أخبار - 2026.07.01

المدرسة النموذجية التونسية: بوتقة للتميّز أم برج عاجي؟

المدرسة النموذجية التونسية: بوتقة للتميّز أم برج عاجي؟

بقلم لطفي الصوّاب – متفقد عام سابق للمدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية

تمثل المدرسة النموذجية في تونس مفارقة تربوية لافتة؛ فهي تُحتفى بها تارةً باعتبارها نموذجاً للتفوق الأكاديمي، وتُنتقد تارةً أخرى بسبب نزعتها النخبوية التي قد تبدو عقيمة. وبين الانضباط الصارم الذي يرسّخ ثقافة الاجتهاد، وأوجه القصور في تكوين يفتقر إلى البعد الإنساني والتربوي، تثير هذه المؤسسة النخبوية تساؤلات جوهرية حول رسالة المدرسة في تونس. فمن خلال تغليب الأداء الفردي على التعاون، والتضحية بالقيم الأخلاقية على مذبح المنافسة، ساهمت تدريجياً في تعميق الهوة بين نخبة من التلاميذ المتفوقين وبقية منظومة التعليم العمومي. ويسعى هذا المقال إلى استعراض مكامن القوة ومواطن الخلل في نموذج سعى إلى بلوغ التميز، لكنه ربما غفل عن الغاية الأساسية: تكوين مواطنين واعين، لا مجرد آلات لتحقيق النجاح.

لقد حملت المدرسة النموذجية، منذ عقود، حلم تكافؤ الفرص القائم على الاستحقاق في تكوين نخبة مدرسية. غير أن هذا النموذج، رغم ما يثيره من إعجاب بفضل صرامته، يظل محل نقد عميق بسبب فلسفته التربوية. فبين مزايا الانضباط الصارم ونقائص تكوين منفصل عن الواقع الإنساني، تتشكل صورة مؤسسة تُخرّج علماء أكفاء، ولكن أحياناً على حساب تكوين المواطنين. ومن خلال رسمها مساراً تعليمياً موازياً، ساهمت عملياً في ترسيخ تعليم ذي سرعتين، بعيداً عن العصر الذهبي للمدرسة العمومية التونسية التي كانت مصنعاً حقيقياً للنخب الفكرية والعلمية ومصدر فخر للبلاد.

أولاً: نقاط القوة... مدرسة للتميز والتحفيز

تكمن أولى مزايا المدرسة النموذجية في بيئتها التعليمية المحفزة. فالانضباط السائد فيها ليس غاية في حد ذاته، بل هو أساس لحرية فكرية منضبطة، تُكوّن عقولاً منظمة قادرة على المثابرة واستيعاب تعقيدات المعرفة.

كما أن التوازن بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية، رغم قابليته للتطوير، يمنح التلميذ ثقافة عامة متميزة قلّ نظيرها في المشهد التربوي التونسي، فلا يتحول إلى مجرد آلة لحل المسائل، بل يكتسب رؤية أوسع للعالم.

أما روح المنافسة، التي كثيراً ما تُنتقد، فإنها تشكل محركاً قوياً للتفوق. فهي لا تقتصر على التحفيز، بل تدفع كل تلميذ إلى تجاوز حدوده والسعي الدائم نحو الامتياز، بما يؤهله لمتابعة الدراسات الانتقائية ولمواجهة مسارات مهنية تتطلب التحدي المستمر.

ثانياً: الوجه الآخر للتميز... بأي ثمن؟

غير أن هذا النموذج يكشف عن مكامن ضعفه عندما يضحي بروح التعاون لصالح الأداء الفردي. فالنزعة الفردية التي تعززها منظومة تقييم صارمة تقوض مهارات اجتماعية أساسية، مثل العمل الجماعي، وحسن الإصغاء، وروح المساندة. وهكذا تخرّج المدرسة النموذجية أفراداً متألقين في الأداء الفردي، لكنهم قد يفتقرون إلى القدرة على العمل ضمن فريق.

والأخطر من ذلك أن الفشل يُنظر إليه باعتباره مأساة شخصية. فالتلميذ الذي اعتاد النجاح المستمر لا يطوّر الآليات النفسية الضرورية لمواجهة الإخفاقات، فيتحول الفشل، بدلاً من أن يكون فرصة للتعلم، إلى جرح في تقدير الذات. وهذا يجعله أقل استعداداً لمواجهة الحياة الواقعية، حيث لا مفر من العثرات.

ومن جهة أخرى، ورغم متانة التكوين العلمي والتقني، فإنه يبقى في كثير من الأحيان بعيداً عن متطلبات الحياة المهنية والاجتماعية. فالمدرسة تعلّم حل المعادلات، لكنها لا تعلّم إدارة الخلافات، أو مهارات التفاوض، أو التكيف مع المستجدات. وهكذا يطغى الجانب النظري على حساب الأبعاد العملية والإنسانية للتكوين.

ثالثاً: الغياب الأخلاقي والإنساني... الحلقة المفقودة

إن النجاح المتواصل، حين يُقدَّم بوصفه أمراً بديهياً، قد يتحول إلى فخ، إذ يولّد شعوراً زائفاً بالقدرة المطلقة، ويحول دون اكتساب مهارات حياتية أساسية مثل الصمود، والتواضع، والنقد الذاتي. فالمدرسة النموذجية تنجح في إعداد خبراء، لكنها لا تنجح دائماً في تكوين إنسان متوازن، قادر على التساؤل ومراجعة الذات.

ولعل أبرز ما يؤخذ عليها هو غياب البعد الأخلاقي الواضح في مناهجها. فتركيزها المفرط على الإنتاجية والإنجاز قد يؤدي، من حيث لا تقصد، إلى تخريج عقول لامعة من الناحية الأكاديمية، لكنها تفتقر إلى العمق الإنساني، ومهيأة للنجاح المادي أكثر من استعدادها لمواجهة المعضلات الأخلاقية. ومن خلال تمجيد المنافسة واعتبار الفشل وصمة، قد تساهم في تكوين أفراد ناجحين، لكنهم يفتقرون إلى الحس الإنساني الضروري لخدمة الصالح العام.

رابعاً: الكلفة على المنظومة... قيمة مضافة ذات حدّين

لم تقتصر آثار المدرسة النموذجية على أسوارها، بل امتدت إلى كامل المنظومة التربوية. فالقيمة المضافة المنتظرة، والمتمثلة في تكوين نخبة متميزة، رافقها إضعاف تدريجي للتعليم العمومي الذي كان يعاني أصلاً من صعوبات عديدة. فمن خلال استقطاب أفضل التلاميذ، وأكثر المدرسين خبرة، وأندر الموارد التربوية، ساهمت المدرسة النموذجية، بصورة غير مباشرة، في إفراغ بقية المنظومة من عناصر قوتها.

وبذلك اتسعت الهوة بين مدرستين: مدرسة للمحظوظين بالتفوق، وأخرى تضم من تُركوا لمواجهة واقع تعليم عمومي أنهكته الأزمات. وبدلاً من رفع المستوى الوطني العام، تحولت أحياناً إلى ما يشبه "مغناطيساً للمواهب"، تاركة وراءها منظومة تعليمية أكثر فقراً وتشتتاً.

ولا بد من التأكيد هنا على رفض التعليم ذي المستويين، لأن هذا النموذج الذي يفصل بين النخبة وبقية الشباب يتعارض مع روح المدرسة الجمهورية التونسية. فلنتذكر العصر الذهبي للمدرسة العمومية، التي خرّجت بعد الاستقلال أجيالاً من الإطارات والمفكرين والعلماء والمواطنين، دون تمييز أو فرز مبكر. لقد كانت مدرسةً تشكل سلماً اجتماعياً مفتوحاً للجميع، يلتقي فيه أبناء مختلف الفئات. وربما كسبنا اليوم تميزاً أكاديمياً لافتاً، لكننا خسرنا قدراً من التماسك الاجتماعي وتكافؤ الفرص.

خامساً: إصلاح ضروري... ومسؤولية جماعية

تمثل المدرسة النموذجية التونسية جوهرة ينبغي الحفاظ على مستوى تميزها، لكنها تحتاج إلى إعادة صقل وتطوير. فهي مطالبة بالجمع بين التفوق الأكاديمي، والتربية على الصمود، وروح التعاون، والقيم الأخلاقية. فإعداد نخبة كفؤة ضرورة، أما إعداد نخبة إنسانية فهو واجب.

ولن يُقاس نجاح المدرسة النموذجية مستقبلاً بعدد المتفوقين الذين تخرجهم فحسب، بل أيضاً بجودة المواطنين الذين تسهم في تكوينهم، وبقدرتها على إغناء المنظومة التربوية بأكملها بدلاً من استنزافها. لقد آن الأوان للعودة إلى نموذج مدرسة عمومية موحدة، عالية الجودة للجميع، تجعل من تنوع المواهب ثروة وطنية مشتركة، لا سبباً للانقسام.

وفي جميع الأحوال، يبقى هذا الموضوع جديراً بنقاش هادئ ومسؤول.

لطفي الصوّاب
• متفقد عام سابق للمدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية.
• مشارك في تأليف كتاب اللغة الفرنسية للسنة الثانية من التعليم الثانوي.
• صاحب العديد من المقالات والدراسات المتعلقة بالتربية والإعلام.

قراءة المقال باللغة الفرنسية

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.