أخبار - 2026.07.01

تونس وكأس العالم 2026: عندما يضيّق الواقع آفاق أحلامنا

تونس وكأس العالم 2026: عندما يضيّق الواقع آفاق أحلامنا

بقلم أيمن بوعلي – دكتور في الفيزياء وأستاذ مبرز في العلوم الفيزيائية
قبل بضع سنوات فقط، لم تكن مواجهة أحد كبار المنتخبات تعني مجرد محاولة الحد من حجم الخسارة. فحتى عندما كان المنافس يبدو متفوقاً، كنا ندخل أرضية الميدان بفكرة واحدة: الصمود، والمقاومة، وزرع الشك في صفوف الخصم، وانتزاع تعادل، ولم لا تحقيق مفاجأة تبقى عالقة في الأذهان لسنوات طويلة. صحيح أن الفوز لم يكن مضموناً، لكنه ظل دائماً احتمالاً وارداً، وكان مجرد الإيمان بهذه الإمكانية كافياً ليغذي الحلم.

أما اليوم، فيبدو أن شيئاً ما قد تغيّر. فحين نواجه المنافسين أنفسهم، لم نعد نتساءل حقاً إن كان الإنجاز ممكناً، بل أصبحنا نحسب الفارق المقبول في النتيجة. وأصبح تجنب تلقي أربعة أو خمسة أهداف يُعد في حد ذاته هدفاً، بل إن الخسارة بهدفين أو ثلاثة تُقدَّم أحياناً على أنها نتيجة مشرّفة.

قد يبدو هذا التحول بسيطاً، لكنه يكشف الكثير عن علاقتنا بالفشل. فعندما يكثر تعثر شخص أو فريق أو مؤسسة، بل وحتى بلد بأكمله، لا يعود الخطر مقتصراً على النتائج في حد ذاتها. فمع تكرار الهزائم يتغير خطابنا تدريجياً؛ فلا نعود نتحدث عن الفوز، بل عن تقليص حجم الخسارة. ولم نعد نطمح إلى القمة، بل أصبح همّنا ألا نسقط إلى مستويات أدنى.

في البداية، نستمر في الحلم. ثم، في هدوء، تبدأ طموحاتنا في التراجع. فما كان يبدو بالأمس أمراً طبيعياً، يصبح فجأة أكبر من اللازم، وأكثر مخاطرة، بل يكاد يبدو ساذجاً. عندها نبدأ في التفاوض مع أحلامنا. فلا يعود السؤال: ماذا نريد أن نحقق؟ بل: ما الذي تسمح لنا الظروف بأن نأمله؟ وهنا يصبح التراجع عميقاً، لأن الواقع لا يكتفي بمقاومتنا، بل يعيد بنفسه رسم حدود خيالنا.

ويزداد الأمر خطورة عندما لا يعود هذا التراجع يثير استغرابنا. فمع كثرة التكيف، ننتهي إلى اعتبار ما كان يبدو لنا بالأمس غير كافٍ أمراً معقولاً. ولا نعود نسعى حقاً إلى تجاوز الصعوبات، بل نتعلم كيف نتعايش معها، ونمنحها المبررات، وأحياناً نسمي ذلك حكمة.

غير أن التاريخ يبين أن التحولات الكبرى نادراً ما صنعها أولئك الذين انتظروا الظروف المثالية. فكثير من النجاحات وُلدت في بيئات صعبة، وبإمكانات محدودة، رغم تشكيك من اعتبروا الهدف مستحيلاً. فالشعوب، والباحثون، ورواد الأعمال، والرياضيون الذين غيّروا مسارهم لم ينكروا الواقع، لكنهم رفضوا أن يمنحوه الكلمة الأخيرة.

إن الواقعية ضرورية عندما تساعدنا على رؤية العقبات كما هي. لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى استسلام أنيق. فرؤية الصعوبات لا تعني الخضوع لها، وفهم الحاضر لا يعني القبول بأن يكون المستقبل نسخةً عنه.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في استعادة الانتصارات، بل في استعادة الطموح الداخلي، واسترجاع ذلك الحق الحيوي في الإيمان بأن نتيجة أخرى ممكنة. فالمجتمع لا يبدأ في الانحدار يوم يخسر، وإنما يبدأ في التراجع يوم يعتبر من الطبيعي ألا يأمل في تجاوز هزائمه.

أيمن بوعلي
دكتور في الفيزياء، وأستاذ مبرز في العلوم الفيزيائية بالمدرسة العليا للأساتذة بتونس، التابعة لجامعة تونس.

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.