أخبار - 2026.07.27

كيف نضع حدًّا للصيد الجائر والاحتجاز غير القانوني للطيور؟

كيف نضع حدًّا للصيد الجائر والاحتجاز غير القانوني للطيور؟

يعود اهتمام التونسيين بالطيور إلى عصور بعيدة جدًا. وتشهد على ذلك الفسيفساء الرومانية، والخزف الأغلبي، وبعض الزخارف الحفصية. وكانت الطيور تُصوَّر آنذاك إما لجمالها وأناقتها، أو باعتبارها مصدرًا للصيد الذي كان وسيلةً لتوفير الغذاء وتنويع الطعام للسكان.

وكان التوازن الطبيعي محفوظًا لأن عدد الصيادين كان محدودًا، كما أن الصيد لم يكن سهلًا، إذ كان يعتمد على الرماح والسهام ويتطلب جهدًا كبيرًا لتعقب الحيوانات والإيقاع بها. لذلك لم يكن لهذا الصيد تأثير يُذكر على أعداد الطيور، التي كانت قادرة على تجديد أعدادها بشكل طبيعي.

لكن الوضع تغيّر بالكامل خلال فترة الاستعمار، مع إدخال الأسلحة النارية الحديثة التي استخدمها الصيادون، فبدأت المجازر بحق الحياة البرية. فقد اختفت النعامة الإفريقية الشمالية، وهي أكبر الطيور التي كانت تعيش في المنطقة، كما انقرضت الثدييات الكبيرة من تونس خلال النصف الأول من القرن العشرين. كذلك اختفت النسور الكبيرة، مثل النسر الأسمر، والنسر الأسود، والعقاب الملتحي، بسبب تناقص جيف الحيوانات التي كانت تتغذى عليها.

وبعد استقلال تونس، تباطأت وتيرة اختفاء أنواع الطيور، إلا أن الوضع ظل مقلقًا رغم التحسن المستمر في القوانين المنظمة للصيد. فالمشكلة الأساسية تكمن في ضعف الرقابة وعدم التطبيق الصارم للقوانين، وهو ما لا يتناسب مع خطورة التهديد الذي يواجه الحياة البرية.وفي الوقت نفسه، ظهرت أخطار جديدة تمثلت في تدهور المواطن الطبيعية واختفائها نتيجة التوسع الزراعي، وتجفيف الأراضي الرطبة، والزحف العمراني المتواصل. ولمواجهة هذه التحديات، أُنشئت المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية، كما لعب المجتمع المدني دورًا مهمًا، وخاصة جمعية أصدقاء الطيور التي تعمل منذ سنة 1975 على دراسة الطيور في تونس ومتابعة أوضاعها، وتنظيم حملات توعية، وإبلاغ السلطات بأي تجاوزات، إلى جانب اقتراح تعديلات على قوانين الصيد وإجراءات لحماية المواقع والأنواع المهددة.

واستمر هذا الوضع إلى غاية اندلاع ثورة سنة 2011، حيث أدى التراخي الأمني وانتشار الأسلحة المهربة إلى ارتفاع كبير في عمليات الصيد الجائر والقبض غير القانوني على الطيور المحمية، مما تسبب في اقتراب بعض الأنواع من الاختفاء.

آفة مستمرة: صيد الطيور البرية واحتجازها بشكل غير قانوني

يُعد صيد الطيور المحمية واحتجازها بصورة غير قانونية من أخطر الظواهر التي تهدد الطيور في تونس، وخاصة الطيور المغردة والطيور الجارحة.

وقد أدى شغف التونسيين بالطيور المغردة إلى ظهور شبكة منظمة، تصل أحيانًا إلى حد العصابات، تزود الأسواق الأسبوعية بالطيور، مثل سوق المنصف باي في تونس العاصمة، وسوق باب الجبلي في صفاقس، والأسواق المقامة قرب أسوار سوسة، إضافة إلى مختلف المدن الكبرى.

وأكبر ضحايا هذه التجارة هو الحسون الأوروبي المعروف في تونس باسم المقنين أو بومزيّن. ويتميز هذا الطائر بمنقاره القصير وألوانه الزاهية التي تجمع بين الأصفر والأسود والأبيض والأحمر، إضافة إلى صوته العذب الجميل. وقد تراجعت أعداده بشكل خطير حتى أصبح مهددًا بالاختفاء نهائيًا من تونس إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لحمايته.وكلما أصبح المقنين أكثر ندرة ارتفع ثمنه، مما شجع على تكثيف عمليات اصطياده حتى في المناطق النائية. ومع تناقص أعداده، اتجه المهربون إلى استهداف أنواع أخرى من الطيور المغردة، مثل الكناري البري، والحسون الأخضر، والشرشور، واللينوت، وغيرها، وهي أنواع بدأت بدورها تشهد انخفاضًا في أعدادها.

كما نشطت تجارة تهريب الطيور المغردة، وخاصة المقنين والكناري البري، من الجزائر، وربما أيضًا من المغرب وليبيا، نحو تونس. وخلال السنوات الأخيرة، تمكنت السلطات التونسية من حجز مئات الطيور في بعض العمليات الأمنية، إلا أن هذه الكميات لا تمثل سوى جزء صغير من حجم التجارة الحقيقية، إذ ما تزال الأسواق ومواقع الإعلانات على الإنترنت تعرض أعدادًا كبيرة من هذه الطيور بشكل مستمر.

الطيور الجارحة أيضًا ضحية للصيد والاحتجاز غير القانونيين

تُؤخذ معظم الطيور الجارحة من أعشاشها أو تُصاد وهي لا تزال صغيرة. ولذلك، يُباع كل عام عدد كبير من الصقور والحوامات والعقبان في الأسواق الشعبية أو عبر إعلانات على الإنترنت.

ورغم أن القانون يحمي هذه الطيور ويمنع بيعها أو الاتجار بها، فإنها ما تزال مطلوبة لدى بعض الأشخاص الذين يحتفظون بها كرمز للمكانة الاجتماعية، ويعرضونها أمام محلاتهم التجارية أو منازلهم. كما يستغلها آخرون في المناطق السياحية لالتقاط صور تذكارية مدفوعة الثمن مع السياح.

اصطياد الطيور المهاجرة في واحات الجنوب

تشهد واحات جنوب تونس أيضًا عمليات واسعة النطاق لصيد أنواع أخرى من الطيور بصورة غير قانونية، خاصة الطيور المهاجرة الصغيرة خلال هجرتها في فصل الربيع.
وتصل هذه الطيور إلى الواحات منهكة بعد عبورها الشاق والطويل للصحراء الكبرى. ولهذا تضطر إلى التوقف عدة أيام للراحة والتغذية واستعادة مخزونها من الدهون قبل مواصلة هجرتها نحو شمال تونس ثم إلى أوروبا.لكنها تجد في انتظارها أنواعًا مختلفة من الفخاخ المنصوبة تحت الأشجار والنخيل، حيث يتم اصطياد عشرات الآلاف منها كل سنة.

وغالبًا ما يكون القائمون بهذه العمليات من الأطفال والمراهقين، الذين يقضون ما بين 15 و90 يومًا في ممارسة هذا "الهواية". وتشمل الطيور المستهدفة أنواعًا عديدة، إلا أن أبرز الضحايا هي طيور الدُّخَّل، والأبلق، والشحرور الحجري، والذعرة، والصُّرَد، وغيرها من الطيور المهاجرة الصغيرة.

الصيد الجائر بالبنادق: السبب الرئيسي لتراجع أعداد الطيور المسموح بصيدها

كما هو الحال في العديد من البلدان، تُعتبر بعض أنواع الطيور في تونس من طرائد الصيد، ويُسمح بصيدها خلال فترات محددة ووفق شروط ينص عليها القانون، وخاصة القرار السنوي المنظم للصيد.

وتحدد هذه القوانين أيام الصيد المسموح بها، والوسائل المسموح أو الممنوع استعمالها، والتراخيص المطلوبة، والعدد الأقصى الذي يمكن صيده، والأنواع المحمية، والمناطق التي يُحظر فيها الصيد.

ورغم وضوح هذه القوانين، ورغم التراجع الواضح في أعداد الطيور، وخاصة الطيور المقيمة، فإن العديد من التونسيين، إضافة إلى بعض الأجانب، يواصلون ممارسة الصيد غير القانوني.

ويستهدف الصيد الجائر المحلي الحجل البربري، واليمام، والحمام في المناطق الغابية، كما أصبح يشمل بشكل متزايد الطيور المائية المقيمة والمهاجرة التي تعيش في الأراضي الرطبة.

ويستخدم بعض الصيادين شاحنات صغيرة للتنقل نهارًا أو ليلًا، بينما يستعمل آخرون سيارات رباعية الدفع تمكنهم من الوصول إلى المناطق النائية والوعرة لمطاردة الطيور.

ولا يتردد بعض هؤلاء في نشر صور رحلات الصيد على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، حيث يتباهون بعشرات أو حتى مئات الطيور التي اصطادوها، معتبرين ذلك دليلًا على مهارتهم في الصيد.

وأصبحت مشاهد قتل أعداد كبيرة من طيور الكركي، والفلامنغو، والإوزيات وغيرها، والتي ظن الكثيرون أنها أصبحت من الماضي، تعود للظهور من جديد، دون أن تثير ردود فعل واسعة، باستثناء المدافعين عن البيئة.

ومن الواضح أن معظم هؤلاء الصيادين لا يحتاجون أصلًا إلى هذه الطيور كمصدر للغذاء، بل يمارسون الصيد من أجل الترفيه أو التباهي.

ظاهرة «الأمراء الصيادين»

ومن أكثر الظواهر التي أثارت اهتمام الرأي العام التونسي ما يُعرف بظاهرة «الأمراء الصيادين»، التي ظهرت في تونس في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

وقبل ذلك، كانت تونس بمنأى عن هذه الظاهرة، لأن السلطات في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة كانت ترفض باستمرار دخول الصقارين السعوديين الراغبين في صيد الحبارى، بعدما كانوا قد تسببوا في القضاء على هذا الطائر في شبه الجزيرة العربية.

وتُعد رياضة الصيد بالصقور لدى هؤلاء الأمراء تقليدًا عريقًا، ويقاس نفوذهم بعدد الصقور والمركبات التي ترافق حملات الصيد.

ويحرصون على صيد الحبارى اعتقادًا منهم بأن قلبها وكبدها يمتلكان خصائص منشطة جنسيًا، وكأنهما «فياغرا طبيعية».

ولهذا نظم هؤلاء الأمراء، الذين يملكون الوقت والمال، رحلات صيد إلى مختلف البلدان التي تعيش فيها الحبارى، مثل باكستان وبعض دول منطقة الساحل الإفريقي، حيث تسببوا في القضاء على أعداد كبيرة من هذا الطائر وأنواع أخرى.وبعد سقوط الرئيس بورقيبة، فُتحت تونس أمام هذه الرحلات، لتتعرض المناطق الصحراوية في الجنوب التونسي طوال أكثر من عشرين عامًا لعمليات صيد مكثفة قام بها أمراء سعوديون.

وكانت هذه الحملات تُنظم بدقة؛ إذ يتولى تونسيون أولًا تحديد الأماكن التي توجد فيها الطرائد، ثم يصل الأمراء بسيارات رباعية الدفع تجوب الصحراء بحثًا عن الحبارى والصقور، بينما يطلقون النار أيضًا على كل ما يتحرك.

ولم تكن الحبارى وحدها الضحية، بل شملت عمليات القتل الغزلان، والأرانب البرية، والثعالب، وثعالب الفنك، والسحالي وغيرها من الحيوانات الصحراوية.

وكانت أجزاء من الحيوانات المصطادة تُحفظ في ثلاجات متنقلة ليتم تقديمها كهدايا لشخصيات نافذة عند عودتهم إلى بلدانهم.

واستمرت عمليات الصيد لأشهر، وكانت تؤدي في كل مرة إلى إبادة مئات، بل آلاف الحيوانات الصحراوية، رغم أن معظمها محمي بموجب القانون.

وبعد ثورة 2011، حل أمراء قطريون محل السعوديين، إلى جانب بعض الصيادين التونسيين، وتشير كل المعطيات إلى أن عمليات الصيد الجائر عادت بوتيرة أكبر، في وقت تأخرت فيه السلطات التونسية في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد لهذه الممارسات.

وقد أدى هذا النوع من الصيد إلى اقتراب طائر الحبارى من الانقراض في تونس.

خلاصة

تشير التقديرات إلى أن مئات الآلاف من الطيور تقع كل سنة ضحية لممارسات غير قانونية، سواء عبر صيدها أو أسرها وانتزاعها من بيئتها الطبيعية، أو بقتلها مباشرة.

ويُضاف هذا العدد إلى الطيور التي تُصاد بطريقة قانونية في إطار مواسم الصيد المنظمة، وهو ما يهدد بشكل خطير أي محاولة لإدارة الثروة الطبيعية في تونس بصورة مستدامة، ويُلحق ضررًا كبيرًا بالتنوع البيولوجي وبمسار التنمية المستدامة في البلاد.



 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.