتعاون مع الجمعيات المحلية.

وصُنفت جزر الكنائس كمحمية طبيعية، ما يمنحها حماية خاصة ينظمها القانون الغابي، وتتولى الإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة مهمة الحفاظ عليها.

كما تُعد الجزر منطقة متوسطية ذات أهمية خاصة للحماية وفق اتفاقية برشلونة. وجميع الجزر منخفضة ومسطحة، وتحيط بها شواطئ طينية ورملية تظهر فيها أحيانًا صخور وحصى.

وتتميز جزيرة البصيلة، المحاطة بمنطقة بين المد والجزر، بنباتاتها المتكيفة مع التربة المالحة، والمكونة من الحشائش والبقوليات، مما يجعلها ملجأ مثاليًا يحمي الطيور من الرياح ويوفر لها أماكن مناسبة للتعشيش، خاصة طيور الخرشنة والنوارس.

وتحيط بالجزر مساحات واسعة من الطين البحري تمتد على 14500 هكتار، تكونت بفعل الترسبات التي جلبتها فيضانات وادي ودران ووادي السمارة. وتعيش فيها كائنات قاعية كثيرة قد تصل كثافتها إلى 528 فردًا في المتر المربع، وهو ما يوفر غذاءً وفيرًا للطيور البحرية.

وتُعد محمية جزر الكنائس جنة عالمية للطيور المهاجرة والشتوية، حيث تستقبل سنويًا أكثر من 300 ألف طائر من أكثر من خمسين نوعًا قادمًا من المنطقة القطبية القديمة. وتبدأ الطيور المهاجرة المبكرة في الوصول منذ منتصف أوت، وتمكث أسبوعين أو ثلاثة فقط لتتزود بالطاقة قبل مواصلة رحلتها نحو مناطق جنوب الصحراء، خاصة قرب نهر النيجر وبحيرة تشاد. أما الطيور الشتوية فتصل تدريجيًا حتى شهر نوفمبر وتنتشر على أكثر من 35 ألف هكتار، بما في ذلك المناطق الساحلية الرطبة المقابلة للجزر.

ولا يشكل تنوع الغذاء منافسة بين الطيور، وخاصة الطيور الخواضة، فبعضها يتغذى على السطح مثل الزقزاق والسنونو البحري، وبعضها يتغذى على الرخويات مثل آكل المحار، وبعضها يغوص في الماء مثل الغطاس، وهناك طيور ذات مناقير طويلة تبحث عن اليرقات والديدان داخل الطين أثناء الجزر، بينما تقوم طيور أخرى بترشيح الماء لاستخراج العوالق النباتية والحيوانية مثل أبو ملعقة والنحام الوردي.

ويجد العلماء والمتخصصون في الطيور في هذه المحمية مختبرًا طبيعيًا كبيرًا لإجراء الدراسات والأبحاث حول الطيور عامة والبحرية خاصة.كما تعرف جزر الكنائس نشاطًا اجتماعيًا واقتصاديًا تمارسه أساسًا نساء المناطق الساحلية، ويتمثل في جمع «القوقع» يدويًا. ويعيش هذا الكائن مدفونًا في الرمال ويقوم بترشيح الماء لاستخراج الغذاء، وتُعرف أماكن وجوده من خلال الثقوب التي يتركها على سطح الرمل.

وتزاول أكثر من 300 امرأة هذا النشاط مدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع كل شهر، باستثناء فترات ركود البحر والأيام الممطرة والعاصفة، بمعدل يقارب 55 يوم عمل فعلي سنويًا، وهو ما يوفر دخلاً إضافيًا للعائلات. ويُعد هذا العمل شاقًا بسبب الانحناء المستمر وبرودة الشتاء والرطوبة، كما أن معظم الكميات المجمعة تُصدَّر إلى أوروبا.

غير أن المنطقة الصناعية الجديدة بالصخيرة، ومشروعي «السياب 2» و«تيفارت»، الواقعتين قبالة الجزر وعلى مسافة تقل عن أربعة كيلومترات، بدأت تؤثر في التوازن البيئي للمحمية بسبب تصريف مياه التبريد الصناعية المحملة بمواد كيميائية دون رقابة كافية. وقد لوحظ انتشار أنواع من الطحالب لم تكن موجودة من قبل، وأصبحت تغطي مساحات واسعة من القاع البحري وحول الجزر، مما قد يهدد الحياة البحرية.وتواجه منطقة خليج قابس عامة وجزر الكنائس خاصة خطرًا آخر يتمثل في استعمال وسائل الصيد الممنوعة قانونًا، وعلى رأسها الشباك الصغيرة المعروفة محليًا باسم «الكيس». وقد عاد هذا النشاط بعد الثورة، حيث أظهرت جولة ميدانية أُنجزت سنة 2013 في 17 ميناءً من الجدارية إلى الشابة مرورًا بجربة والصخيرة والمحرس وصفاقس وقرقنة، أن 3020 مركبًا تمارس الصيد المخالف للقانون على مرأى من الجميع، والمفارقة أنها ما زالت تستفيد من دعم المحروقات.
وتكمن خطورة «الكيس» في أنه يجر سلاسل حديدية ثقيلة فوق قاع البحر، فيقتلع النباتات البحرية ومروج البوسيدونيا التي تتغذى فيها الأسماك وتتكاثر وتختبئ. كما أن الصيد يتم ليلًا في مجموعات متراصة، مما يؤدي إلى جمع كل الأسماك دون تمييز، ثم يُحتفظ بالكبيرة منها بينما تُرمى الأسماك الصغيرة عديمة القيمة التجارية في البحر لتلتقطها النوارس.

ورغم هذه التهديدات، تبقى جزر الكنائس فردوسًا طبيعيًا غنيًا بثرواته المتعددة التي لا تزال غير معروفة بما يكفي لدى التونسيين. فمقوماتها للسياحة البيئية، وقنواتها البحرية العميقة، وشواطئها التي تظهر أثناء الجزر بجمال يشبه جزر هاواي ومياهها الفيروزية، إضافة إلى آلاف الطيور الشتوية التي تستقبلها، كلها عناصر تجعل منها ثروة حقيقية يمكن تثمينها لتصبح وجهة مميزة للسياحة والاستكشاف.

عبد المجيد الدبار

قراءة المزيد

جالطة: جوهرة أقصى شمال إفريقيا

قرقنة... أرخبيل يجمع بين التاريخ والروحانية والهوية التونسية 

زمبرة: جوهرة البحر الأبيض المتوسط 

 جزر تونسية ساحرة للإكتشاف 




هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.