في محبة الدكتور علي الزواري: رجل العلم والعلاّمة في ميدان التاريخ
بقلم رضا القلال - تصادف يوم الجمعة 31 جويلية 2026 ذكرى أربعينية الراحل الفقيد د. علي الزواري، الذي غادرنا إلى الأبد يوم 21 جون 2026، عن عمر يناهز91 عاما. وبفيض من الحب والتقدير أسوق لقراء "ليدز العربية" سطورا مختصرة، عن هذا العلَم الصفاقسي الأصيل، الوفيّ لتاريخ صفاقس، والعاشق لمدينتها التاريخية، التي نذر حياته بكل جوارحه لخدمتها.
ذلك الرجل الذي تميز بميزة إبداعية مديدة، فقد ألّف عديد الكتب والدراسات والمقالات الزاخرة بالمعارف الشاملة. ذلك الرجل شديد اللطف والطيبة والتواضع، الذي لم يكن يجري وراء الأضواء.
وأسعدني الحظ أن أكون صديقا له، وأن أستفيد من مروحة معارفه الواسعة. وأن أجالسه وأحادثه مرارا عديدة ومتواترة، في ضيافة زوجته السيدة الفاضلة سميرة بوحامد، قبل أن ينتقل إلى العاصمة، لترعاه ابنته أنس قبل 3 سنوات من مغادرته هذه الدنيا، ولهذا أحتفظ بكم من التسجيلات معه، التي تبرز الدور الحضاري الخلاق لمدينة صفاقس. ومن يعرف علمه وسيرورة اسمه بين الناس، يدرك عمق وأثر هذه الفقد. ولا شك تأثر الكثير تأثرا بليغا برحيله.
د. علي الزواري أول من «اخترق «الوثائق التونسية الصفاقسية بعاصمة الفاطميين
رأى د. علي الزواري النور بساقية الداير وتعلّم بصفاقس وتخرّج من دار المعلمين العليا بتونس بعد أن أحال وجهته الشادلي القليبي من الآداب العربية إلى التاريخ. ثم عمل بصفاقس أستاذا لمادة التاريخ، انضم بعد ذلك إلى فريق محمد المصمودي/الشادلي القليبي عند تأسيس متحف العادات والتقاليد الشعبية بصفاقس (دار الجلولي). كما عمل بإذاعة صفاقس في عهد عبد العزيز عشيش مدير إذاعة صفاقس، ورئيس اللجنة الثقافية ومن بعده، وهو الذي اختاره لترأس جمعية التقدم المسرحي. وفي عرض للجمعية حضره الزعيم بورقيبة بالمسرح البلدي ناداه وتحدث إليه بأبوية ولباقة ثم دعاه إلى قصره الرئاسي قصرالهناء ببشكة (منزل شاكر)، وفي فسحات الرئيس الخاصة يقول لممثلي السلطة الجهوية "جيبو علي الزواري معاكم" ومنذ ذلك التاريخ وهو يحمل تلك الذاكرة الجميلة عن شخصية الرئيس الفذة.
وقد قاده طموحه إلى الترحال إلى فرنسا في عديد المرات للتخصّص في التاريخ، ومن هناك إلى مصر في أكثر من رحلة، وتحديدا إلى القاهرة والإسكندرية. ويبقى د. علي الزواري الصفاقسي الاول والوحيد إلى يومنا هذا، الذي اخترق الوثائق التونسية الصفاقسية بعاصمة الفاطميين.
وعمل طوال حياته بصفاقس، وتغلغل في معالمها وحاراتها، وأنهجها الضيقة وسباطاتها، وفي غرفها ودهاليزها… وبقي محتفظا بأبجدية المدينة العتيقة وكأنها حبيبته الأولى والأخيرة، تمتد علاقته بها من القلب حتى تصل إلى عمق اللغة الفرنسية والعربية التي يكتب بهما في سلاسة وانسيابيّة.
أعماله الفكرية ترتقي الى موسوعة عن تاريخ صفاقس: كان على علم بكل حجرة تنهار أو تشيّد، وبكل باب يفتح أو يغلق
قصة د. علي الزواري هي قصة المدينة العتيقة بصفاقس في النصف الثاني من القرن العشرين بكل تفاصيلها وحيثياتها، وبكل أبعادها. هي قصة المؤرخ الذي أفني حياته بحثا عن تراث خريطة هذا المكان وتاريخه من زمن القرن 16 إلى القرن 20. ود. علي الزواري كان مشهورا داخل المدينة العتيقة، فهو المتفقد الجهوي للتراث على علم بكل حجرة تنهار أو تشيّد، وبكل باب يفتح أو يغلق. يشارك في كل المشاريع الخاصة (الدعم والمراقبة) والعامة (الإنجاز). وهو مشهور خارج المدينة لأنه عمل أستاذا في مادة التاريخ بالمعاهد الثانوية (كلوج صفاقس، ومعهد مجيدة بوليلة)، وتعاون منتجا بإذاعة صفاقس ذائعة الصيت منذ ستينيات القرن الماضي.
كلّ مرّة يذكر فيها د. علي الزواري المدينة العتيقة، كان يتحدّث فيها بشغف كبير يشعر المستمع بالغيرة من مدى حبّ هذا الإنسان الرائع لمدينته، ورغبته الجامحة بأن يحافظ عليها ويحميها ويزيد من بهائها، لأنّها قطعة من روحه. ممّا جعله يعبّر بفرح عندما يكشف عمق علاقته ببرج النار، ودار الجلولي، وساحة القصبة، ومتحف العمارة التقليدية، والجامع الكبير، وسيدي الميراتي، وحومة الرقّة (3 نقاط على القاف)، وعلي النوري، وحمام السلطان، وجامع اللخمي، ومدخل باب الجبلي ...وهو مؤسس جمعية صيانة المدينة وكاتبها العام، ومؤسس جمعية أحباء المتاحف ورئيسها... وكم كان مستعدا للتضحية من أجل مدينة صفاقس العتيقة، ومن أجل الأجيال القادمة، لتبقى هذه المدينة وثيقة معمارية تاريخية واقعية. إن د. علي الزواري حقيقة من "الشماريخ في علم التاريخ" بعبارة السيوطي (القرن16م) والصفات الإيجابية للشماريخ تجدونها عند مولانا الفيروزبادي في القاموس المحيط!
مؤسس جمعية صيانة المدينة وكاتبها العام، ومؤسس جمعية أحباء المتاحف ورئيسها، رئيس جمعية التقدم المسرحي
ود. علي الزواري باحث مدقّق كما يعمد محترفو التعدين إلى فرز الطين والحصباء بحثا عن التبر الذي يستخلص منه معدن الذهب. وباحث في الرقائق والتفاصيل التاريخية مثل صانع لوحات الفسيفساء (الموزييك) من الحجارة الدقيقة المتناهية. وهكذا ناقش أطروحة الدكتوراه في جوان 1977 بجامعة آكس بمرسيليا حول "العلاقات التجارية بين صفاقس والشرق"، وألّف أعماله الفكرية التي ترتقي الى موسوعة عن تاريخ صفاقس، عكف عليها السنين الطوال باحثا صبورا.
ود.علي الزواري في نتاجه الدّافق ينبئ بإنسان شدّه التاريخ إلى أحضانه، فأمضى سحابة عمره وهو عاكف على الكتب والمخطوطات، يعيش في عالم من ورق وأقلام قبل أن تنتشر لوحة الكتابة في الكمبيوتر الفردي.
والسؤال الذي يحضرني، أين هي رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه التي تنعقد حول مجمل أعماله التي حظيت بثناء كبير؟ ففي آخر مكالمة مع البروفسور فوزي محفوظ، لتبادل التعازي في فقده، ذكر بأن د. على الزواري مؤرخ عالم بأتم معنى الكلمة. وهو الذي كتب فيه باللغة الفرنسية، بمجلة "ليدرز"، نصا مضيئا ومعبرا يقطر حبا، واعترافا بجميله لما قدمه للمدرسة التاريخية التونسية، وللتاريخ المحلي بصفاقس.
فالدكتور علي الزواري، على غزارة علمه، ونفاسة ما خطّ، وما أصدر من كتب عن التاريخ الصاخب لصفاقس بالعذب والمرّ، وبالقادة والرموز والمؤسسات، وعلى علوّ كعبه، والمكانة العلمية السامية التي ارتقاها، لم يكن موضوع الباحثين أو النقاد ليستنطقوا، إبّان حياته، مفاصل سيرته وإشكاليات مؤلفاته! إن النقد التاريخي في أزمة جليّة عندنا. لقد أورثنا د. علي الزواري مكتبة تاريخية وتراثية شائقة، وهو رجل علم وعلاّمة في ميدانه. ولأنه يؤثر حياة الظل، والتواضع سمة بارزة في كيانه، لم تأته الشهرة التي يستحقّها في المدونة العلمية، كما أن الوفاء لعلمه الجمّ ولشخصه المتفرّد مازال غائبا!!! فلم تخصه أي جهة «بسمبوزيوم" مثلا للتأمّل في إنتاجه الغزير، والنظر في التراكم التاريخي والمعرفي، الذي أضافه إلى ماضي صفاقس، وأحدث به منعطفا واضحا في تاريخ المدينة، بل له كتابات مؤسّسة فعلا في مجال المعرفة التاريخية، تنمّ عن جهد مخلص قلّ مثيله. إضافة إلى تجاربه في إذاعة صفاقس، وانخراطه في المجتمع المدني (جمعية صيانة المدينة، جمعية التقدم المسرحي، جمعية أحباء المتاحف). إن أيّ حديث عن تجربة د.علي الزواري هي تجربة خصبة وغزيرة ومتنوعة في التاريخ والتراث والمسرح والاعلام، تستمد كينونتها من تعدّده الداخلي. أستغرب حقيقة كيف لا يشكّل د.علي الزواري مجالا خصبا ومغريا للمؤرخين والباحثين الأكاديميين والمثقفين والصحفيين المختصين؟ ولماذا لم يكتبوا عنه مجموعة من الدراسات؟ فضلا عن ترجمة أعماله إلى العربية أو نقلها إلى الفرنسية.
الوفاء لعلمه الجمّ ولشخصه المتفرّد مازال غائبا!!!
ومختصر الحديث، كما أ ن ابن أبي ضياف هو أشهر مؤرخ عرفته تونس بعد مرور خمسة قرون على وفاة ابن خلدون، فان المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب يعتبر الوريث الشرعي لابن ابي ضياف وكلهم من مواليد العاصمة. وقياسا على ذلك، فإن د. علي الزواري هو الوريث الشرعي للمؤرخ محمود مقديش (ولد عام 1742 بصفاقس)، صاحب الدائرة التي تحمل اسمه، وهو كتاب "نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار" الذي حققه د. علي الزواري نفسه، بمعية المحقق محمد محفوظ.
د. علي الزواري يكفي أن تقول اسمه فقط فهو مؤرخ مبدع متفرّد، صاحب رسالة، لا يشبه إلاّ نفسه. لم تقصّر معه المدينة وبادلته وأهلها حبّا بحبّ. الدكتور علي الزواري بشخصيته الطيبة، وعلاقاته الإنسانية، وبعلمه الغزير، وبحضوره في أزقة صفاقس العتيقة وساحاتها، نقل خفقان قلب المدينة التاريخية بصفاقس إلى كل من يعشقها، وزاد من عشق القريب والبعيد.
رضا القلال
- اكتب تعليق
- تعليق