حوار مع خليل قويعة حول كتابه الأخير: الانشائية المفتوحة
بقلم رضا القلال - تمثّل مطارحات مسار الإبداع مجالاً اشتغلتُ عليه لما يزيد على ثلاثين سنة، انطلاقاً من قناعة راسخة مفادها أن العمل الفني لا يكتمل وجوده إلا حين يُعرض على الناس ويتفاعل معهم. كما أن تاريخ الفن في العالم العربي ظلّ، في معظمه، تاريخاً كُتب بصيغة المفرد، يغيب عنه التعدد والاختلاف في الرؤى والمقاربات. ومن هذا المنطلق، يرى أنـه لا يمكن أن نكون نقّاداً للفن من دون امتلاك فلسفة للفكر النقدي والفاهيمي، قادرة على مساءلة العمل الفني وفهمه ضمن سياقاته الجمالية والفكرية. وهذا أهمّ ما خلُص إليه الفنان التشكيلي والناقد الأستاذ خليل قويعة.
أصدر الفنان التشكيلي والناقد الأستاذ خليل قويعة كتابا موسوما بعنوان رئيسي "الانشائية المفتوحة " وعنوان ثانوي جانبي "مسار الابداع من ورشة الفنان إلى الفضاء الثقافي". ويرصد هذا الكتاب العلاقات التي يقيمها العمل الفني خارج كواليس الورشة. ويجد القارئ في هذا الكتاب إجابات نقدية وفلسفية لعدد من الأسئلة التي ما فتئت تعترض مختلف أنواع المتلقين في معرض سعيهم الى فهم الاعمال الفنية وتحليلها. الكتاب صادر عن دار مؤسسة التفكير فنيا بالشارقة، في الامارات العربية المتحدة، ومهّد له المفكر اللبناني البروفسور شربل داغر الفائز بجائزة أبي القاسم الشابي المرموقة في تونس في دورتها الثلاثين عام 2024، عن ديوانه "يغتسل النثر في نهره"، وشربل داغر ناقد وأستاذ الجماليات بالجامعة اللبنانية.
والبرفسور خليل قويعة باحث وفنان تشكيلي يعد من أبرز الوجوه الفكرية في المشهد الثقافي العربي المعاصر دمع بين العمق الفلسفي والحس الإبداعي. نال الاستاذية في الفلسفة والماجستير في نظريات الفن والدكتوراه في نظريات الفنون من جامعة تونس قبل ان يتحصل على دكتوراه ثانية في الفنون التشكيلية من جامعة تولوز بفرنسا. وله اسهامات علمية وثقافية لافتة في مجالات النقد الجمالي وتاريخ الفن والمناهج النقدية، نشرت دراساته في الصحافة الثقافية والمجلات المحكّمة. أصدر العديد من المؤلفات في الفكر الجمالي ونقد الفنون البصرية، توج بعديد الجوائز الرفيعة من أبرزها جائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع الفنون) وجائزة الشارقة في البحث النقدي التشكيلي، وميدالية "إعمار" للفنون اعترافا بإسهاماته الريادية في تجديد الفكر الجمالي العربي ووقع تكريمه في عديد المحافل التونسية، الأكاديميّة والثقافية.
ليدرز عربية التقته بصفاقس وحاورته حول كتابه "الإنشائية المفتوحة، مسار الابداع من ورشة الفنان إلى الفضاء الثقافي".
ما سبب اختياركم نشر هذا الكتاب بدار "التفكير فنيا" بالشارقة في الامارات العربية المتحدة، وهي ربما أول تجربة تونسية؟
«الإنشائية في الفن جديدة في اللغة العربية»
انا عمدا نشرت هذا الكتاب في الشرق الأوسط حتى أعرف بهذه الإنشائية المفتوحة، لان هناك انشائية أخرى في الاستعمالات العربية تتعلق بدراسات النقد الأدبي المطبّق على النصوص بطريقة بنيوية مع مثلا توفيق بكار ودودوروف وتشومبسكي وحمادي صمود... هؤلاء اشتهروا بالانشائية ولكن هذه انشائية أخرى بمعنى ما يتعلق بتحليل النص الأدبي. اما الانشائية (Poïétique) في الفن فهذا مازال جديدا في اللغة العربية.
ثم، في الواقع، الدّكتورة نهى هلال فران، عضو الجمعيّة الإماراتية للفنون التشكيليّة، كانت رئيسة تحرير مجلة "الـتشكيل" التي تصدرها الجمعية بالشارقة. اتصلت بي منذ سنوات من أجل أن أكتب، وأصبحت أكتب في هذه المجلة. وهي مجلة تصدر بالعربية والانجليزية، رقميا وورقيا. فكان لها، وهي باعثة ثقافية صحبة شريك لها وهو الأستاذ سالم الجنيبي، أن أسست دار "التفكير فنيا"، وهي مؤسسة للنشر لخدمة مشاريع الفن، إلى جانب "مركز أسوار بالشارقة" للمعارض الفنيّة... لما سألتني د.نهى هلال الفران في معرض حديث معها حول شروط النشر: هل لديك كتاب؟ قلت لها نعم. وهذا الكتاب في الواقع جاهز منذ خمس سنوات، ولكن كان يحتاج إلى ترتيب نهائي، فكانت الفرصة ملائمة لأن أراجعه وأدققه وأضيف إليه أشياء حتى انشره.
النشر في الشارقة والتمهيد لهذا الكتاب من بيروت لبنان، تعمدت ذلك أيضا؟
«إن كانت لهذا الكتاب أهمّية مّا، فإن البروفسور شربل داغر شاهد عليها. وهذا يشرّفني»
شربل داغر، الذي فاز منذ يومين بجائزة "نوابغ العرب"، عرفته شاعرا لبنانيا عام 1985، وفي نفس الوقت كان صحفيا بجريدة الوطن اللبنانية بباريس، وعلى تواصل مع الفلاسفة ونقاد الفن عربيا وأوربيا. له أيضا كتابات منشورة تقارب الـ 80 كتابا. الرجل حاضر بامتياز في الشعر وفي الادب وفي النقد الفني. وكان قد أهداني كتابه عن "الحروفية العربية" لمّا جاء إلى مدينة المهدية مشاركا في مؤتمر دولي، تابع لمهرجان الشابة للفنون في بداية سنوات الالفية الجديدة، أعتقد حوالي 2004. والتقيت به في عديد المناسبات الدولية في تونس والخارج. هذا الرجل هو أيضا بروفسور في جامعة البلمند في بيروت، وكان يعاشر كبار المثقفين العرب، مثل أدوارد سعيد وأدونيس وأمين معلوف ومفكّري ما بعد الحداثة بباريس وغيرهم. فهو في قلب المنظومة الثقافية والفنية، بوصفه صاحب تجربة اتصالية، وصاحب تجربة كتابية، اذ هو أيضا منظّر للأدب والفن. شربل داغر حاصل كذلك على جائزة الشيخ زايد للكتاب، في مجال الدراسات النقدية الأدبية. وكان قد حصل على جائزة أبو القاسم الشابي للشعر بتوزر. هذا الشاعر صديق لتونس، وطلبت منه عندما التقيت به في الرياض بالمملكة العربية السعودية، في جانفي الفارط، أن يقدم لي هذا الكتاب، فرحّب رغم أنه لا يقدم الكتب إلا نادرا، كما قال لي. ومعنى ذلك أنني بحاجة الى شخص يشهد على أطروحة هذا الكتاب، شخص غير المؤلف، من بلد آخر له معرفة واطلاع واسع، فوجدت شربل داغر.
نقتحم محتوى الكتاب، ماهو تعريفكم للإنشائية المفتوحة التي تصدرت العنوان الرئيسي لهذا الكتاب؟
«الإنشائية منهج لدراسة مسارات الإبداع»
كما هو معلوم الإنشائية منهج لدراسة مسارات الإبداع. والإنشائية تعود إلى كلمة poïésis) باليونانية، يعني الإنشاء والإبداع، وهو حسب افلاطون، الإنتقال بالشيء من اللاّوجود إلى الوجود، وكذلك في الأدبيات الأرسطية، هناك حديث عن العملية الإبداعية، وهو هذا اللقاء بين الصورة والمادة، بين الفكرة أو النموذج (eidos) أو الشكل (Morphée) وبين المادة غير المشكّلة بعد أي الهيولة (Hylé)، حتى يُنتج الصّنيع الفني... إلى أن جاء الشاعر والكاتب بول فاليري عام 1937، عندما قال نحن نحتاج إلى الإنشائية، فضلا عن الجمالية التي تدرُس العلاقة ما بين المتلقّي والأثر الفني، انطلاقا من (aisthésis) وهو الإحساسيّة. فالجمالية هي الإحساسية، وترجمتها بالجمالية إلى العربية، هي ترجمة خاطئة تفيد الجميل. وهي في الواقع حسب بومغارتن الألماني، أستاذ الفيلسوف إمانويل كانط في القرن الثامن عشر، علم يهتم بالمشاعر وتقييم الجميل والحكم على الجميل... وهو رأي كانت أيضا في كتابه الشهير "نقد الحاكمة" (Critique de la faculté de juger). أعود إلى بول فاليري الذي قال بضرورة أن نستأنف هذا المنهج لدراسة مسار الإبداع. فالمسألة عنده لا تتعلق بوجود عمل فني نَزل من السماء، بل بعمل فني له قصّة وإرهاصات وحدوسات ونشأة والمراحل التي مرّ بها. وهذا الفاعل ما بين الفنان والخامة هو ما يسمى عند رونيه باسرون، منظر الإنشائيّة في طورها المعاصر، بـ جسد الفنان وجسم المادة. وأما الذكريات والإستلهامات والمشاعر والأفكار والصّدف، تلعب دورا أيضا في مسار الابداع. وغير ذلك من الأشياء وخاصة ما يتعلق بعلاقة الفعل والفكر (Faire et pensée)...
في الكتاب تتحدث عن الجمعيّة الدوليّة للإنشائية، هل من تحديد لذلك؟
«كُتِب على الإنشائية أن تُدرّس فقط في البلدان الفرنكوفونية!»
في الواقع سنة 1989 جاء الفيلسوف والفنان السوريالي الفرنسي رونيه باسرون وبمعيّة رفاقه، مثل الأستاذة رشيدة التريكي، والأستاذ ريشار كونت وغيرهم، وهم من أصحاب النصوص وكبار المؤلّفين، وأسّس الجمعية الدولية للإنشائية، وأقاموا المؤتمر الأول (بأكس آن بروفنس) قرب مرسيليا، ثم المؤتمر الثاني 1990، كنت حضرته وكان ببيت الحكمة بقرطاج. وأصدروا مجلة دورية، ونظموا ندوات من أجل إدخال هذا المنهج في الدراسات الفنية الإبداعية. وفعلا، الإنشائية اليوم تدرس مسارات الإبداع، وكل ما يتّصل بإشكالية الإبداع الفني، من فكر وتقنيات وعلاقات. هي تدرس أيضا ما يتعلق بالورشة، أي عملية الإنجاز، عملية نشأة العمل الفني في الورشة. أقول جيدا في الورشة، ولكن أقول جيدا أيضا أن هذه الإنشائية لم تخلّف نصوصا باللغة الإنجليزية، وسوى نصوصا قليلة باللغة العربية، من خلال إسهامات بعض التونسيين وبعض المغاربة. ولكن أغلب النصوص هي بالفرنسية، فقد كُتب على الإنشائية أن تُدرّس فقط في البلدان الفرنكفونية، كندا، السينغال، المغرب، تونس، سويسرا، بلجيكا، فرنسا وغيرها. إنما هذه الإنشائية هي غير معروفة في البلدان الأنجلو-سكسونية وفي بلدان الشرق-آسيوية أو حتى في الشرق الأوسط.
ماهي المسارات التي ضبطتموها، في هذه الكتاب، من ورشة الفنان إلى الفضاء الثقافي؟
«التعاطي مع العمل الفني في الورشة دون عرض، لم يعد مطروحا»
المشكلة أن مفاهيم الفن تطورت، بما جعل قيمة العمل الفني لا تحتكم إلى ما ينجزه الفنان في ورشته، حتى لو أمضى العمل الفني. المسألة اليوم متصلة، على الأقل في الفن المعاصر، بما كتبه منظرو الفن المعاصر، وهم فلاسفة مثل نلسون قودمان، ارفوردانت، راستو هالبينان، وما يسمى بالنظرية العلائقية والنظرية التأسيسية والنظرية المقصديّة، وغير ذلك من النظريات التي جعلت الدراسات الفنية لا تقتصر على ما يُنجز في الورشة، بل العمل الفني ليس بعمل فني إن ظل داخل الورشة. إذن ما العمل؟ لا بد من ربط العمل الفني بعالم الفن حتى لا يرتهن بعالم الفنان. ما هو عالم الفن؟ هو عالم العرض، المعارض المتاحف، المضاربات في بورصة السوق، المبادلات، النصوص النقدية، النشر... عالم الفن هو هذا المجال الذي يقع فيه ترسيم الأعمال الفنية، بما هي أعمال فنية قابلة للتّداول... ولذا، أن نقتصر على التعاطي على العمل الفني في الورشة، دون عرض، فهذا لم يعد مطروحا. لماذا؟ للأسباب التالية: وهو أن هناك ما يسمّى بجمالية التلقي، التي نشأت في أواسط الستينيات من القرن العشرين، من خلال جامعة كونستانس الألمانية والأستاذ "هانز روبرت ياوس H. R. Jauss" وهو كبير علماء هذه الجامعة التي اهتمّت بالتلقي الأدبي أساسا. وكنت تواصلت مع ياوس سنة 1994، وقلت له: ما رأيك في جماليّة للتلقي تخص الفنون التشكيلية والبصرية؟ قال لي "نحن اشتغلنا على نصوص هيغو وكذلك غوتة... ولكنّ هذه فكرة جيدة نروم تركيزها في كونستنس هذه السنوات. وجميل أن يقع تطبيقها في تونس، وأنصحك بالتواصل مع وولف كامب إيزر (وهو تلميذه)". وفعلا، هذا الأخير، هو الآن مهتم بالتلقي على مستوى الفنون البصرية، من خلال على الأقل كتابه المعروف "الجمهور في اللوحة"... وكلام ياوس كان من الأشياء التي حفّزتني على الاشتغال في هذا المجال، باللغة العربية وأحيانا باللغة الفرنسية.
أنت إذن، تؤكّد في هذا الكتاب على جمالية التلقّي أو التقبّل في الفنون التشكيلية البصرية؟
«شبكة النظريات من شأنها أن تفتح الإنشائية من الورشة إلى الفضاء الثقافي»
طبعا، هذا محور مركزي، "الأثر المفتوح" لدى الإيطالي أمبارتو إيكو، مثلا ظهر في الستينيات أيضا من القرن المنصرم، والعديد من الكتابات الأخرى مثل "الحقيقة والمنهج" للألماني هانز جورج غادامير... وكذلك "الفن والعمل والمشاركة" للفرنسي فرانك بوبار، منظّر الفن المعاصر في جامعة السّوربون بفرنسا... هذه الكتابات إذن، تلك التي ظهرت أواسط الستينات، إنما تؤكد على مشاركة الجمهور، وعلى أن عملية التلقّي هذه مهمة وانطولوجيّة وليست مسألة عرضية.
وبعد جمالية التلقي، نجد أيضا، النظرية التأسيسية الأنجلو-سكسونية الأمريكية التي ظهرت مثلا مع أرثر دونتو (A. Danto) في كتابه " تحويلية المبتذل" في الثمانينيات من القرن العشرين، أو مع نلسون غولدمان، الفيلسوف والمنظّر الأمريكي في مجال المنطق والفلسفة التحليليّة، الذي يقول بالحرف الواحد "العمل الفني لا يمكن أن يوجد إلا إذا عرض للناس في المعرض". فالعرض هو اللحظة الأنطولوجية الضروريّة لنشأة العمل الفني وليس إنجازه في الورشة هو ما يضمن وجوده ككيان إبداعي. يعني لا يكفي أن تكتب أغنية، ولا يكفي أن تلحّنها أو تؤديها، لا بد أن يكون هناك تلقّ.
مسرحية تُكتب وتُمثل دون جمهور ليست مسرحية، نفس الشيء بالنسبة للأعمال الفنية الأخرى، ما يجعلها أعمالا فنية هو قابلية التأويل (l’interprétabilité)، فهذه الطاولة التي أمامي لا أستطيع أن أؤوّلها نظرا لأنها ليست عملا فنيا، عندما آخذ هذه الطاولة، وأعرضها في قاعة العرض أو المتحف مثلا، وأقرّر أنها عملا فنيا، وأعطيها عنوانا، وأوفر لها شروط العرض التي تخص أي كيان فني، فـ "ستصبح" عملا فنيا مباشرة دون أن أضيف إليها شيئا وكل سيرة الفنان هي ضمانة لهذا التّحوّل من غرض للاستعمال إلى موضوع للنظر. وفي عرف هذه النظرية المقصدية، ما يقصد الفنان أنه عمل فني سيكون مباشرة عملا فنيا. هذا موجود في بداية القرن العشرين، من خلال مرسال دي شومب الذي أخذ أشياء من الحياة اليومية والأغراض المبتذلة وحولها إلى المتحف، كذلك كيلولوف وليستنشتاين وغيرهم، وهذا ما يسمى تحويلية المبتذل.
إذن، المسألة تتعلق بقابليّة التأويل، ثم كذلك بأن الفن أصبح جوهرا افتعاليا متعلّقا بأساسيات العرض الثقافي (Essence artefactuelle)، وهو ما يخص بيئة العرض ومقاصده وتقنياته، من أضواء ومسافة بصريّة ومناخ تقبّلي... وهي من أساسيات وجود العمل الفني. فليست عملية صنع العمل الفني في الورشة، في مطبخ الفنان هي الأساس. فعملية الصنع هذه هي فقط تؤمن ما يسمّيه أرسطو بالوجود بالقوة، أما الوجود بالفعل، فهذا يكون في المعرض. هذه الشبكة من النظريات التي تعاملت معها، من شأنها أن تجعل الإنشائية تنفتح من الورشة إلى الفضاء الثقافي. وهذا ما ناقشته مع ريتشارد كونت 2018 في ندوة دولية عن الإنشائية في بمدينة الحمامات، حيث صرّحت بهذا الأمر، وكنت قد انتهزت فرصة زملائي وجمهور الندوة لأختبر إمكانية أن أربط هذه الإنشائية التي اقترحها بول فاليري، وطوّرها باسرون ورفاقه. أي أن أربطها أوّلا بجمالية التقبّل الألمانية، ثم ثانيا، بالنظرية التأسيسية الأمريكية، وهذا من شأنه أن يخدم الثقافة الفنية الإبداعية في العالم، وخاصة في العالم العربي. لأننا اليوم نحتاج إلى هذا التّعالق، هذه المقاربات العلائقية. وبعدُ، فقد سئمنا، حقيقة، من هذه المفاهيم المهترئة للفن، التي تركز على عالم الفنان وما يبدعه فقط، ولا وجود لتركيز على المشاركة ولا على قابلية التلقي والتأويل ولا وجود لما يكفي من المؤسسات الشغالة، ومن ثمة لا وجود لسوق فنيّة وترويجية وغير ذلك...
أكّدت في هذا الكتاب، وفي عديد النصوص الأخرى على حاجة العالم العربي إلى هذه المقاربات العلائقية لماذا؟
«الناقد هو أساس كل الفاعلين في العملية الفنية»
هو ذا، فعلا، لأن تاريخ الفن في العالم العربي تاريخ كُتب في صيغة المفرد، معنى ذلك أنه مرتبط بمركزيّة المبدع. وُلد هذا المبدع، فلان، عام كذا، درس تخرج، أبدع، عرض، كُرّم، توفي... انتهى الأمر. إنه تاريخ سير ذاتيّة. يعني هو تاريخ فردي للإبداعات الفنية، لا وجود لتشبيك علائقي ولا لمراكمة تأويليّة وقرائيّة للمنجز ولا لعلاقة الفن بالمؤسسات... ما هي المؤسسات؟
ريموند مولان، مثلا، الخبيرة في التسويق الفني في فرنسا، (والآن تلميذتها ناتالي هاينيك) كانت تقول إن العمل الفني هو في الواقع يتطوّر ويبرز من خلال الفاعلين الثقافيين والمؤسساتيين، وعدّدت تقريبا عشرين من هؤلاء الفاعلين، منهم مؤرخ الفن، الناقد الفني، المؤسسة، المنظم، الوسطاء، المصمّمون، السينوغرافي الذي ينظم الأعمال، الصحفي... كل هؤلاء وغيرهم يتدخلون من أجل إعطاء العمل الفني المكانة التي يستحق، وأن يصل العمل الفني إلى الجمهور. وقالت أيضا إن الأساس في هؤلاء الفاعلين هو الناقد، فمن خلال النقاد الذين يضمنون القيمة الجمالية للأثر، فان هذا العمل الفني يصبح عملا فنيا. فوجود النقاد في هذه السلسلة، في هذه المنظومة وجود مركزي . اليوم الناقد في العالم العربي مهمّش ومرفوض ومبعد، نظرا لأنه يعكّر صفو هؤلاء الجماعات من أجل النجومية وعلاقاتهم ومصالحهم مع السلط ومع رجال الأعمال. فقد وقع استبعاد الناقد والحال أن الحداثة راهنت على الفن، بوصفه فكرا، وبوصفه خلقا للقيم الجديدة. الفضاء الثقافي ليس فقط مؤسسات مادية مروّجة ثقافية إعلامية متحفية، بل أيضا هو نصوص. اليوم نتحدّث عن أعمال فنية مُصَندَقة في صناديق متينة في البنوك نظرا لقيمتها المادية، مثلما فعل اللوفر بعد سرقة كنوزه الأخيرة. نحن نتحدّث اليوم من خلال النصوص عن أعمال فنية قد تباع وتشترى وتتحول الملكية من شخص إلى شخص دون أن يراها، الشخص المقتني بالوثائق، ونحن نراكم حولها النصوص كما نقرأ في الكتب وفي المقالات. اليوم العمل الفني يوجد في النصوص يعني في الضمير الثقافي للمجتمع، لأن هذا التحول من العمل الفني إلى النص يتم من خلال النقد الفني، والتاريخ والدراسات التأويلية، وغير ذلك من دراسات تسلّط الضوء على العمل الفني، وتحوّله إلى موضوع للمطارحات الفكرية عبر مادة أخرى خامة أخرى وهي اللغة، وهو ما نسيمه بالصيرورة النصية للعمل الفني.
هذا مسار آخر من الورشة إلى الفضاء الثقافي إلى العرض، إلى الترويج فإلى المراكمة النقدية، ثم يصبح العمل الفني أفكارا وقيما مبثوثة في النصوص المتداولة، ونحاول أن نراكم فيها ما أمكن من خلال القراءات. والقراءة هي إنتاج لنصوص ومواقف، وهكذا يتداول النظر في العمل الفني من خلال النصوص، وهو مهم جدا حتى توجد الأعمال الفنية داخل الضمير الثقافي للمجتمع، وإلا كانت مجرد أشياء معلقة في الشقق والمتاحف من أجل الزينة. وليس الفن مجرد زينة على جدران الشقق والمتاحف، بل هو دفاع من اجل الحياة. أن يدخل العمل الفني في صيرورة الحياة الثقافية للمجتمع، هو أن تكون هناك مؤسسات، يكون هناك ترويج، يكون هناك جمهور متلق، إعلام متخصص ...
هذه مسار الإبداع التشكيلي، ويبدو انكم اشتغلتم في مسيرتكم على مسارات أو أجنحة، هل من توضيح لذلك؟
«اشتغلت على أجنحة متعالقة منها الجامعة والمجال الثقافي والإعلامي ورابطة الفنانين التشكيليين»
أنا شخصيا في تونس وفي العالم العربي اشتغلت على عدة أجنحة، لم أشتغل فقط على الجامعة من أجل الشهائد والترقية. اشتغلت على ثلاثة مجالات متعالقة الجامعة، نعم، ولكن أيضا المجال الثقافي، ونظمت أكثر من 50 فعالية ثقافية، من بينهم ندوات. وكنت قد أسست وترأست الرابطة التونسية للفنون في تونس. وقد أريدَ من الرابطة أن تربط بين النقاد والفنانين التشكيليين والرّواقيين والمقتنين والمجمّعين، وأردت من هؤلاء أن يجتمعوا، ولكن للأسف المقتنين والمجمّعين لا يريدون اظهار عملهم خوفا من الضرائب. ويعرض الرواقيون أشياء لا يكتب عنها النقاد، والنقاد يكتبون عن أشياء لا تعرض في الأروقة. كانت، ومازالت مهمة تجميع هذا الرّابوع صعبة؟ كذلك في المجال الثقافي، إذ شاركت في عديد الندوات والمهرجانات في صفاقس والقيروان وبنزرت ونابل وسوسة، وكنت من عام 2000 إلى عام 2018 مديرا للندوة السنوية للفنون في سوسة. في البداية كانت الأيام المتوسطية للفنون، وهي أيام دولية في الفن المعاصر، ثم أصبحت ندوة تحت إشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية والرابطة، بفضل الزملاء الفنانين لطفي بن صالح وإبراهيم العزابي... وكذلك على المستوى الإعلامي، اشتغلت في التلفزيون الوثائقي، وكان لي الشرف أن أكون مؤسسا رفقة زملائي من المصورين والمخرجين... وكان همّنا كيف نجعل من لوحة فنية مادة تلفزيونية، تعرض على الشاشة الصغيرة.
وكنا نتعامل مع الصورة بالتوازي مع شعرية الكلمة ومع الإيقاع الموسيقي... كنا نراهن باستمرار على الربط المتعدد الحواس، العين والاذن والذائقة الأدبية والشعرية. ومن ثمّة، ساهمنا في دخول الفن التشكيلي إلى الديار التونسية. البرنامج التلفزيوني "إشراقات" ثم "إرتسامات جمالية" وغيرهما، حفزا الشباب على الالتحاق بالفنون في الجامعة. وبفضلهما جاءتني رسائل من الأرياف والبوادي. لقد تحولت التلفزة إلى "غاليري"، وقالت لي مديرة الإذاعة عواطف بن حميدة رحمها الله عام2001، علينا أن نعمل برنامجا إذاعيا مباشر عن الفن التشكيلي، وفعلا كان ذلك في الإذاعة الوطنية. ثم جاءت الإذاعة الثقافية وعملت بها من 2008 حتى 2020، من أجل الترويج لتجارب فنية تشكيلية تونسية. كنت اشتغل على القيم الإبداعية، لأنني انطلقت من تجارب واقعية. فذات زمن، عندما بدأت العرض عام 1983، لم تأت التلفزة، بعد سنوات عام 1988 عرضت في دار الثقافة المغاربيّة ابن خَلدون حضر محمد المصمودي، رحمه الله، المعدّ التلفزيوني لبرنامج "شارع الثقافة"، واكتفى المصوّر بمسح واجهة من اليمين إلى اليسار، وأخرج اللوحات مثل الطوابع البريدية على الشاشة. لم يغص في اللوحة، ليست له مقاربة. هكذا كانت تُنقل المعارض الفنية.
ولقد كان لي شرف بالاستعانة بجمالية التلقّي وبالمعارف المتداخلة وبالتشاور مع أهل الذكر من كبار المخرجين الذين كانوا يشجعونني. وفعلا المقاربة هذه كانت تأسيسية، وهناك من أراد مواصلة هذا الأمر في تونس، بعد أن ذهبت إلى الجامعة للتدريس. بل، وبعض القنوات العربية أخذت هذا "التصوّر" وعملت به، ولكنها لم تداوم في غياب الاستئناس بالمناهج والمعارف الجديدة المتعلقة بإنتاجية الصورة والانتقال السلس بين التشكيلي والسينمائي وما يتعلق بعلاقة الفضاء البصري بالزمن الإبداعي وبالمسارات... على كل حال هذا تراث من 220 حصة تلفزيونية من «إشراقات وارتسامات جمالية"، وفي الإذاعات حدّث ولا حرج، وكذلك في مجلّة الحياة الثقافيّة، قبل أن أترأس تحرير مجلة فنون، التي أعادت الوزارة استصدارها... لست وحدي، هناك تنسيق مع جهود الزملاء.
كل ذلك هو جزء من شواغلي منذ الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ومسار الإبداع من ورشة الفنان إلى الفضاء الثقافي، هو مسار يتطلب تضافر الجهود بين الفاعلين الثقافيين، بين المعرفة والإعلام والترويج والتسويق، على أساس القيم الإبداعية. وهنا تناولت لإشكاليات ثقافيّة من العالم العربي مسكوت عنها، فليس لنا سوق فن عربي، لأنه ليس لنا ترويج. نعم، هناك حراك جميل في الخليج العربي وهو في طور التأسيس، ولهذا نحتاج أكثر إلى تعميق التجارب، من أجل خدمة الفن العربي، مشرقا ومغربا. نريد من الفنان العربي حاضرا ومبدعا، لأن المسألة شديدة الارتباط بالهويات المحليّة الثريّة، نريد حضورا عربيا مشرقا أكثر فأكثر ومسهما في الثقافة العالمية، في هذا العالم المتحرّك وفي هذا الزمن المُعولَم.
نجد تكريسا واضحا لخلفيتكم الفلسفية التي تهتم بالسؤال. فمحتوى هذا الكتاب مقسم على 23 فصلا، وكل الفصول جاءت في شكل أسئلة. حتى كتابكم "الطبيعة في الفن، الصورة والمادة" الصادر بفرنسا أفريل 2024، تضمن 300 سؤالا؟
«بدون فلسفة سيكون الفن مجرد زينة في جدران الشقق والمكاتب والمتاحف»
هو في الواقع الخلفية هي خلفية فنية، قبل أن أكون باحثا في الفلسفة، وقد ذهبت إلى الفلسفة لخدمة الفكر النظري للفن، في بداية الأمر. ولما عرضت بدار الثقافة في صفاقس سنة 1983، قرّرت أن أذهب إلى المدوّنات الفلسفية، التي تخص الجماليات وتاريخ الفن، حتى اكتب للناس ما هو الفن. الجمهور كان يقول لي ماذا تمثّل هذه اللوحة؟ الى ماذا ترمز؟ فأقول لهم لو كان الجواب جائزا، لكتبت ذلك على ورقة ونشرتها. فذهبت إلى الوجودية والشعر والادب لأبحث عما هو الأدب؟ وماهي الوجودية؟ وتطرقت إلى فلسفات معاصرة مثل الفينومولوجيا مع ميرلوبونتي، ومسألة الإدراك والعين والذهن... ثم قررت أن أدرس الفلسفة، وقد أتيحت لي دراسة فلسفة الفن، ودراسة النقد، لأن الفلسفة هي مؤسسة للفكر النقدي والأشكلة المفاهيميّة وصناعة السؤال المنهجي... وكان لي الشرف أن أجمع بين هذين المجالين، الدراسات البصرية التشكيلية الفنية، والدراسات الفلسفية والجمالية والنظرية، وكل ما يتعلق بالسيميولوجيا والتأويليات. وقد جمعت في دراستي بين عدّة اختصاصات فنية وفي العلوم الإنسانيّة. وأعتقد أنه لا يمكن أن نكون نقادا للفن دون فلسفة، فأول نقاد الفن هم فلاسفة من أفلاطون، إلى جيل دولوز، إلى جاك دريدا الذي تحدث عن فان غوغ... فالفلسفة تمنح المعنى للأثر، وتفتح الأثر على دلالات أخرى وعلى الفكر. ودون فلسفة سيكون الفن مجرد زينة في جدران الشقق والمكاتب والمتاحف، وسيكون مجرد لوحات جميلة لا أكثر ولا أقل، ولكن لا نعرف لماذا جميلة! وما هو الجمال أصلا...
في الإهداء ذكرتم "إلى الجيل الصاعد أهدي عصارة أفكاري ورحيق العمر" ماذا تقصدون، فأنتم اليوم في غز عطائكم وفي فورة إبداعكم؟
أردت أن أقول لك أن هذا الكتاب هو نتاج لكل الأبحاث السابقة وللذي قلته وكتبته إلى حدّ الآن، يعني هذا الذي خرجت به وطرحته إلى حدّ الآن. وكتابي هذا "الانشائية المفتوحة، مسار الابداع من ورشة الفنان إلى الفضاء الثقافي" هو مجموعة مطارحات أشتغل عليها منذ 30 سنة يعني منذ التسعينيات، وهو نتاج أيضا خبرتي المتواضعة في مجال الفنون. وأول ما كتبت كان عن المسرح الوطني، ثم السينما، ثم الفنون التشكيلية في مجلات عربية مثل "آفاق عربية" العراقية، ومجلة "إبداع" المصرية 1985 قبل مجلة الحياة الثقافية وفنون... وكتبت كذلك بجريدة "الصباح" فيما بعد بدعوة من محمد بن رجب وأحمد عامر، رحمهما الله، وبجريدة "لابراس" في أواخر الثمانينيات وفي التسعينيات.
وفي الواقع هذا الكتاب مرة أخرى هو نتاج هذه الأسئلة التي بدأتها منذ نهاية القرن العشرين، بعد معاشرتي للنصوص الآنجلو-سكسونية في النقد الفني المعاصر في أمريكا، وبعد معاشرتي للنصوص في جمالية التلقّي. وفي الواقع، ما زلت أبحث وما زلت أتعلّم، والفن طريق صعب والكتابة عن الفن أصعب. وإذا كان "الكلام عن الكلام صعب" كما قال أبو حيّان التوحيدي، فإن الكلام عن لوحات خرساء لا تتكلم، فهذا أصعب وأصعب. وأستمتع بهذه القفزة في المجهول، وقد أسهم بأفكار ومواقف، ربما تبدو لي جميلة في علاقة بالواقع الثقافي العربي والطريق مستمر. وكلّ ذلك مرتهن بوجود قرّاء، ومن هذا الجانب، أراهن أيضا على خدمة الجيل الصّاعد الذي أخذته الميديا، أحيانا خارج منطقة السّؤال.
مادة الفني لا تدرس بالجامعة، لا في كليات الآداب، ولا في معاهد العليا للموسيقى ولا في المعاهد العليا للفنون، فكيف نؤسس لشريحة من النقاد نحتاج إليه قطعا في المشهد الثقافي والفني؟
النقد الفني لا يُدرّس فعلا. اتصل بي عام 1997 الأستاذ محمد حمدان مدير معهد الصحافة وعلوم الإخبار لتدريس "مناهج النقد الفني" في الجامعة الخاصة وساهمت في تكوين بعض الطلبة الذين أصبحوا زملائي... النقد الفني هو ملكة، والحسّ النقدي هو ملازم للتفكير البنّاء، وهو "كارفور"، ملتقى لعديد المعارف البينيّة مثل الفلسفة، علم النفس، علم الاجتماع، المعمار، التأويلية، جمالية التلقي، السّيميولوجيا... في الواقع كل هذه المعارف البينية والمتداخلة في العلوم الإنسانية هي روافد للنقد الفني. فملكة النقد الفني يمكن أن تتكون لنا، من خلال القراءة والمراكمة والتجربة الحيّة. ولكن يمكن أن ندرس المناهج، هناك منهج بنيوي، ومنهج إنشائي، ومنهج جمالي، ومنهج اجتماعي، ومنهج تاريخي، وليس هناك قسم للنقد الفني في الجامعة لأنه متشعب، ونتاج معارف متعدّدة وغير قابل للتقنين... إنه موقف معرفي وخلق للحوار الثقافي الخلاق... وما أحوجنا إلى الحوار المفتوح.
رضا القلال
مؤرخ وكاتب صحفي
- اكتب تعليق
- تعليق