افتتاحية - تونس: لنجعل من القوة الناعمة رافعة لاشعاعنا في العالم
مهما كانت هزيمة المنتخب الوطني في كأس العالم 2026 قاسية وصادمة، فلا ينبغي لها أن تُسقطنا أرضًا. صحيح أن مرارة الخسارة أمام أنظار العالم بأسره شديدة، يصعب تقبلها، وستظل راسخة في الذاكرة، وهي بلا شك مصدر خيبة للشعب التونسي بأكمله. لكن، هل نحن عاجزون عن النهوض من جديد؟ في كرة القدم، كما في سائر الرياضات والميادين الأخرى، تبقى منصات التتويج في متناول من يحسن الإعداد ويعرف الطريق إليها.
أكثر من أي وقت مضى منذ العصور القديمة، أصبحت الرياضة اليوم تعبيرًا لافتًا عن القوة التقنية والهيمنة الاقتصادية. فمجرد التأهل ضمن المنتخبات الـ48 المشاركة في المونديال يُعد إنجازًا يتردد صداه في مختلف أنحاء العالم. وخلال المنافسات، تسعى المنتخبات واللاعبون إلى تعزيز صورتهم، بما يخدم مكانة بلدانهم ويعزز مسيرتهم الرياضية.
تُعرف الدول وتُحترم بما تحققه من ألقاب وإنجازات، وتبقى بطولات لاعبيها حاضرة في الذاكرة لسنوات طويلة. وهذا لا يقتصر على الرياضة وحدها، بل يشمل أيضًا مختلف مظاهر التميز والإشعاع الدولي. فالفنون، والآداب، والتراث، والتكنولوجيا، والعلوم، والجاليات في الخارج، جميعها عناصر تصنع الصورة وتعكس القوة الناعمة بما تحمله من إبداع ومواهب وقدرة على التأثير.
وهكذا أصبحت القوة الناعمة إحدى أهم ركائز سمعة الدول ومكانتها الدولية. فحفل موسيقي، أو عرض فني راقص، أو معرض رسم، أو تقديم كتاب، أو لقاء فكري يناقش قضايا الساعة، كلها مناسبات قادرة على إبراز ثراء البلاد وتنوعها الثقافي.
وفي علاقاتها مع العالم، تحتاج تونس إلى تفعيل قوتها الناعمة بأقصى طاقتها. ففي زمن تُصاغ فيه المخيلة الجماعية وتُكسب فيه العقول عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تُمكّن هذه القوة من تقديم صورة جذابة عن إمكانات البلاد وإبداعها. غير أن ذلك يقتضي استراتيجية شاملة، ورؤية جماعية، وبرامج متوسطة وطويلة المدى، إلى جانب توفير الموارد المالية اللازمة.
ولا يكفي أن تكون لدينا الرغبة والطموح؛ بل يجب أن نوفر الوسائل الكفيلة بتحقيقهما. فأهم ما تمتلكه تونس هو رصيدها الحضاري والثقافي الذي يجذب أكثر من 11 مليون سائح. وهذا التراث يستوجب الحماية، والإثراء، والترويج المستمر. وهي مهمة لا تقع على عاتق الوزارة أو الديوان الوطني للسياحة وحدهما، بل هي مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف المعنية.
كما تمتلك تونس ثروة أخرى تتمثل في نحو مليوني تونسي مقيمين بالخارج، قادرين على أن يكونوا خير ممثلين لبلادهم، وحريصين على التعريف بها وإبراز إشعاعها. فقد لبّوا دائمًا نداء الوطن كلما دعت الحاجة. ومن ثم، ينبغي حسن استقبالهم عند عودتهم، وتكريمهم عند كل نجاح يحققونه، وإشراكهم في إعداد وتنظيم المبادرات والفعاليات الوطنية.
وتملك تونس أيضًا نخبة من الفنانين؛ من رسامين، وخزّافين، وممثلين، وموسيقيين، ومخرجين سينمائيين، ومطربين، وراقصين، وشعراء، وروائيين وغيرهم، ممن يحملون الثقافة التونسية عاليًا ويُحسنون التعريف بها. وكل ما ينتظرونه هو أن تُفتح أمامهم الأبواب.
كما ينبغي أن يُدرج ضمن سجل شرف الوطن أبطالنا الرياضيون، بمن فيهم الذين بلغوا مراتب عالمية ثم غادروا، مثل أنس جابر، إلى جانب علمائنا، ومهندسينا، ورواد الأعمال، وأساتذتنا الجامعيين. والقائمة أطول من ذلك بكثير. فالدولة التي تعترف بقيمة أبنائها، وتكرمهم، وتبادرهم في اللحظة المناسبة بلفتة تقدير صادقة، لا يزيدها ذلك إلا رفعة ومكانة.
إن القوة الناعمة يجب أن تصبح جزءًا من الحمض النووي (ADN) لتونس. فلنعرف كيف نوظفها ونُحسن استثمارها.
- اكتب تعليق
- تعليق