شؤون وطنية - 2019.05.11

في الذكرى 138 لإمضاء معاهدة الحماية يوم 12 ماي 1881: " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"!

في الذكرى 138 لإمضاء معاهدة الحماية يوم 12 ماي 1881: " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"!

يوافق هذه الأيّام مرور 138 سنة على فرض الحماية الفرنسية على تونس بموجب معاهدة باردو أو قصر السعيد في 12 ماي 1881. وبهذه المناسبة الأليمة بالنسبة إلى الشعب التونسي والتي تمثل حدثا فارقا في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر لتونس وإيمانا منا بأنّ التاريخ عبرة لمن يعتبر، حريّ بنا التوقف عند هذا الحدث وذلك بالتعريف بالأوضاع الداخلية والخارجية التي مهّدت له خلال الربع الأخير من القرن 19م وظروف فرض هذه المعاهدة على باي تونس، ومضمونها وردود الفعل تجاهها ونتائجها الآنية التي أفضت إلى تحوّل تونس من كيان شبه مستقلّ تابع - ولو صوريا للباب العالي - إلى محميّة فرنسية خاضعة لسلطة المقيم العام والكاتب العام للحكومة والمديرين العامين وكبار الموظفين والضباط العسكريّين الفرنسيّين...، الذين يتلقون الأوامر والتعليمات من باريس، غايتنا من وراء ذلك تحسيس التونسيّين، لا سيّما الشباب منهم بوجوب اليقظة والمحافظة على استقلال البلاد الذي ضحّى من أجله أجيال من المناضلين والمقاومين والنقابيّين - من العوام والنخب - طيلة 75 سنة كاملة، من كل محاولات الاستقطاب والإخضاع والهيمنة مهما كان شكلها ومصدرها.

أزمة شاملة

الأزمة السياسية

تميّز القرن التاسع عشر في البلاد التّونسيّة بالتكالب على الحكم وكثرة الانقلابات والاغتيالات داخل العائلة الحسينية الحاكمة منذ 1705: اغتيال عثمان باي في 21 ديسمبر 1814 والوزير إسماعيل السني سنة 1867... كما تمتّع الحكام الحسينيّون بسلطة مطلقة لا حدّ لها، ومارسوا الحكم طوع إرادتهم دون تقيّد بالقوانين رغم صدورها: عهد الأمان في سنة 1857 ودستور 1861... وهو ما يفسّر القطيعة بين الحاكم والمحكوم وغياب الثقة في الأسرة الحسينية الحاكمة في كامل أنحاء المملكة، لا سيّما بالأرياف والقرى وبدرجة أقلّ بالمدن.

الأزمة الديمغرافية والاجتماعية

تميّز القرن 19م في تونس بتفشي الأمراض والأوبئة: طاعون سنة 1818 والكوليرا بين 1849 و 1856 وهو ما أثر سلبيا على النموّ الديمغرافي وعدد السكان الذي لم يتجاوز 800.000 نسمة سنة 1853 ومليون نسمة سنة 1881. يضاف إلى ذلك انتشار الفقر والبطالة والأمية... وفي المقابل انتهج البايليك سياسة الترفيع في الضرائب فتعددت الانتفاضات كأحداث الجنوب في 1840 وخمير في 1860... وعلى إثر الترفيع في ضريبة المجبى أو "الإعانة" في سنة 1856 (وهي ضريبة على الرقاب الذكور القادرين على حمل السلاح) من 36 الى 72 ، اندلعت انتفاضة 1864 بقيادة علي بن غذاهم الذي قاد تجمعا قبليا وسط البلاد ليشمل مدن وقرى وأرياف الساحل والجنوب وعروش الشمال الغربي... ومقابل ذلك كان المماليك والمقربين من الأسرة الحاكمة من كبار الملاكين والتجار والمخازنية... يعيشون في ترف ورخاء وفي قطيعة مع العامة والمهمشين.

الأزمة الاقتصادية

ساهمت الأزمة التي سادت أوروبا منذ 1815: أزمة اقتصاديةّ (تراجع الإنتاج وتقلّص فرص التصدير بسبب تشبع السوق والتحاق كل من إيطاليا وألمانيا بداية من 1870 بصفّ الدول المصنعة منذ القرن 18م، انجلترا وفرنسا إثر استكمال وحدتهما الترابية...) والأزمة المالية: (تراجع فرص الاستثمار والإقراض البنكي ونسب الفائدة داخل وخارج أوروبا...) والأزمة الديمغرافية (ارتفاع عدد سكان أوروبا من 270 م نسمة بين 1870 إلى 420 م. نسمة سنة 1900) والنفسية بفرنسا خاصة إثر هزيمة فرنسا في حربها ضد بروسيا في 2 سبتمبر 1870 وفقدانها لمقاطعتي "الألزاس واللوران" L’Alsace &) Lorraine)... الخ، في اقتناع  السياسيّين بأنّ الحلّ الأمثل يكمن في التوسع خارج أوروبا وتحديدا بكامل القارة الإفريقية وأجزاء كبرى من آسيا.
وتنفيذا لذلك وما إن استتبّ الأمر لفرنسا في الجزائر بعد القضاء على انتفاضة المقراني والحداد سنة 1871 بجهة القبائل، حتى سعت بكل قواها إلى السيطرة على البلاد التونسية والتخلّص من المنافسة الإيطالية والإنجليزية التي كانت تواجهها في تونس رغم مساندة ودعم المستشار الألماني "أوتّو فون بسمارك" (Otto Von Bismarck) لها خلال مؤتمر برلين (13 جوان- 13 جويلية 1878)، الذي التأم لاقتسام تركة الرجل المريض، الإمبراطورية العثمانية بين دول أوروبا الغربية وتوجهه إلى وزير الخارجبة الفرنسي "وليام- هنري وادينغتون" (William- Henry Waddington): " إنّ الإجّاصة التونسية قد أينعت وحان قطافها. أتفكّرون في ترك قرطاج بين أيدي البرابرة ".

الأزمة المالية وانتصاب الكومسيون المالي

منذ منتصف خمسينات القرن التاسع عشر ارتفعت واردات البلاد من أوروبا في شكل مواد مصنعة ومواد تجهيز ومعدات وأسلحة وتقنيات عصرية... ذات قيمة مرتفعة. وفي المقابل تراجعت صادراتها من المواد الفلاحية (حبوب وجلود وزيوت...). ونتيجة لذلك تنامى عجز الميزانيّة التّونسيّة الذي قُدّرت قيمته سنة 1860 بـ 1.739.125 ريالا. وقد ازدادت الأمور سوءا خلال هذه الفترة بسبب كثرة الاختلاسات للمال العمومي على غرار سرقة محمود بن عيّاد لمبلغ 80 مليون ريال سنة 1856 كانت معدّة لإحداث بنك صناعي وتوجهه إلى باريس ومنها إلى اسطنبول بعد حصوله على الجنسية الفرنسية. كما عرف مصطفى خزندار الذي تولّى منصب وزير ماليّة ثمّ وزير أكبر (بين 1837 و1873) بسوء التصرّف واختلاس الأموال ممّا ساهم في تفاقم الأزمة الماليّة للبلاد التّونسيّة.

ونتيجة لذلك اضطرّت الحكومة إلى الاقتراض من الدول والبنوك الخارجية بفوائض مرتفعة على غرار: قرض 1862 وقرض 1863 بقيمة 37.7 مليون فرنك. وفي المقابل تعهّدت بتسديد 65.1 مليون فرنك وقرض 1865 بقيمة 36.7 مليون فرنك بشروط أسوأ بكثير  من قرض 1863 وقرض جانفي 1867  بقيمة  9 مليون فرنك... الخ.

كما أثّرت انتفاضة 1864 تأثيرا كبيرا على ميزانية البلاد إلى غاية سنة 1867 بحكم توجيهها بالأساس لتسديد القروض التي تمّ الحصول من الدول والمصارف الأوروبية وتسديد رواتب الجنود والضباط وتمويل المجهود الحربي للقضاء عليها... لذلك اضطرّ الباي منذ تلك السنة تعليق سداد الديون الداخلية والخارجية جزئيّا. وقد اضطرّ "بينار" (Pinard)، مدير "كونتوار دي اسكونت" (Le Comptoir d’Escompte) بباريس إلى مقاضاة تونس لدى محكمة السان (Seine) الجزائية بسبب عدم تنفيذ بنود عقد قرض جانفي 1867.

وباشتداد الأزمة المالية التونسية واستحالة تسديد الدولة لديونها الخارجية التي بلغت آنذاك 350 مليون ريال (125 مليون فرنك) بفوائض مرتفعة تراوحت بين 7 و 11% مقابل 5% فحسب بأوروبا وتحت ضغط الدول الأوربية المقرضة لتونس بالأساس: إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، انتصبت في أفريل 1869 بتونس "اللجنة المالية الدولية" المعروفة باسم "الكمسيون المالي" (La Commission Internationale Financière) وهو هيكل دولي تولى مراقبة المالية التونسية بعد أن عجزت الحكومة التونسية عن تسديد ديون البلاد لفائدة المؤسّسات والمصارف والحكومات الأوروبية.

وقد وُضعت هذه اللجنة تحت رئاسة الوزير المصلح خير الدين باشا، وآلت في فترة لاحقة إلى مصطفى بن إسماعيل وإدارة الخبير مالي الفرنسي "فيكتور فيلّي "Victor Villet". كما كانت تضمّ ممثلي أهم الدول الدائنة، وهي إيطاليا وإنجلترا وفرنسا. وقد مارست هذه اللجنة المالية الدولية كل أشكال التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد التونسية من خلال إخضاع ماليتها وتجارتها من صادرات وواردات... للرقابة الدولية بموجب وصول "تذاكر" (جمع "تذكرة" المعروفة لدى العامة باسم "تسكرة") تسلّم لها مسبقا... كما قسّمت مداخيل البلاد إلى قسمين خصّص أحدهما لنفقات الدولة والآخر لتسديد ديونها. كما تمّ تقييد الباي الذي لم يعد بإمكانه أن يمنح أيّ امتياز أو يعقد أيّ اتفاقية قرض إلا بموافقة الكومسيون المالي الذي كان بمثابة وزارة مالية. ومنذ ذلك الحين ظلت فرنسا تتحيّن الفرصة لتحقيق حلمها في احتلال البلاد ترابيا بعد تأمين الهيمنة عليها اقتصاديا وماليا.

هذا وقد تواصل عمل هذا الجهاز الأجنبي بعد انتصاب الحماية ولم يقع حلّه إلا سنة 1884 بعد إبرام اتفاقية المرسى بموجب قرض دولي تعهدت فرنسا بتسديده بدلا من الدولة التونسية إلى كل من إنجلترا وإيطاليا.

من الهيمنة الاقتصادية إلى الاحتلال العسكري

بعد إغراق السوق التونسية بالبضائع الأوروبية وارتباطها شبه التام بدول الضفة الشمالية للمتوسط، أصبحت الحرب دبلوماسية على تونس بين القناصل العامين لكل من فرنسا ممثلة في شخص "ليون روش" (Léon Roches) ثمّ خلفه "تيودور روسطان" (Théodore Roustan) وإنجلترا ممثلة في شخص "ريشارد وود" (Richard Wood) وإيطاليا ممثلة في شخص "ماشيو" (Maccio). وبات كل من هذا الثالوث يترصّد الفرصة للانقضاض على تونس واحتلالها عسكريا مستخدما كل السبل والوسائل لتحقيق هذا الحلم. واستعدادا لليوم الموعود أعّد "تيودور روسطان" القنصل العام الفرنسي بتونس مسوّدة هذه المعاهدة منذ سنة 1878 (إثر مؤتمر برلين) وبقيت في رفوف مكتبه بعد موافقة وتأييد من "وليام- هنري وادينغتون" وزير الخارجية الفرنسي شخصيّا إلى أن يحين وقت تفعيلها وتطويعها على أرض الواقع وفقا لمستجدات الظرف الأمني.

وبعد صراع طويل وشرس بين عناصر هذا الثالوث حُسمَ الأمر في الأخير لفائدة فرنسا حيث نجح "تيودور روسطان" في تحقيق "الحلم الفرنسي"، إذ تذرعت حكومة "جول فيري" Jules Ferry" الأولى (1880-1881) حينها إثر مقتل شاب من أولاد سدرة من قبيلة خمير على يد أفراد من قبيلة ناهد الجزائرية لتنادي بوجوب التدخل عسكريا في التراب التونسي والحصول على مبلغ مالي "لإعادة الأمن لحدودها الشرقية الآمنة". وبعد تصويت 476 نائبا لفائدة ذلك ورفض 474 نائبا، حصل "جول فيري" يوم 07 أفريل 1881 على موافقة البرلمان الفرنسي بإسناده منحة مالية بقيمة 5.7 مليون فرنك لتمويل الحملة.

وفي 24 أفريل 1881 اجتاز جيش بري فرنسي قوامه 24.000 جندي بقيادة الجنرال "ليونارد- ليوبولد فورجمول" (Léonard-Léopold Forgemol) ولاية سوق هراس نحو الحدود التونسية المجاورة، دعمته بوارج حربية قادمة من قاعدة طولون البحرية، تمكّن لتفوقه التقني والبشري من إخضاع كامل جيوب المقاومة في أرياف وقرى ومدن الشمال الغربي التونسي بكل من سوق الأربعاء (جندوبة اليوم) والكاف... كانت حصيلته ثقيلة بالنسبة إلى الطرف التونسي.

وعلى الساعة الحادية عشر من صباح يوم غرّة ماي 1881 احتل 400 جندي من جنود البحر الذين نزلوا من البواخر (غالي سونيار - وألما - وسرفايانت) مدينة بنزرت. وفي يوم 2 ماي وقع تعويض هؤلاء الجنود بالفيلق الثلاثين للطبجيّة وبفيلقين آخرين تحت قيادة الجنرال "موراند" .(Maurand)  وفي يوم 4 ماي قدم الجنرال "جول- إيمي برايار""Jules Aimé Bréart" (04 فيفري 1826- 133 فيفري 1913) وأركان حربه على رأس الجيش الثامن والثلاثين والفيلق الأول لفرقة "هيسار" (Hussards)  الخيّالة لتعزيز هذه الحامية.

وعند نزول الجنرال "برايار"  ببنزرت اتّصل من الحكومة الفرنْساوية لتعليمات تأمره فيها بالمشاركة في العمليات الحربية التي تقوم جيوش "فرجمول" و "لوجرو" (Logerot) بمجرى وادي مجردة ولكن سرعان ما غيّرت وزارة الحرب الفرنسية هذه التعليمات لأنّ الملك محمّد الصادق باي عندما علم باحتلال بنزرت استولى عليه الغضب وأراد إعلان الجهاد المقدّس بمملكته وهنا يبرز التأثير السيء الذي كان لمصطفى ابن اسماعيل على الباي. وفي الأثناء أرست بميناء حلق الوادي أربع بواخر أجنبية الأولى بريطانية وهي الباخرة "مرنارش" والثانية إيطالية وهي "ماريا بيزا" والثالثة واسمها "ساراغوزا" إسبانية. ولا نعلم لأيّ سبب بعثت البرتغال بدورها باخرتها المسماة "فاسكودي غاما" الشهيرة.

وعندما شاهد مصطفى ابن إسماعيل هذه البواخر اعتقد أنها استعراض للقوات البحرية الأوروبية التي هبّت لحماية تونس ومنع فرنسا من الاستيلاء عليها. ومن جهة أخرى كان الباب العالي وعد حكومة باردو بمدّها بالإعانة والإسعاف كما جاء في نصّ البرقية التي وجهها وزير الشؤون الخارجية الفرنسي "جول- بارتلمي سانت هيلار" Jules Barthélemy-Saint-Hilaire" (بين 23 سبتمبر 1880 و 14 نوفمبر 1881) إلى السلطان العثماني: "بما أنّ فرنسا هي الآن في حالة حرب مع قسم من الشعب التونسي فإنّ إرسال أيّة قوّة عسكرية من طرف تركيا إلى تونس تعتبر عدائية نحو فرنسا ولذلك فإنّ الأسطول الفرنسي قد صدرت له الأوامر بأن يتعرض للأسطول التركي ويمنعه بالقوّة من إنزال القوات التركية في أيّ نقطة من نقاط الإيالة التونسية وكتب في باريس يوم 7 ماي 1881".

وكان للباي أمل في إشهار الثّورة ضدّ الجيش الفرنسي بالبلاد التونسية إلاّ أنّ هذا الأمل كان قصير الأمد وكان ينوي التحريض على الحرب المقدسة بالمساجد ومبارحة باردو سرّيا والالتجاء لمدينة القيروان ولكن مستشاريه ومنهم "ألكساندر- مايريك برودلي" (Alexander- Meyrick Braudley) و"باركينس" Perkins)) و"بستالوزي" (Pestalozzi) نصحوه بإلحاح بأن لا يلتجئ إلى مثل هذه الوسائل إلاّ في آخر لحظة. ومن جهة أخرى عرضوا على مصطفى ابن إسماعيل بأن يوجّه احتجاجات جديدة إلى الدول الأوروبية على احتلال بنزرت، وهي مناورة حاذقة، إلاّ أنّ الحكومة الفرنسية كانت على بيّنة من جميع هذه الأمور وبما أنّها لم تتّصل بجواب من تركيا عن برقيتها المذكورة أعلاه أبرقت إلى الجنرال "برايار" بهذه التعليمات: "نخشى إرسال جيوش من اسطنبول فإذا صحَّ هذا يجب منع إنزالها بالشواطئ التونسية مهما كانت التكاليف. إذ أنّ المهم هو الوصول إلى الجدَيْدَة بغاية السرعة".

وكان الجنرال "برايار" مقتنعا هو أيضا بوجوب الإسراع في العمل فأجاب حكومته يوم 8 ماي حوالي الساعة الأولى بعد الزوال بهذه البرقية: "عملا بأوامركم التي اتصلت بها في صباح اليوم على الساعة التاسعة سأتحرك على الساعة الثالثة قاصدا الجدَيْدَة".

ويوم 10 ماي وصلت قافلة الجنرال "برايار" و "موراند" إلى الجدَيْدَة عند الظهر وفي نفس هذا اليوم دارت بباريس مناقشات حادة صاخبة بمجلس الوزراء كانت نتيجتها وجوب التريّث في العمل فخرج الجنرال "فار" " من المجلس المذكور في غضب شديد وبعد أن تمعّن في الأمر قرّر إرسال البرقية التالية إلى الجنرال "برايار" بالجدَيْدَة: " إنّ الحكومة ستكلفكم بمهمة لدى   باي تونس، اتّصلوا بـ "روسطان" لاتخاذ الاستعدادات اللازمة لذلك وتصلكم في هذا المساء التعليمات الكاملة ". ثم وجه الجنرال "دي فار" "Du Var" (1913-1841) معينه إلى "بارتلمي سانت هيلار" ليحيطه علما بالبرقية المذكورة طالبا منه أن يوجّه بعد المفاهمة معه التعليمات التنفيذية إلى الجنرال "برايار" فاستولي الغضب على " براتلمي سانت هيلار" وقال إنّ زميله، أي الجنرال "دي فار" ورّطه وكان يردِّدُ بدون انقطاع عبارة - ماذا ستقوله أوروبا؟ ورغم هذه المعارضة ورفض وزير الخارجية العمل وجه الجنرال "فار" الذي كان مصرا على رأيه في وجوب السرعة في العمل برقية اصطلاحية هذا نصّها :" إنّ الجنرال برايار وقع تعيينه كمفوّض ليعرض على   الباي إبرام معاهدة ذات 10 بنود يصلكم نصها صحبة هذه الرسالة ويجب على الجنرال "برايار" أن يرابط بجيوشه على بعد ميليْن من القصر الملكي وأن يقصد القصر بصحبة "روسطان" بحماية حرس لائق. وإذا طلب الباي أجلا للإجابة يجب منحه وقتا قصيرا ومحدودا ومن جهة أخرى وفي نفس الوقت يجب على الجنرال "برايار" اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع الباي من الفرار. وفي صورة رفض الباي رفضا باتا إمضاء المعاهدة يتحتّم إبقاء جلالته أسيرا مع مراعاة ما يستحقه مقامه من الاحترام ثم يقوم الجنرال "برايار" بإعلام الوزارة حالا بذلك".

وفي يوم 11 ماي على الساعة العاشرة و45 دقيقة مساء أجاب الجنرال "برايار" عن البرقية الآنفة الذكر بما يأتي. "لقد اتّصلت بأوامركم وسأعمل بمقتضاها حرفيّا، وقد تخابرت في هذا الصباح شخصيا مع م.روسطان وسأذهب بقافلتي غدا لمنّوبةّ". وفعلا وجّه "روسطان" يوم 11 ماي " ليكي" (Leaky) القنصل المساعد إلى الجدَيْدَة ليتقابل مع الجنرال "برايار" ويسلّمه نصّ المعاهدة (الذي أعدّه "روسطان" قبل أيّام في مكتبه بالقنصلية العامة لفرنسا بتونس) وليقررا معا الإجْراءات التي يجب اتّخاذها في هذه الظروف. وفي صباح يوم الخميس 12 ماي دخلت الجيوش الفرنسية منّوبة وفي مقدّمتها طاقم الموسيقى ورابطت في نقطة قريبة من القصر السعيد.

وما أن اتّصل "روسطان" بجواب الباي ذهب على السرعة إلى الجنرال "برايار" وأخبره بأنّ جلالته مستعد لقبوله في نفس اليوم على الساعة الرابعة.

ملابسات إبرام المعاهدة

فور وصولهما إلى القصر السعيد على الساعة الرابعة ظهرا أُدْخِلَ كل من القنصل العام لفرنسا بتونس "تيودور روسطان" والجنرال "برايار" إلى قاعة مؤثّثة على النمط الأوروبي وكان محمّد الصادق باي بها محفوفا ببعض من وزرائه ومستشاريه وهم على التوالي: مصطفى ابن إسماعيل (الوزير الأكبر) والعزيز بوعتور (وزير المال) و أحمد زرّوق (وزير الحرب) ومحمّد خزندار (الوزير المستشار) ومحمّد البكوش (مدير الشؤون الخارجية) ومحمّد العربي زرّوق (رئيس بلدية الحاضرة) وغيرهم من الشخصيات، فاقتبل الباي الجنرال "برايار" بغاية البشاشة وأخرج هذا الأخير من جيبه ورقة وتلا عليه النصّ التالي: "إنّ حكومة الجمهورية الفرنسية التي تريد جعل حد للخلافات القائمة وذلك بإبرام اتفاقية تضمن كرامة جلالتكم شرفتني بتعييني للقيام بهذه المهمّة، إنّ حكومة الجمهورية الفرنسية تريد إبقاءكم وإبقاء العائلة الحسينية على العرش التونسي وليس لها أيّ فائدة في المسّ بسيادة الإيالة ولكنها تريد التحصيل على ضمانات تراها ضرورية للمحافظة على العلاقات الطيّبة بين الحكومتين". ثمّ تلا الجنرال نصّ المعاهدة وقام السيّد إلياس المترجم الأوّل للباي بترجمة النصّ المذكور. فطلب  الباي منحه أجلا للتّفكير في الأمر واقترح أن يعطي جوابه في الغد فألحَّ الجنرال "برايار" في طلب الجواب في نفس اليوم قائلا: "إنّ آخر أجل يستطيع منْحه لجلالته هو إلى حدود الساعة الثامنة من مساء اليوم نفسه". فأجاب محمّد الصادق باي بأنه يريد عَقْد مجلس الوزراء لمناقشة بنود المعاهدة وإنه لا يمكن ذلك في ظرف ثلاث ساعات فتدخل "روسطان" وقال لجلالته: "إنّ جميع بنود المعاهدة وقعت المناقشة فيها مع وزيره الأكبر مصطفى بن إسماعيل وأنّه لا يعقل أن يجهل الملك ومجلس الوزراء ذلك".

وللتذكير كان لمحمّد الصادق باي أخوان علي باي والطيب باي. ولا يمكن الاعتماد على الأوّل لأنّه برْهن بصراحة عن مواقفه ضدّ فرنسا، أمّا الثاني وهو الأمير الطيّب باي فإنه كان مستعدا للاستجابة لرغبة حكومة فرنسا على شرط أن تحقّق له الجلوس على العرش. وهنا يجدر التذكير بأنه طيلة يوم 12 ماي لم يبارح الأمير الطيّب باي قصره بالمرسى وكانت عربته جاهزة لنقله إلى باردو بمجرّد ما يتّصل بإشارة ولكن هاذه الإشارة لم تأت لأنّ محمّد الصادق باي وافق على المعاهدة ولم يتمتّع الأمير الطيّب باي إلاّ بأمل قصير المدى للجلوس على العرش. ثم مرّت بعض أيّام وشاع خبر بتونس فحواه أنّ قصر الأمير الطيّب باي حوصر وأنّ الأمير وضع تحت الرقابة فكان لهذا الخبر صدى عميق في الأوساط التونسية وذهب "دانينوس ليون" مراسل جريدة "باريس" و"الجمهورية" الفرنسية التابعتين لرئيس مجلس النواب "ليون قمبيطا" (بين 31 حانفي 1879 و 27 أكتوبر 1881) إلى "روسطان" وطلب منه أن يبيّن له الأسباب التي أدّت إلى اتخاذ هذه التدابير فأجابه "روسطان" قائلا: "أبرق إلى جرائدك وقل لها إنّنا اعتقلنا الأمير الطيّب باي بباردو لإبعاده عن إذاية مَنْ يريد إلحاق الضّرر به (هي فنجان القهوة) وأخشى أن يعمد الصادق باي إلى الانتقام فيسمّم أخاه الذي قَبِلَ الجلوس على العرش ليلة 12 ماي".

توقيع محمّد الصادق باي على نصّ المعاهدة

يجدر التذكير بأنّ "روسطان" بعث برسالة إلى الباي يطلب فيها مقابلة الجنرال "برايار" الذي سيعرض على جلالته نصّ اتفاقية. وقد جاء في هذه الرسالة ما يلي: "إنّ الاتفاقية التي كلّف الجنرال برايار بإبرامها مع جلالتكم تقتضي إبقاء جلالتكم والعائلة المالكة على رأس حكومة الإيّالة وليس فيها أيّ مسّ بسيادة القطر".

كما وقع إشعار محمّد الصادق باي بأنّه إذا أصرّ على رفض التوقيع على المعاهدة التي ستعرض على جلالته فإنّ شقيقه سموّ الطيّب باي مستعدّ ليخلف جلالته على العرش التونسي وأنّه مستعدّ لإبرام أيّة معاهدة كانت. وكان لهذه الحجّة تأثيرها في "إلزام" الباي على إمضاء المعاهدة.
وخلال الاجتماع الذي جمع فيه الباي وزراءه ومستشاريه انقسم هؤلاء إلى شقين شقّ أوّل حثّه على المقاومة وكان أشدّهم محمّد العَرْبي زرّوق رئيس بلدية الحاضرة ومحمّد الدلاجي شيخ المدينة وأحمد بن الخوجة شيخ الإسلام. أمّا الشقّ الآخر فكان يتكوّن من بقية وزرائه ومستشاريه الذين كانوا جميعا موافقين على إمضاء المعاهدة. وعندما اختلى الباي بنفسه فكّر لحظة ثم قال: "لم تبق فائدة في المقاومة لقد شغلتنا أهواؤنا عن الاهتمام بأيّ شيء سواها أتوني بالقائد الفرنسي لنمضي المعاهدة ولينتهي كلّ شيء". وأعطى الإذن باستدعاء كل من "روسطان" و "برايار" اللّذين كانا في الانتظار في مدخل القصر.

وفي تمام الساعة السابعة مساء وعلى طاولة صغيرة مستديرة الشكل أُمضِيَ رسميا نصّ المعاهدة بالقصر السّعيد (المجاور لقصر باردو) في نظيرين من طرف الجنرال "برايار" عن الجانب الفرنسي، و محمّد الصادق باي عن الجانب التونسي قائلا: "أوقّع وأنا خاضع للقوّة". وقد حرص الرئيس الحبيب بورقيبة على جلب نفس الطاولة من باردو ليمضي عليها بالقصر الرئاسي بقرطاج وفي نفس اليوم (يوم 12 ماي 1964) القانون عدد 64-5 بتاريخ 12 ماي 1964 الخاص بالجلاء الزراعي.

وقبل مغادرته للقصر طلب الباي بكل لطف من "برايار" إبعاد قواته عن الحاضرة وأردف قائلا: "وبذلك تنقذون كرامتي وتمكنوني من إخضاع رعايايا بتمكيني من مزيد من السلطة عليهم ". غير أنّ قائد قوات الاحتلال أفاده بأنه لا يتسنى له اتخاذ قرار كهذا قبل تلقي الإذن من باريس!

قراءة لمضمون المعاهدة

تضمّنت معاهدة باردو ديباجة وعشرة فصول، منها ما هو عام ومنها ما هو دقيق ومضبوط. وعن سبب تسميتها بمعاهدة الحماية فيعود إلى أنّ الفصل الثالث منها قد نصّ على أي "حماية" فرنسا لباي تونس وكامل أفراد عائلته ومعاضدتهم على الدوام في أعقاب الحملة العسكرية الفرنسية على تونس يوم 12 ماي 1881: "قد التزمت دولة الجمهورية الفرنساوية بأن تُعين وتعضد على الدوام حضرة رفيع الشأن باي تونس لمنع جميع الأخطار التي تهدد ذاته وآل بيته أو التي تكدر راحة عمالته "(الفصل الثالث). وهو ما يعني تحوّل فرنسا إلى حامٍ للباي والأسرة الحسينية وتحوّل تونس إلى وضع جديد، أي "حماية فرنسية"، فيما جرّد الفصل الرابع والخامس والسادس تونس من سيادتها الخارجية. أمّا الفصل السابع، فقد أسند إلى فرنسا مهمة تنظيم مالية المملكة. ونظرا لدقة الظرفية الأمنية والعسكرية، فقد تطرقت المعاهدة لمقاومة القبائل والعروش. كما خوّل الفصل الثامن توظيف غرامات مالية عليها، فيما أسند الفصلان 2 و 9 لفرنسا التحكم العسكري في جميع الموانئ والمراكز الاستراتيجية بالمملكة. وبنجاح فرنسا في وضع الإطار السياسي والقانوني الذي سيشرّع لحضورها في تونس، فإنّها ستتفرّغ لاحقا لاستغلال الخيرات والموارد الاقتصادية للبلاد وإحكام السيطرة على سكانها.

من الحماية إلى الحكم المباشر

رغم كل ما تضمنته معاهدة قصر السعيد من امتيازات للطرف الفرنسي، سرعان ما تبيّن للسلطات الفرنسية، الممثلة في شخص المقيم العام الفرنسي الجديد، "بول كمبون" أنّ معاهدة باردو لم تعد كافية لإدارة البلاد وإحكام السيطرة عليها وتسهيل مهمّته في تونس على الوجه الأكمل، فصاغ اتفاقية جديدة تمّ إعدادها مسبقا في باريس ليفرضها على علي باي (1882-1902) بعد حوالي 8 أشهر من اعتلائه العرش الحسيني، خلفا لابن عمّه محمّد الصادق باي الذي وافاه الأجل في 29 أكتوبر 1882، وهي اتفاقية المرسى (نسبة إلى قصر السعادة بالمرسى) التي قام بإمضائها دون نقاش أو اعتراض - شكلا ومضمونا - يوم 08 جوان 1883. وقد خوّلت اتفاقية المرسى للمقيم العام الفرنسي إجراء كل الإصلاحات التي يرى فائدة في إجرائها بالبلاد التونسية في مجال الإدارة والمالية والقضائية...، وهو ما يعني تحوّل تونس من وضع حماية إلى حكم مباشر في ظرف زمني وجيز (أقلّ من سنتين). وهي حسب المختصين لا تختلف كثيرا عن الاتفاقيات والنصوص القانونية التي كانت تدار بها الكثير من المستعمرات الفرنسية على غرار الجزائر إلاّ من حيث الشكل، وهي في اعتقادنا اتفاقية تستحقّ في دراسة مستقلة بذاتها.

حتى لا يعيد التاريخ نفسه!

اليوم وبعد أكثر من 56 سنة من استقلال تونس وبعد أن دَرَسْنَا منذ أن طرقنا أبواب المدارس وأدركنا بدلالة كلمة الاستعمار ونبّأنا معلّمونا وعلمتنا كتب التاريخ ودَرَّسْنَا لاحقا لتلامذتنا وطلبتنا طيلة عقود أنّ "الاستعمار قد ولّى غير مأسوف عليه"، فإننا للأسف حين نجد أنفسنا مُنقادين إلى اتّباع عادات دخيلة وترك عاداتنا الأصيلة وحين نُرغم على الاستثمار في هذا القطاع الاقتصادي دون ذاك وحين تسلّط علينا شتّى الضّغوط من أجل اتّباع هذا النّهج السياسيّ وتجنّب ذاك... الخ، يقيننا على ضوء معاينتنا للأوضاع الاقتصادية والصراعات العسكرية والفوضى السياسية العارمة في أكثر من بلد خلال السنوات القليلة الماضية، أنّ الاستعمار كما جاء على لسان الصحفيّ البريطاني وأستاذ العلوم السياسية "جورج مونبيوت "George Monbiot"...، "لم ينته بعدُ، بل جاء بحلّة جديدة "!

محمّد الصادق باي

حفل توقيع معاهدة الحماية بالقصر السعيد بين الجنرال "برايار" ومحمّد الصادق باي بالقاعة الشرفية بالقصر السعيد عشيّة 12 ماي 1881 بحضور "تيودور روسطان" ووزراءه ومستشاريه: الوزير الأكبر مصطفى بن اسماعيل والوزير المستشار محمّد خزندار ووزير الحرب أحمد زرّوق ووزير الشؤون الخارجية محمّد البكوش ورئيس بلدية الحاضرة محمّد العربي زرّوق ووزير القلم محمّد العزيز بوعتّور ومترجمه.

القنصل العام الفرنسي بتونس "تيودور روسطان" يقدّم لمحمّد الصادق باي الجنرال "برايار" ظهر يوم 12 ماي 1881.

 

الصفحة الأولى من معاهدة باردو

الصفحة الأخيرة من معاهدة باردو

عادل بن يوسف

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.