منصر الرّويسي… أثرٌ لا يغيب، ورؤيةٌ ما تزال تُلهم (ألبوم صور)
بقلم سليم قاسم. رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم - بابتسامة صادقة، وذهنٍ متوقّد، وتواضعٍ نادر، غادرنا منذ خمس سنوات، في الخامس من جانفي 2021، الأستاذ منصر الرّويسي. رحل الرجل، وبقي الأثر. بقيت الفكرة، وبقي السؤال الذي شغل حياته: كيف نجعل من السياسات العمومية، وخاصة في التربية والتكوين، رافعةً للإنصاف والكرامة والتنمية؟ الوزير، والسفير، كان قبل كل شيء مناضلا ملتزمًا، وديمغرافيًا دقيقًا، وسوسيولوجيًا نافذ البصيرة. لم يكن أسير المناصب، بل كان وفيًّا لقناعاته، منحازًا للإنسان، ومؤمنًا بأن الإصلاح الحقيقي لا يكون إلاّ ببناء الجسور بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
في هذا السياق، وتخليدًا للذكرى الخامسة لرحيله، تنظّم الجمعية التونسية لجودة التعليم، في إطار أنشطة منتدى الفكر التربوي، وبالشراكة مع مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والاجتماعية، ندوة وطنية فكرية تكريمية يوم السبت 24 جانفي 2026، تُخصّص لاستعادة فكر منصر الرّويسي، ومساءلة إرثه، وربطه بإشكالات الحاضر واستحقاقات المستقبل. ولا تأتي هذه الندوة بوصفها محطة معزولة أو مجرّد وفاء رمزي، بل باعتبارها امتدادًا لمسار فكري دأبت الجمعية على بنائه من خلال منتدى الفكر التربوي، الذي شكّل، منذ دوراته السابقة، فضاءً للنقاش العميق حول قضايا المنظومة التربوية والتكوينية، من الحوكمة إلى الإنصاف، ومن بناء المهارات إلى استشراف المستقبل. وسيتمحور برنامج الندوة حول ثلاث زوايا أساسية: - شهادات حيّة لمن عرفوا منصر الرويسي عن قرب، - استحضار المشروع الفكري والإصلاحي الذي حمله في مجال التربية والتكوين، - تسليط الضوء على شخصيته الأكاديمية ودوره كفاعل اجتماعي وإنساني. ويشارك في هذه الندوة عدد من أصدقائه ورفاقه ومَن تتلمذوا على أفكاره أو اشتغلوا معه، من بينهم الأساتذة: فايزة الكافي، نوفل زيادي، رجاء فرحات، علي الشابي، منصف بن سعيد، محمد المحجوب، سليم قاسم، منير الڤرامي، عيسى البكّوش، حمدي ونينة، نبيهة ڤدّانة، رضا كشريد، حاتم قطران، منجي عكروت، ومنيرة يوسف. وتُدار الجلسات تباعًا من قبل فاخر الرويسي، وكمال العيادي، وريم الجمل. وستكون من أبرز لحظات النّدوة شهادة ابنه الأستاذ أنيس الرّويـــسي، إلى جانب مرثية يلقيها رفيقه الدكتور علي الشابي، وزير الشؤون الدينية الأسبق. فيما يفتتح الأشغال كلّ من المدير العام لمركز البحوث والدراسات الاقتصادية والاجتماعية، الأستاذ يوسف بن عثمان، ونائب رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، الدكتور محمد الأمين عواسة.
لقد تقلّد منصر الرّويسي عديد المسؤوليات السّامية: وزيرًا للشؤون الاجتماعية، ثم وزيرا للثقافة، ووزيرا للتكوين المهني والتشغيل، ووزيرًا للتربية، وسفيرًا لتونس بباريس، ورئيسا للهيئة العليا لحقوق الانسان والحرّيات.
غير أنّ الأثر الأعمق الذي تركه لم يكن مرتبطًا بالمناصب، بقدر ما كان مرتبطًا بقدرته على التقريب بين المختلفين، وبناء التوافقات في لحظات وطنية دقيقة وحاسمة، قبل سنة 1987 وبعدها، بهدوئه المعهود ونجاعته الصامتة. كان الإنسان هدفه قبل كل شيء وكان يكسب ثقة محاوريه لأنه كان صادقًا مع نفسه، منسجمًا مع قيمه، ومخلصًا لفكرته عن الدولة العادلة.
نشأ في عائلة وطنية، وتغذّى من أفكار تقدّمية، وبقي وفيًّا لروحه النضالية إلى آخر أيامه...
ولعلّ أفضل تكريم له اليوم، ليس في استحضار الماضي فقط، بل في مواصلة طرح الأسئلة التي عاش من أجلها، والعمل، فكرًا وممارسة، على بناء منظومة تربوية واجتماعية وانسانية أكثر إنصافًا، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.
رحم الله منصر الرّويسي
سليم قاسم
رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم
قراءة المزيد
- اكتب تعليق
- تعليق