الأستاذ سليم اللغماني في لقاء حصري مع ليدرز بعد انتخابه قاضياً بالمحكمة الدولية لقانون البحار
"بصفتي قاضيًا قادمًا من بلدان الجنوب، آمل أن أُسهم في إثراء الحكمة القضائية للمحكمة." بهذه العزيمة يتأهب الأستاذ سليم اللغماني لأداء اليمين يوم غرة أكتوبر القادم، للشروع في مهامه قاضيا بالمحكمة الدولية لقانون البحار المنتصبة بمدينة هامبورغ الألمانية، بعد فوزه في الانتخابات للحصول على مقعد ضمنها لولاية تدوم تسع سنوات قابلة للتجديد.
ولكن، لماذا كان الأستاذ سليم اللغماني يطمح إلى أن يصبح قاضيًا دوليًا؟ ولماذا اختار الترشح للمحكمة الدولية لقانون البحار؟ وكيف جرت حملته الانتخابية؟ وما هي أبرز القضايا التي تمت مناقشتها خلال نحو 70 لقاءً عقدها في نيويورك مع ممثلي الدول الأطراف؟
في هذا الحوار مع ليدرز، يجيب الأستاذ سليم اللغماني بكل صراحة عن مختلف هذه الأسئلة.
منذ متى راودتك فكرة الترشح لمنصب قاضٍ في المحكمة الدولية لقانون البحار؟ وما هي دوافعك؟
يمكنني القول إن قانون البحار كان حاضرًا في بداية مسيرتي المهنية وفي نهايتها أيضًا.
ففي سنة 1982 أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها في النزاع التونسي الليبي حول الجرف القاري. وكان ذلك الحكم مفاجئًا من عدة جوانب، إذ استند إلى حجج لم يكن بإمكان فريق الدفاع التونسي، الذي كان يقوده آنذاك العميد الصادق بلعيد (رحمه الله)، أن يتوقعها.
في تلك الفترة، كنت قد التحقت حديثًا بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس بصفة مساعد، وفكرت في أن أجعل هذه القضية موضوع أطروحة الدكتوراه التي اعتزمت اعدادها تحت إشراف الأستاذ عياض بن عاشور، وقد وافق على ذلك. عملت على هذا المشروع ثلاث سنوات، ثم قررت في النهاية تغيير موضوع الأطروحة.
وخلال السنة الجامعية 1983-1984، كنت مساعد الاستاذ الأزهر بوعوني (رحمه الله)، الذي كان يدرّس القانون الدولي، وخصصت حصص الأعمال التطبيقية لقانون البحار. وأتذكر أن المرحوم شوقي قدّاس، وكان آنذاك أحد طلبتي، أنجز دراسة متميزة حول موضوع الجرف القاري.
أما فكرة الترشح لمنصب قاضٍ دولي، فإن أول من شجعني عليها كان العميد عبد الفتاح عمر (رحمه الله). فقد ترشح هو نفسه سابقًا لمنصب قاضٍ بمحكمة العدل الدولية، لكن ترشحه لم يُكتب له النجاح. وبعد ذلك شجعني على التقدم لهذا المنصب. كان ذلك منذ نحو عشرين عامًا، لكنني كنت أشعر آنذاك بأن الوقت لم يحن بعد، وأخبرته بذلك، وقد عبّر لي عن خيبة أمله.
ومع مرور السنوات بدأت الفكرة تنمو داخلي. قلت لنفسي إنه بعد انتهاء مسيرتي الجامعية قد يكون بإمكاني خوض هذه التجربة.
وفي سنة إحالتي على التقاعد، كلّفني رئيس الجمهورية بتقديم المرافعة الشفوية باسم تونس أمام محكمة العدل الدولية بشأن القضية المتعلقة بالحقوق الفلسطينية. وكان ذلك شرفًا كبيرًا بالنسبة إليّ، كما شكل تجربة مهنية وإنسانية ثرية. عندها عادت إليّ فكرة العمل قاضيًا دوليًا، وإن كنت لم أكن أعتقد أن ذلك سيتحقق.
وفي شهر نوفمبر الماضي، تلقيت اتصالًا من السيدة حنين بن جراد، المديرة بوزارة الشؤون الخارجية، وكانت قبل ذلك من طالباتي المتفوقات، سألتني فيه إن كنت أرغب في أن أكون مرشح تونس لمنصب قاضٍ بالمحكمة الدولية لقانون البحار. أجبتها بالموافقة، وطلبت مني إرسال رسالة إلكترونية تؤكد ذلك، وهو ما فعلته. وبعد أيام قليلة أبلغتني بأن رئيس الجمهورية قرر تقديم ترشحي رسميًا. وأتوجه إليه بجزيل الشكر على الثقة التي منحني إياها.
كيف جرت الحملة الانتخابية؟
بدأ الأمر بمرحلة الإعداد. فقد كان عليّ إعداد ملفي باللغتين الرسميتين للمحكمة، الإنجليزية والفرنسية، إلى جانب تحديث معارفي في قانون البحار.
وأود هنا أن أتوجه بالشكر إلى الدكتورة مريم العقربي، صاحبة أطروحة متميزة في قانون البحار كنت قد تشرفت بالإشراف المشترك عليها. فقد ساعدتني في هذا العمل، كما تولت إعداد مطويات الحملة بأربع لغات: العربية والإسبانية، إضافة إلى اللغتين الرسميتين للمحكمة.
أما الحملة نفسها فقد مرت بثلاث مراحل.
كانت المرحلة الأولى في شهر فيفري الماضي، عندما دعاني وزير الشؤون الخارجية لمرافقته إلى أديس أبابا للمشاركة في قمة الاتحاد الإفريقي. وخلال اللقاءات الثنائية التي عقدها الوزير، كان يقدمني إلى نظرائه ويطلب منهم دعم ترشح تونس، ثم يتيح لي الفرصة لتقديم نفسي بإيجاز.
وقد حظيت طوال تلك المرحلة باهتمام كبير من أعضاء البعثة الدبلوماسية، وعلى رأسهم القائم بالأعمال نبيل المصمودي. وتُوجت هذه الجهود بحصول المرشح التونسي على تزكية الاتحاد الإفريقي، وهو مكسب كان بالغ الأهمية لبقية الحملة.
أما المرحلة الثانية، فكانت خلال إقامة أولى في نيويورك دامت أسبوعين في شهر أفريل الماضي. وهناك تعرفت على السفير نبيل عمار وعلى أعضاء البعثة الدائمة لتونس لدى الأمم المتحدة، وكان أربعة منهم من طلبتي السابقين.
وخلال هذه الزيارة تم تنظيم نحو ثلاثين لقاءً مع الممثلين الدائمين للدول الأطراف أو نوابهم أو الدبلوماسيين المكلفين بمتابعة الانتخابات. وقد لمست عن قرب كفاءة أعضاء البعثة، والتزامهم، ودعمهم اللامحدود، بقيادة السفير نبيل عمار. وغادرت نيويورك وأنا أشعر بأنني تركت وراءي فريقًا من الأصدقاء مصممًا على إنجاح ترشحي.
أما المرحلة الثالثة، فكانت خلال زيارة ثانية إلى نيويورك في شهر جوان، عشية الانتخابات. وخلالها عقدت حوالي أربعين لقاءً إضافيًا، ليصل مجموع اللقاءات إلى قرابة سبعين.
وقد تم ترتيب بعض هذه اللقاءات في اللحظات الأخيرة، وكانت حاسمة في نتيجة التصويت.
وبهذه المناسبة، أود أن أجدد شكري لكل أعضاء البعثة الدائمة الذين بذلوا جهودًا متواصلة، وهم: السفير نبيل عمار، ياسين صالح، وسام بودريقة، مروى جبو، أنيس بن عثمان، الهادي العبيدي، عماد المثناني، السيدة تقوى بن عبد الله، إضافة إلى رئيس الملحقية العسكرية، العميد بالبحرية وجدي قريعة، ومساعده العميد حاتم بشير، والسيد بلقاسم مسعود المكلف بالشؤون الإدارية.
لقد ساهم كل واحد منهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في نجاح هذه الحملة. وأقولها بكل صدق: لولاهم لما نجحت. فمهما كانت كفاءة المرشح، فإنها لا تكفي وحدها إذا لم تحظ بدعم دبلوماسي قوي وفعّال.
ما هي أبرز الانطباعات التي خرجتم بها من اللقاءات التي عقدتموها في نيويورك؟
نشأة المحكمة الدولية لقانون البحار واختصاصاتها
المحكمة الدولية لقانون البحار هي هيئة قضائية دولية مستقلة أُنشئت بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتتولى الفصل في النزاعات المتعلقة بتفسير أحكام الاتفاقية وتطبيقها.
وتتكون المحكمة من 21 قاضياً مستقلاً، يُنتخبون من بين شخصيات مشهود لها بأعلى درجات النزاهة والحياد، وتتمتع بخبرة وكفاءة معترف بها في مجال قانون البحار.
وتختص المحكمة بالنظر في جميع النزاعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وكذلك في القضايا التي تنص أي اتفاقية أخرى صراحة على إحالتها إليها. ويحق اللجوء إلى المحكمة لجميع الدول الأطراف في الاتفاقية، كما يمكن أيضاً للدول أو المنظمات الحكومية الدولية غير المنضمة إلى الاتفاقية، وكذلك للمؤسسات الحكومية والهيئات الخاصة، اللجوء إليها في الحالات التي تنص عليها صراحة الجزء الحادي عشر من الاتفاقية، أو بموجب أي اتفاق آخر يمنح المحكمة اختصاصاً توافق عليه جميع أطراف النزاع. وتتمتع المحكمة بصلاحية الفصل في النزاعات القانونية (الاختصاص القضائي)، كما يحق لها إصدار آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي تُعرض عليها (الاختصاص الاستشاري)
ويقع المقر الدائم للمحكمة في مدينة هامبورغ بجمهورية ألمانيا الاتحادية.
المصدر: المحكمة الدولية لقانون البحار (TIDM).
تركزت الأسئلة في البداية حول مسيرتي المهنية ورؤيتي لدور المحكمة الدولية لقانون البحار.
كما تناولت النقاشات قضايا راهنة، من بينها تأثير التغير المناخي على البيئة البحرية والالتزامات الدولية للدول في هذا المجال، إضافة إلى مسائل سياسية وقانونية مثل النظام القانوني للمضائق الدولية واستغلال الموارد الموجودة في أعماق البحار خارج نطاق الولاية الوطنية.
وقد خرجت بانطباع واضح مفاده أن القانون الدولي للبحار، رغم أن البعض لا يدرك أهميته، سيكون في السنوات القادمة في صميم اهتمامات الدول.
ويرجع ذلك إلى اعتبارات اقتصادية، إذ يتم عبر البحار نقل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، فضلًا عن الثروات الهائلة التي تزخر بها البحار والمحيطات، بما يزيد في شهية الدول، وخاصة الكبرى منها، للاستفادة منها.
كما تزداد أهمية هذا القانون بسبب التحديات البيئية والقضايا العسكرية المرتبطة بالفضاء البحري.
برأيكم، ما أهمية انتخابكم في ظل الظرف الدولي الحالي، وبالنسبة إلى تونس؟
في ظل الأوضاع الدولية الراهنة، وبالنسبة إلى تونس بصفة خاصة، تزداد الحاجة إلى التمسك بدولة القانون والدفاع عنها على المستوى الدولي.
فالبديل الوحيد عن سيادة القانون هو منطق القوة وقانون الأقوى.
ودولة القانون، سواء داخل الدول أو على المستوى الدولي، تبقى الضمانة الأساسية لحماية الضعيف في مواجهة القوي.
كيف تنوون أداء مهامكم؟ وما الإضافة التي تأملون تقديمها إلى المحكمة؟
عندما أُنشئت المحكمة الدولية لقانون البحار، اعترض عدد من المختصين في القانون الدولي على إحداثها، متسائلين: «هل نحن بحاجة إلى محكمة دولية جديدة؟».
وتحدثوا آنذاك عن «تكاثر» المحاكم الدولية، وعن خطر «تجزئة» القانون الدولي.
لكن المحكمة أثبتت، خلال أكثر من ثلاثة عقود من عملها، أنها تتمتع بحكمة قضائية رصينة، أو بما يسميه الفلاسفة Prudentia، أي الحكمة والتبصر.
وقد ساهمت بشكل كبير في تحقيق الانسجام داخل الاجتهاد القضائي الدولي، خاصة في ملفات دقيقة مثل ترسيم الحدود البحرية أو القضايا المرتبطة بالتغير المناخي.
وهذه الحكمة القضائية هي التي آمل أن أساهم في تعزيزها، بصفتي قاضيًا قادمًا من بلدان الجنوب، أو كما كنا نسميها في زمن شبابنا: العالم الثالث.
قراءة المزيد
أبعاد انتخاب الأستاذ سليم اللغماني قاضياً في المحكمة الدولية لقانون البحار
- اكتب تعليق
- تعليق