أخبار - 2019.02.25

الحبيب التهامي: الفلاحة في تونس بين المخلّـفات الهيكلية ونتائج السياسات المتّبعة

الحبيب التهامي: الفلاحة في تونس بين المخلّـفات الهيكلية ونتائج السياسات المتّبعة

لعلّ هذه المرة الأولى التي أخوض فيها في إشكاليات الفلاحة والإنتاج الفلاحي رغم أهمية القطاع من الناحية الاقتصادية والتشغيلية والبيئية وكذلك  النفسية حيث يبتهج كلّ  تونسي مهما كانت سكناه ووضعيته الاجتماعية والمهنية بنزول المطر ويحزن لانقطاعها وهذا ليس بالغريب لأنّ أغلبيتنا تنحدر من البيئة الريفية. زد على ذلك أنّ النشاط في الفلاحة بخلاف النشاط في الصناعة أو الخدمات يشكلّ مهنة ونمط عيش وعقلية في آن واحد وهذه بالتحديد الخاصية التي لم يستوعبها الحكم في الستينات ولم يفهمها الحكم في زمامنا هذا. وهي أيضا الخاصية التي تجعل الفلاحة خارجة عن نطاق التحليل الاقتصادي التقليدي المرتكز أساسا على قوانين السوق والمعطيات الكمية.

لا شكّ في أنّ القطاع الفلاحي في تونس حاليا يعاني من أزمة خانقة، ورغم أنّ أسباب الأزمة تعود إلى معطيات هيكلية متعدّدة كتشتّت الملكية وشيخوخة المستغلين الفلاحيين وقلّة الاستثمار وانعدام والتأطير فإنّ الأزمة تعود أيضا إلى جملة من القرارات المالية والاقتصادية غير الصائبة التي اتّخذتها الحكومة الحالية والحكومات التي سبقتها والتي أثّرت تأثيرا مباشرا عن تكلفة الإنتاج وأطلقت العنان بصفة أو بأخرى لمسالك التوزيع حتّى تزيد في خنق القطاع والهيمنة عليه. من ذلك الترفيع المشطّ في أسعار المحروقات التي تمثل العنصر المهيمن في تكلفة إنتاج أغلبية المواد الفلاحية وما يقارب 70 بالمائة من تكلفة الصيد البحري، ومن ذلك أيضا ،وتلك نقطة هامّة، عدم مكافحة المضاربين والمستكرشين الذين ينتفعون من زيادة سعر الإنتاج الفلاحي على حساب المنتجين الفلاحيين أنفسهم وعلى حساب المستهلكين، أي على حساب القدرة الشرائية للأغلبية الساحقة من التونسيين.

ومن المفيد أن نتوقّف ولو باقتضاب عن بعض المعطيات الاقتصادية والاجتماعية التي تخصّ قطاع الفلاحة والصيد البحري حتّى نضع الأمور في إطارها الصحيح.

لقد ساهم قطاع الفلاحة والصيد البحري بما يقارب 8.6 بالمائة في الناتج الإجمالي الخام كمعدل في الخمس عشر سنة الماضية في حين ساهمت الصناعات المعملية بمعدّل 16.2 بالمائة في نفس الفترة مقابل 11.6 بالمائة للصناعات غير المعملية وما يزيد عن 40 بالمائة لقطاع الخدمات غير الإدارية. إلا أنّ وقع أزمة القطاع الفلاحي على نفسية التونسيين ومعيشتهم يفوق كثيرا نسبة مساهمته في الناتج الإجمالي الخام وهو بالتحديد المعطى الذي لم تعره أهميّة هذه الحكومة حين رفّعت ترفيعا مشطّا في سعر المحروقات وحين أقدمت على أخذ بعض القرارات غير الصائبة في مجال أسعار المنتوجات الفلاحية.

لا تزيد نسبة اليد العاملة النشيطة في قطاع الفلاحة والصيد البحري عن السدس من مجمل النشيطين في البلاد وهي نسبة في انخفاض مستمرّ منذ عقود ولكن مستوى النشاط في القطاع يكتسي أهمية بالغة من ناحية الدخل وبالتالي من زاوية التشغيل غير المباشر وكذلك من ناحية ارتفاع معدل أيام العمل في السنة بالنسبة إلى يد عاملة تتنقل موسميا بين الفلاحة والبناء والسياحة. وحتّى ولو أخذنا بعين الاعتبار عدم دقة التصريح بنوعية النشاط في القطاع الفلاحي والذي ينجم عنه زجّ بعض المسنّين وأصحاب مهن أخرى ضمن النشيطين في القطاع فإنّ عدد النشيطين فيه يبقى مرتفعا بالنسبة إلى مجمل السّكان النشيطين.

وفي مقدمة المواد الفلاحية والغذائية الموردة سنويا والمرتبة حسب القيمة نجد السكر ثمّ الزيوت النباتية ثمّ القطانية ثم القمح اللين ثمّ القمح الصلب ثم الشعير، ولا تأتي القهوة إلاّ بعيدا رغم أهميتها، كما نجد في مقدّمة المواد الفلاحية والغذائية المصدّرة المرتبة أيضا حسب القيمة زيت الزيتون ثمّ التمور بأنواعها (نصف قيمة صادرات زيت الزيتون تقريبا) ثمّ المنتجات البحرية (ثلث قيمة صادرات زيت الزيتون تقريبا) ثمّ تأتي بعد ذلك وبعيدا جدا القوارص بأنواعها التي لا تتجاوز صادراتها 2.2 بالمائة من صادرات زيت الزيتون و4 بالمائة من صادرات التمور. وتعطي هذه البسطة المقتضبة فكرة واضحة عن نقاط الضعف والقوة للفلاحة والمواد الغذائية في تعديل الميزان التجاري.

ولنلمس تأثير الإنتاج الفلاحي والصيد البحري في عيش التونسيين وجب الوقوف ولو بعجالة على تطوّر استهلاك التونسيين من المواد الفلاحية في الثلاثين السنة الماضية إذ نلاحظ أنّ معدل الكميات المستهلكة  سنويا للفرد ينقص نسبيا في الحبوب ومشتقّاتها ويستقرّ نسبيا في استهلاك اللّحوم الحمراء ويتزايد بصفة ملحوظة في اللحوم البيضاء، أمّا استهلاك الحليب ومشتقاته فإنّه عرف زيادة كبيرة وكذلك الشأن بالنسبة إلى استهلاك البيض. ولهذه التغيرات أسباب مختلفة منها تغيّر العادات الاستهلاكية (الحبوب ومشتقّاتها) ومنها تأثير الأسعار(اللّحوم الحمراء) ومنها تأثير التصدير (الأسماك) ومنها ما يسميّه الاقتصاديون بالاستعاضة أي استبدال مادّة بمادّة أخرى نتيجة للفارق بين السعرين (من لحم الضأن إلى الدجاج مثلا). وحين لا تتوفّر إمكانية الاستعاضة كما يجري الآن على مستوى سعر البيض والدجاج والديك الرومي تنطلق أزمة الاستهلاك والأسعار عند عامّة الناس وخاصّة الفقراء ومتوسّطي الدخل.

تطوّر معدّل الكميات المستهلكة سنويا للفرد بالكغ حسب المعهد الوطني للإحصاء

وعند النظر في نتائج المسح الوطني العاشر حول إنفاق الأسر واستهلاكها ومستوى عيشها الذي قام به المعهد الوطني للإحصاء في 2015 نلاحظ أنّ النمط الغذائي التونسي لا زال يرتكز على الحبوب بغضّ النظر عن البيئة أو شرائح الإنفاق رغم أنّ متوسّط الاستهلاك الفردي في الحبوب ومشتقّاتها يرتفع نسبيا في الوسط غير البلدي، غير أنّ هذا النمط تغيّر تدريجيا لصالح استهلاك الخضر والغلال والبيض والحليب ومشتقّاته ولحوم الدجاج والديك الرومي وهي المواد التي ارتفعت أسعارها ارتفاعا مشطّا في السنوات الأخيرة. وبالتالي فإنّ غلاء أسعار هذه المواد يتعارض مع تغيّر النمط الغذائي للأغلبية الساحقة من التونسيين ويؤثّر تأثيرا سيّئا للغاية في مستوى عيشهم في غياب مواد غذائية تحلّ محلّها كما أشرنا سابقا.ولعلّ الأزمة الحالية تجبرنا على إعادة التفكير في نقائص آليات التعويض الذي تعوّدنا عليها أي التعويض الموجّه مباشرة لصالح أسعار الاستهلاك، لنستبدله بالتعويض الموجّه مباشرة لصالح تكلفة الإنتاج أو ما شابهه وهذا ما تفعله مثلا الولايات المتحدة الأمريكية وتسهر عليه السياسة الفلاحية المشتركة في دول المجموعة الأوروبية. كما أنّها تطرح قضية الإنتاجية في القطاع الفلاحي والصيد البحري وما يتطلّبه الرفع من مستواها من تمويل وتكوين وهيكلة وهذا ما سنتناوله في مقال قادم.

الحبيب التهامي

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.