أخبار - 2026.07.16

الهام العربي : حبيب شبيل، أو دوام المرئي في أفق الحداثة التصويرية المتأخرة

الهام العربي : حبيب شبيل، أو دوام المرئي في أفق الحداثة التصويرية المتأخرة

بقلم الهام العربي - لا تبدو زيارة المعرض الاستعادي للفنان التشكيلي والمسرحي الراحل الحبيب شبيل الذى اقيم فى دار الفنون بالبلفيدير تحت عنوان " انبثاق الجسد "من 28 مارس الى 26 افريل من العام الجاري، مجرد عبور في فضاء استذكاري يضم أعمالًا منجزة في أزمنة متباعدة، بقدر ما تبدو دخولًا فعليًا إلى لحظة كاملة من تاريخ الرسم فى تونس. فما يختبره الزائر هنا لا يقتصر على متعة اكتشاف تجربة فردية متماسكة، بل يتجاوز ذلك إلى الإحساس الواضح بأنه يُستعاد إلى قلب الأسئلة التشكيلية التي شغلت الرسم فى تونس بين السبعينيات والتسعينيات، في امتداد مباشر للتحولات التي بدأت منذ الستينيات.

هذا المعرض هو، بالمعنى الدقيق، سفر في الزمن؛ لا عبر حنين إلى الأشكال، بل عبر المسائل التشكيلية نفسها التى كانت تطرح فى تلك الفترة لا فى تونس فقط بل حتى فى مهد الفن الحديث: ما يتبقي من الموضوع فى اللوحة بعد تجارب الحركات الطلائعية؟ وما مصير الجسد حين يُدرك الرسم سيادة سطحه الخاص؟ وكيف يمكن الإبقاء على صلة ما بالمرئي من غير الارتهان مجددًا إلى الوهم الوصفي؟ عند هذا المفترق تحديدًا تتجلى أهمية تجربة حبيب شبيل.

وإذا جاز الاستناد إلى التواريخ الظاهرة على بعض التوقيعات، وإلى التماسك الأسلوبي الذي يشد هذا المتن بعضه إلى بعض، فإن هذه الأعمال تبدو ممتدة من منتصف الستينيات إلى مطلع التسعينيات. ومثل هذا الامتداد الزمني كافٍ لأن يرفعها فوق مستوى المرحلة العارضة أو الأسلوب الظرفي. فنحن بإزاء بحث طويل النفس، تُتابَع فيه الأسئلة نفسها عبر عقود متعددة من الحداثة المتأخرة، لا على سبيل التكرار، بل على سبيل التعميق وإعادة الصياغة. وما يلفت منذ الوهلة الأولى أن هذا الاستمرار لا يقوم على استعادة ميكانيكية للموضوعات، ولا على إعادة إنتاج وصفة شكلية ثابتة، بل على وفاء نادر لعدد محدود من الإشكالات الجوهرية: وضعية الموضوع بعد المنعطفات الكبرى في الفن الحديث، إمكان بناء فضاء تصويري غير إيهامي، استقلالية سطح اللوحة، وبقاء العالم المرئي داخل لغة لم تعد خاضعة له بل قادرة على إعادة تركيبه.

من هنا تبدو وحدة هذا المتن، للوهلة الأولى، قائمة على عناصر أيقونية واضحة: أجساد نسائية، شخصيات جالسة، أجزاء من الجسد، زجاجات، مزهريات، باقات، طاولات، وفضاءات داخلية. غير أن هذا الحضور المتكرر لا يندرج في أفق الحكاية أو الوصف أو التسجيل. فالموضوع عند حبيب شبيل ليس شيئًا يُراد نقله إلى السطح كما هو، ولا حجة جاهزة لتأثيث اللوحة، بل هو مادة أولى لعملية تحويل متواصلة. الجسد لا يُعامَل هنا بوصفه بورتري، والطبيعة الصامتة لا تؤخذ بوصفها تمرينًا على المحاكاة، والداخل ليس مشهدًا منزليًا بقدر ما هو موضع تفكيك وإعادة بناء. كل شيء يخضع لتحولات متتابعة: تبسيط للكتل، تفتيت للعلاقات، ضغط للفضاء، تكثيف للشكل، استقلال نسبي للحد، وتحوّل متدرج للشيء المرئي إلى لغة تشكيلية.

لهذا السبب يصعب اختزال هذه الأعمال في ثنائية جاهزة بين التشخيص والتجريد. فهي ليست تشخيصية بالمعنى التقليدي، كما أنها ليست تجريدية خالصة. والأدق أنها تقيم، بثبات نادر، في تلك المنطقة الانتقالية التي يتجاور فيها الاثنان من غير أن يُلغِي أحدهما الآخر. بعض اللوحات يحتفظ بوضوح نسبي: امرأة جالسة تحمل قطة، مزهرية، باقة، زجاجات فوق طاولة، هيئة تنهض من خلفية داكنة. لكن أعمالًا أخرى تدفع المرئي إلى حدوده القصوى، بحيث يتردد البصر بين التعرف إلى الشيء وبين إدراك التنظيم الخالص للمساحات والخطوط والكتل. وهذه المراوحة ليست نقصًا في الحسم، بل هي جوهر المشروع نفسه. فاللوحة الحديثة، في أكثر صيغها عمقًا، لم تعد تمنح الموضوع جاهزًا للتسمية، بل تُزعزع شروط ظهوره، وتُبقيه في حالة توتر دائم بين الحضور والانمحاء.

من هنا أيضًا يبدو من الضروري ألا يُختزل هذا العالم في مفتاحين وحيدين هما الضوء والجسد، على وجاهة هذا الاختيار في الخطاب المصاحب للمعرض. فالضوء عند حبيب شبيل ليس مجرد عنصر يضيء شكلًا سابقًا عليه؛ إنه يشارك في ولادة الشكل، وفي إخفائه أيضًا، وفي إبقائه على عتبة التكون. والجسد بدوره لا يتجلى دائمًا باعتباره صورة مكتملة، بل كثيرًا ما يطل بوصفه هيئة قيد التشكل، تُنتزع من العتمة أو من المادة الملونة أو من اقتصاد الخطوط. غير أن الاقتصار على هذين البعدين وحدهما ينطوي على تضييق في القراءة. فالأمر هنا لا يتعلق فقط بفينومينولوجيا الظهور، بل يتعلق، قبل ذلك، بمنطق بنائي صارم: اللوحة بوصفها مجال قوى، والفضاء بوصفه تركيبًا لا خلفية، والموضوع بوصفه صيغة غير مستقرة يعاد بناؤها باستمرار. إن شعرية الضوء لا تكفي وحدها لفهم هذه الأعمال؛ إذ لا بد من ردها إلى ما هو أعمق: إلى مسألة البناء، وإلى مصير المرئي حين يدخل في نظام اللوحة الحديثة.

وعند هذا المستوى تكتسب صلة حبيب شبيل بجيل الستينيات في تونس معناها الحقيقي. فالإشارة إلى انتمائه إلى هذا الجيل لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مجرد تصنيف تاريخي. ذلك أن هذا الجيل لم يكتف بمراجعة مرجعيات «مدرسة تونس»، بل نقل السؤال التشكيلي ذاته من مركزية الموضوع إلى شروط بناء اللوحة. وقد شارك حبيب شبيل في هذا التحول، لكن من داخل موقع خاص. فبينما اختار بعض الفنانين آنذاك مسالك تزيينية أو علامات هوياتية أو صيغًا تجريدية مكتفية بذاتها، ظل هو أوفى من غيره لعلاقة متوترة ومُنتجة بالمرئي. فهو لا يرفض الموضوع رفضًا كليًا، ولا يستبقيه استبقاءً وصفيًا، بل يضعه على محك اللوحة الحديثة، حيث لا يعود الشيء هو ما يُرى مباشرة، بل ما يُعاد توليده تشكيليًا.

ويتجلى هذا الخيار بأوضح صورة في بناء الفضاء. فهذه الأعمال لا تُشيَّد، في الغالب، وفق عمق منظور متماسك، ولا تقدم الداخل بوصفه حيزًا يحتوي الأشياء والأجساد في ترتيب مستقر. إنها تقوم، على العكس، على التسطيح النسبي، وعلى ضغط المستويات، وعلى المواجهة المباشرة بين الكتل والخطوط والمحاور والفراغات. الطاولة لا تعود طاولة فحسب؛ إنها قاعدة، وعتبة، ومستوى حامل. والزجاجة لا تبقى غرضًا منزليًا فقط؛ إنها تصبح محورًا رأسيًا، بل عمودًا يكاد يمسك بتوازن التكوين. أما الهيئة الإنسانية فلا تظهر دائمًا كجسد مستقر في مكان، بل ككتلة، أو قطع لوني، أو احتياطي شكلي يدفع بالبناء إلى الأمام. هكذا يتحول الفضاء من كونه إطارًا للتمثيل إلى كونه بنية داخلية للوحة نفسها.

وفي عدد غير قليل من الأعمال نلمس حسًا معماريًا بالغ الدقة. فحتى حين تبدو اللمسة أكثر حيوية، والمادة أكثر اهتزازًا، لا تنزلق اللوحة إلى الفيض التعبيري المنفلت. هناك دومًا نظام خفي يشد العناصر إلى بعضها، وثمة قرار بنائي يضبط الطاقة ويمنعها من الانحلال. وفي هذا تكمن إحدى أهم خصائص تجربة حبيب شبيل: قدرته على أن يوفق بين الحرية والصرامة، بين حركية المادة وانضباط التكوين، بين الحدث اللوني والنظام الداخلي. ولذلك لا يجوز رد أعماله إلى حساسية تعبيرية عامة؛ فهي تظل، في العمق، أعمال بناء.

وتشارك الألوان في هذا البناء مشاركة حاسمة. فالزرقات الخافتة، والورديات الشاحبة، والبنفسجيات، والابيض المتغير، والأسود، والترابيات الحمراء، والرماديات، والبستالات، لا تؤدي وظيفة مطابقة الطبيعة، بل وظيفة تأسيس العلاقات داخل اللوحة. إنها لا تزخرف الشكل؛ إنها تُنتجه. ففي بعض اللوحات تقوم الألوان بتوزيع الكتل وتثبيت التوازنات، وفي أخرى تكثف السطح وتجعله مجالًا نابضًا للعمل، وفي ثالثة تتآزر مع الحد والخطوط المحزوزة لتوليد مناخ يكاد يقترب من الكتابة. اللون هنا ليس مظهرًا بل بنية، وليس أثرًا حسيًا فقط بل أداة تفكير بصري.

إلى جانب ذلك، يفرض البعد الخطي نفسه بوصفه أحد مفاتيح هذه التجربة. فالحدود، والتشريط، والحزوز، والاستعادات الخطية، كلها تؤدي دورًا يتجاوز مجرد التحديد الخارجي للأشكال. فالخط عند حبيب شبيل لا يكتفي بأن يحيط؛ إنه يشق السطح، ويعيد إطلاق الشكل، ويعارض الكتلة التي يجاورها أحيانًا. ومن هنا تنشأ في أعمال كثيرة تلك الطاقة الخاصة التي تجعل السطح يبدو مكتوبًا بقدر ما هو مرسوم. وليس الأمر هنا مفاضلة بين الرسم والتلوين، أو بين الخط واللطخة، بل هو اشتغال متبادل بينهما، يتيح للوحة أن تعيش في توترها الخاص بين البناء والاهتزاز، بين الاقتصاد والإفصاح، بين العلامة والكتلة.

وإذا أردنا وضع هذا المتن في موضعه الدقيق داخل تاريخ الرسم، وجب القول إن حبيب شبيل لا يندرج لا في تكعيبية متأخرة بالمعنى الاشتقاقي، ولا في تجريد غنائي، ولا في تشخيص محرّف بالمفهوم الضعيف للكلمة. إن تجربته تقع عند تقاطع إرث حديث متعدد: تفتيت الشيء على الطريقة التكعيبية، سيادة السطح، شرعية الأثر المادي، وتحرر اللوحة من الإيهام الكلاسيكي. غير أن هذه العناصر لا تظهر عنده بوصفها اقتباسًا من معجم معروف، بل بوصفها مكونات قد أُعيد صهرها في لغة خاصة. إنه لا يعتنق برنامجًا نظريًا، ولا يسعى إلى تجسيد بيان جمالي. إنه يعمل من داخل اللوحة نفسها، ومن خلال مفردات محدودة نسبيًا، لكنها تُستعاد في كل مرة على نحو مختلف، بما يجعل من كل عمل لحظة جديدة في بحث مستمر.
ولعل هذا الوفاء للمشكلات، لا للحلول، هو ما يمنح هذه التجربة قيمتها الأعمق. فحبيب شبيل لا يبرهن على نظرية، ولا يسعى إلى الإدهاش بالمغايرة من أجل المغايرة. لوحاته تتقدم عبر الإعادة والإزاحة والتكثيف، وعبر اختبار متجدد لما يمكن أن يظل من المرئي حين يُعاد تركيبه وفق شروط الرسم الحديث. إلى أي حد يمكن تبسيط الشكل من غير محوه؟ إلى أي حد يمكن تشييد اللوحة من غير تجفيفها؟ إلى أي حد يمكن أن يبقى الموضوع حاضرًا من غير أن يُردّ إلى طمأنينة التمثيل؟ هذه الأسئلة، بما هي أسئلة الرسم نفسه، هي ما يمنح العمل استمراره وضرورته.

ومن هنا أيضًا تنبع تلك العاطفة الخاصة التي يوقظها المعرض. فهي لا تصدر فقط عن قيمة الأعمال ذاتها، ولا عن أثر الاستعادة بعد الغياب، بل عن ظهور حبيب شبيل بوصفه واحدًا من أولئك الرسامين الذين لم يفهموا الحداثة بوصفها قطيعة مع العالم، بل بوصفها طريقة أخرى في استعادته. فالعالم هنا لا يُنسخ ولا يُلغى، بل يُعاد تنظيمه عبر قوى اللوحة الخاصة. الأجساد، والأشياء، والفضاءات، والعلامات، والكتل ليست سوى حالات مختلفة لعملية واحدة: تحويل المرئي إلى بناء حساس.

والاحتفاء بحبيب شبيل، في هذا المعنى، لا ينبغي أن يقتصر على الإشادة بفرادة تجربة أو بمكانة فنان في ذاكرة المشهد التشكيلي التونسي. إن ما يستحق الاعتراف حقًا هو طبيعة المساهمة التي أنجزها داخل تاريخ الرسم الحديث المتأخر: مساهمة قد لا تقوم على ضجيج الأسلوب بقدر ما تقوم على مثابرة البحث، وعلى قدرتها على إبقاء التوتر حيًا بين الجسد والبناء، بين الشيء والعلامة، بين الذاكرة البصرية واستقلال السطح. وهكذا يذكّرنا هذا المعرض، بدقة نادرة، بأن بعض الأعمال لا تبقى حيّة لأنها تمثل عصرها فحسب، بل لأنها تفكر، من داخل مادتها نفسها، في شروط ضرورتها الخاصة، وتمنح تلك الضرورة شكلًا يستعصي على النسيان.

الهام العربي
فنانة تشكيلية وباحثة
استاذة سابقة بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس
وبالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.