الأستاذ عبد السلام القلال : الحلم الأخير؟ تونس إلى أين؟
بقلم الأستاذ سامي القلال - يطرح كتاب «الحلم الأخير؟ تونس إلى أين؟»، الذي ألّفه باللغة العربية الأستاذ عبد السلام القلال، المحامي والفاعل السياسي في ستينيات القرن الماضي وأحد شهود تطور الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، سؤالًا محوريًا: لماذا لم تنجح تونس، رغم ما تمتلكه من مقومات بشرية وجغرافية ومؤسساتية، في تحقيق نهضتها التنموية الكاملة؟
ويستعرض المؤلف مسار تونس منذ الاستقلال إلى مرحلة ما بعد سنة 2011، متوقفًا عند طموحات بناء الدولة الوطنية، وتجربة الاشتراكية الدستورية، ثم التحول نحو الاقتصاد الليبرالي في سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى المكاسب التي تحققت بعد الثورة، وما رافقها من نقاط ضعف وتحديات.
وتُبرز هذه القراءة أن تونس حققت نموًا اقتصاديًا فعليًا وتحديثًا في عدد من المجالات، غير أن ذلك لم يفضِ إلى تحول هيكلي عميق وحاسم. ومن هنا، لا يقتصر الكتاب على سرد الأحداث التاريخية، بل يتناول أيضًا أسباب تعثر مسار التنمية، ويقارن التجربة التونسية بتجارب عدد من الدول الآسيوية التي نجحت في تحقيق تقدم صناعي وتكنولوجي كبير.
ورغم اعتراف المؤلف بما حققته تونس من مكاسب، مثل تحسن مستوى العيش، واتساع الطبقة الوسطى، وتراجع الفقر المدقع، فإنه يتساءل عن أسباب بقاء هذه الإنجازات محدودة وهشة، ودون مستوى تطلعات جيل الاستقلال. ويعرض هذا الملخص أبرز الأفكار التي وردت في الكتاب، من خلال التوقف عند مظاهر الإقلاع الاقتصادي غير المكتمل، ثم تحليل أربع مجموعات من الأسباب: السياسية، والاقتصادية، والمؤسساتية، والمجتمعية، التي يربطها المؤلف بهذا التعثر النسبي.
ويرى المؤلف أن السبب الأول يعود إلى طبيعة النظام السياسي وانعكاساته على الاستقرار الضروري لتحقيق التنمية. فالتعددية الليبرالية، في نظره، ساهمت في زيادة التنافس والصراع بين الحكومة والمعارضة، والنقابات، وأصحاب الأعمال، ومجموعات الضغط، مما أدى إلى تشتيت الجهود الوطنية وإبطاء عملية اتخاذ القرار. وفي المقابل، يرى أن الدول الساعية إلى التنمية تحتاج إلى دولة قوية قادرة على تحديد التوجهات، وحسم الخيارات، وتعبئة المجتمع حول أهداف الإنتاج والاستثمار. ويستشهد في هذا السياق بتجربة بعض الدول الآسيوية، وعلى رأسها الصين، باعتبار أن مركزية القرار السياسي ساعدت على ضمان استمرارية السياسات التنموية.
أما السبب الثاني، فيتعلق بنموذج التنمية الذي اعتمدته تونس منذ سبعينيات القرن الماضي. إذ ينتقد المؤلف نموذجًا مستوحى من الاقتصادات الغربية، يقوم على الصراع بين رأس المال والعمل، وعلى آليات للتفاوض الاجتماعي يعتبرها غير ملائمة لدولة ما تزال في طور البناء. ويرى أن هذا النموذج رسّخ منطق المطالب الفئوية والتسويات قصيرة المدى، دون أن يفرز رؤية وطنية متكاملة. وفي المقابل، يثمن تجربة ستينيات القرن الماضي، التي تميزت، حسب رأيه، بروح تعبئة جماعية أكبر، وبإعلاء المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة.
ويتمثل السبب الثالث في الجانب المؤسساتي والاستراتيجي، والمتمثل في غياب رؤية طويلة المدى، إلى جانب ضعف الحوكمة. ويؤكد المؤلف أن تونس كانت تمتلك مقومات مهمة، من بينها موقعها الجغرافي، ورصيدها البشري، وانفتاحها على أوروبا، وخبرتها الإدارية، وإمكاناتها السياحية والتعليمية. غير أن هذه المزايا، حسب رأيه، لم تتحول إلى استراتيجية تنافسية واضحة. ففي الوقت الذي نجحت فيه بعض الدول الآسيوية في تحديد قطاعات صناعية واعدة، ودعم التصدير، والارتقاء بجودة الإنتاج، ظلت تونس مترددة، وتشتتت سياساتها العمومية، ولم توفر الدعم الكافي للابتكار. كما لم تستثمر بالشكل المطلوب في قطاعات واعدة مثل الصناعات الإلكترونية، والصناعات ذات القيمة المضافة العالية، والسياحة الثقافية، والتعليم العالي الدولي، والخدمات الطبية، وبعض الصناعات المتخصصة.
أما السبب الرابع، فهو ذو بعد ثقافي ومجتمعي. إذ يعبر المؤلف عن أسفه لتراجع ثقافة العمل، والاجتهاد، والانضباط، والابتكار، وهي قيم يعتبرها أساسية لتحقيق تنمية مستدامة. ويؤكد أن الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها لم تكتفِ بجذب الاستثمارات، بل عملت على استيعاب التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات، وجعل الإنتاج وسيلة لتعزيز استقلالها الاقتصادي. ويرى أن تونس لم تنجح بما يكفي في تحويل تجربتها الصناعية إلى تطور تكنولوجي متقدم، كما أن تغليب الاستهلاك الفوري على الاستثمار المنتج طويل المدى حدّ من قدرتها على بناء اقتصاد يقوم على الجودة والتميز والقدرة التنافسية.
ويتميز الكتاب، في النهاية، بتماسك تشخيصه وعمق الأسئلة التي يطرحها. فمن خلال تتبع مسار تونس منذ الاستقلال إلى مرحلة ما بعد سنة 2011، يكشف عن مسيرة اتسمت بطموحات كبيرة في البداية، ثم بتحولات متتالية، وإنجازات جزئية، ونقاط ضعف بقيت دون معالجة مستدامة.
ويخلص المؤلف إلى أن التعثر النسبي الذي عرفته تونس هو نتيجة تداخل عدة عوامل تعزز بعضها بعضًا، من بينها عدم الاستقرار السياسي، واعتماد نموذج تنموي غير ملائم بما يكفي، وضعف الحوكمة، وغياب رؤية استراتيجية واضحة، وتراجع القيم الاجتماعية الداعمة للعمل والإبداع.
ويبقى الحلم الأخير للمؤلف أن يرى تونس ترتقي، بفضل العمل، والرؤية، والابتكار، إلى مصاف الدول المتقدمة. ومن هذا المنطلق، يستحق الكتاب أن يُقرأ، ليس بوصفه مجرد مراجعة للماضي، بل باعتباره دعوة جادة للتفكير في مستقبل تونس.
الأستاذ سامي القلال
- اكتب تعليق
- تعليق