أخبار - 2026.07.13

طينة: أول منارة خرسانية شُيّدت في العالم

طينة: أول منارة خرسانية شُيّدت في العالم

شُيّدت المنارات عبر التاريخ، في معظم الأحيان، فوق مبانٍ قائمة، ولا سيما القلاع والحصون. غير أنّ منارتي رأس تغرمس في أقصى شرق جزيرة جربة ورأس طينة على الساحل الجنوبي أمام ميناء صفاقس، تطلّبتا إنشاء برجين شاهقين، إذ إن الطبيعة المنبسطة والرملية للساحل في هذين الموقعين لا تسمح بتحقيق الارتفاع المطلوب لمصدر الضوء، مما استوجب تشييد برجين جديدين بالكامل.

وفي سنة 1893، كُلِّف المهندس الشاب ريغنول، الذي لم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره، بإعداد مشروع منارة رأس طينة الواقعة على بُعد نحو عشرة كيلومترات من مدينة صفاقس في اتجاه قابس. أما منارة جربة فقد أُنجزت وفق المخططات والأساليب الهندسية نفسها.

وقد اختير موقع المنارة وسط سهل رملي منخفض تغلب عليه المستنقعات، ولا يرتفع إلا ببضعة أمتار فوق مستوى أعلى المدّ البحري. كما أن وجود مساحات واسعة من المياه الضحلة أمام الموقع جعل الوصول إليه بحراً أمراً شبه مستحيل، في حين لم يكن الاتصال بمدينة صفاقس عبر البر ممكناً إلا في فترات الطقس الجاف. وإضافة إلى ذلك، لم تكن هناك مقالع حجر قريبة، كما كان من الصعب العثور على البنّائين ونحّاتي الحجارة.

وأمام هذه الظروف، وقع الاختيار على الخرسانة باعتبارها مادة البناء الأساسية. فقد استُخدمت الحصى المنتشرة في محيط الموقع، والرمال الجيدة المتوافرة بكثرة على الساحل، وإسمنت لافارج القادم من مصنع لو تاي في فرنسا، إضافة إلى مياه البحر. وشُيّد البرج بأكمله من الخرسانة، بينما استُخدمت حجارة المدينة الرومانية القديمة ثيناي (Thenae) لبناء المساكن الواقعة عند أسفل المنارة والمخصّصة لإقامة الحرّاس.

وقد أُقيم البرج فوق قاعدة خرسانية ضخمة، وبلغ ارتفاعه 42 متراً، ليصبح آنذاك أول منارة خرسانية تُبنى في العالم، وكذلك أعلى مبنى خرساني في ذلك العصر، وهو إنجاز هندسي رائد يبدو أنه طواه النسيان اليوم لدى كثير من المعماريين والمهندسين.

وقد شُيّد البرج على شكل حلقات أسطوانية متراكبة، يبلغ ارتفاع كل حلقة 1.08 متر، وهو ما يعادل ست درجات من السلم الداخلي. وكانت هذه الحلقات تُصبّ داخل قوالب دائرية متحدة المركز وبالارتفاع نفسه، في أسلوب بناء يُعد متقدماً جداً بالنسبة إلى ذلك الزمن، ويُشبه ما يُعرف اليوم بالبناء المسبق الصنع.

وصودق على صفقة الأشغال في 11 وت 1894، وانطلقت الأعمال في شهر ديسمبر من السنة نفسها، ثم اكتمل تشييد المنارة في أفريل 1895 بعد أقل من أربعة أشهر من العمل، وهي مدة إنجاز استثنائية بكل المقاييس، كما أشار إليها ريغنول سنة 1897.

وتُعد منارتا رأس طينة ورأس تغرمس نموذجاً تقنياً ومعمارياً فريداً على مستوى العالم، غير أنهما لا تزالان مجهولتين إلى حد كبير، وهو ما يستوجب إعادة الاعتبار إلى هذه المنشآت وإبراز قيمتها التاريخية والهندسية.

وفي سنة 1906، وبعد زيارة تفقدية قام بها مدير مصلحة المنارات، انطلقت مرحلة أخيرة من الأشغال التكميلية لاستكمال المشروع.

جان-كريستوف فيشو
دكتور مؤهل في التاريخ
أستاذ مبرز بمدينة بريست

قراءة المزيد

كيف أنارت تونس سواحلها لتأمين الملاحة في البحر الأبيض المتوسط 

منشآت الإرشاد البحري: لكل موقع سحره، بين العزلة وقلب المدينة العتيقة 

التراث البحري التونسي: منارات السواحل... حراس البحر وروائع الهندسة 
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.