أخبار - 2026.07.12

جالطة: جوهرة أقصى شمال إفريقيا

جالطة: جوهرة أقصى شمال إفريقيا

كأنها عقدٌ جميل من اللآلئ، تنتشر قبالة السواحل التونسية ستّون جزيرة، لا يسكن منها سوى جزيرتين هما جربة وقرقنة. ولا تزال هذه الجزر تخفي الكثير من أسرارها حتى عن التونسيين أنفسهم. ولمساعدتكم على اكتشافها، ندعوكم إلى رحلة طويلة وممتعة. وبعد أن تعرفنا في العدد السابق على جزيرة زمبرة، نصحبكم اليوم إلى أرخبيل جالطة.

يشتهر أرخبيل جالطة بشواطئه المغطاة بالحصى، وهي صخور كبيرة ملساء استدارت عبر الزمن بفعل عوامل التعرية وحركة الأمواج. وتمتد مساحة الأرخبيل على 808 هكتارات، ويقع على بعد 62 كيلومتراً من طبرقة و44 كيلومتراً من رأس سيدي مشرڨ، وهو أقرب رأس إلى الجزر.

وتُعد جالطة أقصى نقطة في شمال تونس وإفريقيا. إنها قطعة يابسة صغيرة تشبه السدادة، تبدو وكأنها تطفو فوق مياه البحر، وتقع في مكان معزول بين السماء والبحر.

إلى الغرب توجد جزيرتا الغاليون والفوشال، حيث ينتصب منارة يبلغ ارتفاعها 14 متراً. وتتميّز هاتان الجزيرتان بأصلهما البركاني، وخاصة الصخور البازلتية، وتشكلان مع صقلية وسردينيا سلسلة جيولوجية تمتد من الشمال إلى الجنوب في حوض البحر الأبيض المتوسط.

أما إلى الشرق، فتقع جزر الكلاب. ويروى أن أوائل الصيادين الذين وصلوا إليها شاهدوا فقمة الراهب المتوسطية، التي اختفت من جالطة وزمبرة منذ سنة 1974، ولم يعد يظهر منها اليوم إلا عدد قليل من الأفراد الضالة بين الحين والآخر. وقد ظن الصيادون أنها كلاب بسبب التشابه بين رأس الفقمة ورأس الكلب، فأطلقوا على المكان اسم جزر الكلاب. وتُعرف هذه الجزر الصغيرة الثلاث أيضاً بأسماء الديك والدجاجة والكتكوت، بينما كان سكان جالطة، ومعظمهم من أصول إيطالية، يسمونها بالإيطالية: Gallo وGallina وPollastro.

وتُعد جالطة محمية طبيعية للبيولوجيا البحرية ومختبراً مفتوحاً للباحثين، إذ تضم أكثر من 300 نوع من النباتات، رغم أن معظم أراضيها مغطاة بالأحراج المتوسطية، باستثناء غابات حديثة من صنوبر حلب زُرعت حول الهضبة الكبرى وعلى سفوح التلال. وقد أُقيمت هذه الغابات على الجزء الوحيد الصالح للزراعة، مما قلّص المساحة الزراعية من 40 هكتاراً إلى 9 هكتارات فقط. وساعدت خصوبة التربة وغزارة الأمطار على نجاح هذه الغابة الاصطناعية، التي لم يتجاوز عمرها ثمانية عشر عاماً، حتى أصبحت كثيفة يصعب اختراقها.

ومن بين الكائنات البحرية النادرة التي تعيش في المنطقة توجد الطحالب البنية والطحالب الحمراء، إضافة إلى مساحات واسعة من نبات البوسيدونيا البحري. كما تتميز الحياة البرية في جالطة بانتمائها إلى المنطقة الحيوية القطبية القديمة، مع وجود عدد من الأنواع المستوطنة التي سجلها الباحثون والعلماء خلال بعثاتهم العلمية، وكان آخرها بإشراف الأستاذ سعيد نويرة. وقد تم توثيق وجود نوعين من الزواحف في الجزيرة الكبرى، إضافة إلى نوع من العقارب يعيش في جزيرة الغاليتون، ولا يوجد في أي مكان آخر في العالم سوى في هذا الأرخبيل.

أما الطيور، فتشترك جالطة مع زمبرة في احتضان نوعين من الطيور البحرية المقيمة التي تتخذ من الجزر موطناً للتكاثر، وهما غراب البحر المتوج ونورس أودوان ذو المنقار الأحمر الزاهي.

وكما تتميز زمبرة بطائرها الرمزي، وهو النوء الرمادي، فإن لجالطة أيضاً طائرها المميز، وهو صقر إليونورا، المعروف محلياً باسم «برني جلطة». ويتميز هذا الطائر الجارح بأناقته، وجناحيه الطويلين الضيقين اللذين يصل باعهما إلى نحو 100 سنتيمتر، إضافة إلى ذيله الطويل. وهو طائر سريع للغاية، يتمتع بمهارة فائقة في الصيد، حتى فوق سطح البحر، حيث يحلق بخفة وينقض بسرعة مذهلة على فرائسه.

توجد لدى صقر إليونورا هيئتان لونيتان متميزتان؛ فمقابل كل ثلاثة طيور ذات لون فاتح، يوجد طائر واحد تقريباً بلون داكن.

وما يثير الدهشة حقاً أن فصل الربيع يُعد موسم التزاوج والتكاثر بالنسبة إلى معظم الحيوانات، إلا أن صقر إليونورا يشذ عن هذه القاعدة. فهو يضع بيضه في أواخر شهر يوليو وبداية أغسطس، ثم يبدأ بإطعام فراخه بعد نحو ثمانية عشر يوماً. ويعود هذا التوقيت إلى استراتيجية دقيقة تضمن وفرة الغذاء، إذ يتزامن نمو الفراخ مع موجات هجرة الطيور الخريفية، وخاصة الطيور المغردة الصغيرة، القادمة من أوروبا في طريقها إلى إفريقيا.
فعادةً ما تختار الطيور الكبيرة التي تعتمد على التحليق، مثل اللقالق والكراكي والطيور الجارحة، ممرات هجرة محددة، مثل مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا، أو منطقة الوطن القبلي بين تونس وصقلية. أما الطيور المغردة الصغيرة، فإنها تعبر البحر الأبيض المتوسط مباشرة من شماله إلى جنوبه، دون الالتزام بهذه الممرات، معتمدة فقط على الرفرفة المستمرة لأجنحتها.

وبعد رحلة طويلة ومرهقة، تسعى هذه الطيور إلى بلوغ اليابسة للاستراحة واستعادة قواها. غير أن الحظ لا يحالف إلا تلك التي تصل إلى الجزر ليلاً، إذ تتمكن من الاحتماء والراحة. أما التي تصل نهاراً، فإنها تتعرض لهجوم أسراب صقور إليونورا قبل أن تبلغ الشاطئ بمئات الأمتار. ويبلغ عدد الأزواج المتكاثرة في جالطة نحو 120 زوجاً، تصطاد هذه الطيور المهاجرة لتتغذى عليها وتطعم فراخها، التي يتراوح عددها بين فرخين وأربعة في كل عش، وهي بحاجة إلى غذاء طازج وغني حتى تنمو وتصبح قادرة على الاعتماد على نفسها.

ومن السلوكيات المدهشة لهذا الصقر أنه يبدو وكأنه يتنبأ بتقلبات الطقس، إذ يلاحظ الباحثون وجود طيور اصطادها ووضعها بالقرب من العش، وكأنها مخزون احتياطي للطعام في الأيام الصعبة. وغالباً ما يعقب ذلك في اليوم التالي هبوب رياح قوية أو اندلاع عاصفة.

ولا تتوقف غرائب هذا الطائر عند هذا الحد. ففي منتصف شهر أكتوبر، تغادر الطيور البالغة جزيرة جالطة متجهة إلى مدغشقر، قاطعةً مضيق موزمبيق في رحلة طويلة. أما فراخ السنة، التي تُترك وحدها في الجزيرة، فإنها تعتمد على نفسها بسرعة، فتصطاد وتتغذى كما تفعل الطيور البالغة، ثم تغادر هي الأخرى الجزيرة بعد نحو أربعة أسابيع.

والمثير للإعجاب أنها تتجه، دون أي مرافقة أو إرشاد، إلى الوجهة نفسها... مدغشقر!

وفي مدغشقر، يعيش الصغار والكبار كلٌّ على حدة، ويتحول نظامهم الغذائي إلى الحشرات، إلى أن يحين موعد العودة بعد ستة أشهر إلى جالطة للتزاوج من جديد.

ولم تكن جالطة مجرد محمية طبيعية، بل كانت أيضاً شاهدة على تعاقب حضارات وأحداث تاريخية عديدة تركت آثارها في الجزيرة. فقد اتخذها القراصنة محطة للتزود بالمياه العذبة، وملاذاً آمناً، ومكاناً لإخفاء غنائمهم. وخلال فترة الاحتلال الفرنسي، تحول بعضهم إلى تهريب الأسلحة، بينما اختار آخرون المشاركة في المقاومة ضد الاستعمار خلال خمسينيات القرن الماضي.

وفي الوقت نفسه، كانت قوارب الصيادين الإيطاليين ترسو بانتظام في الأرخبيل لصيد المرجان وجراد البحر، واستقر بعضهم نهائياً في الجزيرة.

وهكذا استوطنت جالطة عائلات من أصول إيطالية قدمت من جزيرة بونزا المقابلة لمدينة نابولي، ومن أبرزها عائلات فيتييلو ومازيلا وداركو. وقد نجح هؤلاء في تطوير أنشطة زراعية وبحرية متنوعة.

وساعد معدل الأمطار، الذي يبلغ نحو 1000 مليمتر سنوياً، على زراعة الأشجار المثمرة والبساتين وكروم العنب والتوت، إضافة إلى القمح والشعير والفول، كما ازدهرت تربية الماعز. وكانت هذه المنتجات كافية لتلبية احتياجات السكان، بل وتبادل الفائض منها مع سكان البر التونسي.
ويكشف تنوع أصناف الأشجار المثمرة عن حكمة كبيرة في استغلال الموارد، إذ كانت بعض أشجار التين تعطي ثمارها ابتداءً من شهر يونيو، بينما تواصل أشجار أخرى إنتاجها حتى شهر أكتوبر. وكان السكان يستهلكون هذه الثمار طازجة، كما يجففونها فوق أسطح المنازل، ويصنعون منها المربى والمعلبات، لضمان توفرها على مدار العام.

قبل بضعة أشهر، التقيتُ بأحد أبناء جالطة، الذي غادر الجزيرة وهو في العشرين من عمره. ويقيم اليوم في باريس، حيث يعمل مغنياً ويُعرف باسمه الفني «بيار دو لا جالطة». وكان يتحدث عن جزيرته بكثير من الحنين والشوق.

استرجع ذكرياته عن الجزيرة عندما كان عدد سكانها لا يتجاوز 150 نسمة، وعن المدرسة الوحيدة التي كانت تضم حوالي 30 تلميذاً، وعن القس، والممرض، والمعلم، ورجل الدرك، وبقال الجزيرة حسن، الذي كان ثاني عربي يستقر في جالطة بعد أن تزوج ابنة عمه، كما تحدث عن محمد، الصياد القادم من بنزرت، والذي بلغ اليوم الثانية والتسعين من عمره.

وكان البريد يصل إلى الجزيرة ويغادرها عبر البحارة القادمين من بنزرت. وكان السكان يتلقون رسائلهم وطرودهم، إضافة إلى السلع التي يطلبونها بالمراسلة من فرنسا، وبالتحديد من متجر ماني.
وعندما كانت الأحوال الجوية تسوء ويصبح الوصول إلى الجزيرة بحراً مستحيلاً، كانت الطائرات المائية تتولى نقل الحالات الصحية المستعجلة إلى طبرقة أو بنزرت، كما كانت تُلقي بالمظلات المؤن والمواد الغذائية لسكان الجزيرة.

وكان والد بيار نجاراً ماهراً، يصنع القوارب الخشبية يدوياً من البداية إلى النهاية، كما كان ينجز جميع الأعمال الخشبية، بما في ذلك صناعة التوابيت.

أما خلال فصل الشتاء، وعندما تمنع العواصف المتكررة الصيادين من الإبحار، كان الرجال يعملون في استخراج وصقل الغرانيت، الذي استُخدم في بناء منازل الجزيرة، وكذلك في إنجاز الأرصفة في مدينتي بنزرت وتونس. وكانت جالطة آنذاك المكان الوحيد في تونس الذي يوجد فيه هذا النوع من الصخور.
ومن أبرز الاكتشافات الأثرية في الجزيرة تمثال صغير للإله باخوس، إله الخمر عند الرومان، وهو محفوظ اليوم في المتحف الوطني بباردو.

ولم ينسَ بيار أيضاً الرجل الذي كان يشاركه لعبتي الشكبة والكرة الحديدية، والذي كان سكان الجزيرة يلقبونه بـ «السيد أليس كذلك؟» بسبب عبارته التي كان يكررها باستمرار. ولم يكن هذا الرجل سوى الحبيب بورقيبة، الذي قضى 743 يوماً منفياً في جزيرة جالطة.

كما استعاد بيار قصة كلبه، الذي أصبح الرفيق الوفي لبورقيبة أثناء فترة نفيه، وربما كان يحظى بطعام أفضل من صاحبه، كما قال مازحاً. وعندما نُقل بورقيبة إلى فرنسا، امتنع الكلب عن الأكل، وظل على هذه الحال حتى مات بعد أيام قليلة، وفاءً لصاحبه.

ويروى أن بورقيبة، عندما سُئل ذات يوم عن الحيوان الذي يحبه أكثر من غيره، أجاب دون تردد: «كلب جالطة…»

تعمل الدولة التونسية اليوم على إعادة إحياء أرخبيل جالطة وإعادة تعميره، وقد انطلقت بالفعل عدة مشاريع في هذا الاتجاه. غير أن العيش في هذه الجزر لا يناسب إلا من اعتاد حياة الجزر، القادرين على تحمل العزلة التي قد تستمر عدة أشهر.

فبعد الاستقلال، وخلال ستينيات القرن الماضي، نُقل جميع سكان جالطة، الذين كانوا في معظمهم من أصول جزرية وإيطالية، إلى مدن أوروبية، لتبقى الجزيرة بعد ذلك مهجورة.

ومع مرور الزمن، تعرضت المنازل للنهب، واقتُلعت الأبواب والنوافذ، كما تعرضت المقابر للتخريب والإهمال.

وفي المقابل، استطاعت الماعز والأغنام التي تُركت في الجزيرة أن تتأقلم مع الحياة البرية، وأصبحت تعيش بحرية في الطبيعة.
كما ساهمت الزيارات غير المنظمة في استنزاف الثروات الطبيعية، وخاصة الموارد البحرية، بسبب الصيد العشوائي من السواحل، دون احترام المنطقة المحمية التي تمتد لمسافة ميلين بحريين، حيث يُمنع فيها أي نشاط حفاظاً على النظام البيئي.

ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكن حماية هذه الجزيرة؟

فالعسكريون وأعوان الحرس الوطني الموجودون في جالطة لا يملكون الزوارق ولا الوسائل اللازمة لمراقبة هذه المنطقة الوعرة، التي يصعب الوصول إليها والإشراف عليها.
ويقول الكاتب: «أزور الجزيرة بانتظام منذ سبعة وعشرين عاماً، وفي كل زيارة ألاحظ أن وضعها يزداد تدهوراً.»

ولهذا يؤكد أن حماية هذه المحمية الطبيعية البحرية أصبحت ضرورة ملحة، وأنه لا بد من مراجعة خطط العمل الحالية واتخاذ إجراءات أكثر فاعلية، من أجل إنقاذ أرخبيل جالطة والمحافظة على ثرواته الطبيعية للأجيال القادمة.

عبد المجيد الدبار

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.