أخبار - 2026.07.02

الفيلسوف التونسي سرحان ذويب: من "التجربة الألمانية" إلى كرسي الفلسفة بجامعة فيانا العريقة

الفيلسوف التونسي سرحان ذويب: من "التجربة الألمانية" إلى كرسي الفلسفة بجامعة فيانا العريقة

بقلم رضا القلال. مؤرخ وكاتب صحفي - البروفسور سرحان ذويب بسط جناحية على تاريخ الفلسفة الألمانية، وعتّق على مهل تجارب الفلاسفة العرب والمسلمين القدامى، الذين تكاد أسماؤهم تهرب من ذاكرتنا. وهو إلى جانب ذلك، دارس ومترجم للفكر الفلسفي العربي الحديث والمعاصر، وحائز على الجائزة الدوليّة للفلسفة التثاقفيّة للفلاسفة الشبان التى يمنحها معهد غوته الألماني.

بعد 23 سنة في ألمانيا، أعلنت جامعة فيانا العريقة، بداية هذا الأسبوع، عن حصوله على منصب كرسي الفلسفة بها. وبذلك سينتقل من جامعة هلدسهايم الألمانية، بداية من سبتمبر القادم، إلى أكبر جامعة في الفضاء الأوروبي الناطق بالألمانية (ليكسمبورغ والنمسا وسويسرا وألمانيا). وجامعة فيانا بها 90 ألف طالب، و10 آلاف بين أساتذة وموظفين، وهي مشهورة بمدرسة "حلقة فيانا" الفلسفية، التي صنعت الكثير من الفلاسفة الكبار في فلسفة المنطق وفلسفة اللغة.  والمثير للإعجاب، أن الحصول على هذا المنصب، ليست رتبة سهلة، تطلّب "امتحانات" لا حفلات وعلاقات، ومن هؤلاء الممتحنين نخبة علمية ذات رأي مسموع يحسب لها ألف حساب، لاختيار أستاذ جامعي واحد، بعد أن تقدم لهذا الكرسي 190 مترشحا من جميع أنحاء العالم باللغتين الإنجليزية والألمانية.

أذن تنصت إلى ذكر الله من جدّه، وعين تقرأ أفكار ماركس في كتب خاله العائد من موسكو

هناك وقت لن يضيع في مواكب الأيام والسنين، ولا في تدافع أمواج الشهور والعقود، وقت فُتحت فيه أبواب الحوار المعرفي والنقد والتساؤل، عبر زوايا نظر مغايرة، ومتجاوزة للخطاب الاحتفالي السائد، في الرتابة والتقليد والتكرار. 

هما سهرتان - تحديدا - جلست فيهما، من خلال الوسائل الحديثة للتواصل، إلى مفكر وباحث وأكاديمي من طراز فذ، هو الفيلسوف التونسي سرحان ذويب، ومازلت أعجب كيف تكرّم عليّ بـثلاث ساعات كاملة من وقته! فكان اللقاء بمثابة الحلم ...وبمناسبة دعوة البروفسور سرحان ذويب إلى كرسي الفلسفة بجامعة فيانا، أنقل جزءا هاما من هذا الحوار.

بدأ الحوار معه مساحة رحبة من المتعة الفكرية الخالصة، وهو يتنقل بإجاباته بين الوقائع التاريخية، واكتشاف الجديد في تحليل النظريات الفلسفية، ومحاولة تفكيك المفاهيم، واستقصاء ما تفيض به الألسن من دلالات ورموز لمعاني المصطلحات (التسامح، التعصب، العدالة، الديمقراطية، حقوق الانسان....)

للمرة الأولى أجلس إليه فوجدتني قريبا منه، آنست إليه من اللحظات الأولى، وأعتقد أنه اطمئن أيضا، فذهبت الكلفة بيننا. حقيقة له جاذبية الجمع بين العلم والتواضع، وعندما يتكلّم فهو مباشر وعميق ومُحدد، تجد نفسك أمام مثقّف نوعي وأكاديمي استثنائي، يعرف كيف يُريح الكلام ويروّض الجدال. وكم كان لافتا اللقاء معه، بالنسبة لي، لأنه كان يعني، عدة لقاءات في لقائين فقط.

الفيلسوف سرحان ذويب سليل عائلة، ذكرُ الله حاضر في أنفاس الهواء الذي يتنفّسه، وأفكار ماركس ولينين ودوستويفسكي بارزة في الأدبيات الروسية في صفحات الكتب التي يقرؤها في مكتبة خاله خالد زليلة العائد من موسكو. ومن والده وجده تعلم احترام الآخر وأدرك معاني المسؤولية. تلك هي صورة نشأته، والقيم الروحية والإنسانية التي حكمته منذ طفولته وشبابه الباكر بصفاقس، مع روح وطنية متوارثة في الأسرة، جعلت تونس مقيمة دائما في القلب وفي الضمير.

الرجل حامل لثقافتين ومقيم بين حضارتين

والأستاذ سرحان ذويب جذبته الفلسفة الألمانية كما المغناطيس، وهو لا يزال في بداية العشرينيات من عمره. ولذا شعر الأساتذة من حوله منذ الرابعة ثانوي، وبعد ذلك في التعليم العالي، بأن مسار حياته كان يتجه نحو مصير مختلف، وبأن تفاصيل حياته توثّق بداية رحلة طويلة متألقة في تاريخ الفلسفة الألمانية بعد أن خفّض لها جناح الود والحب.

هو الرجل المتعدد الخبرات، والتجارب العلمية والثقافية الواسعة

الرجل الذي أمضى 23 سنة بالتمام والكمال في ألمانيا، ولا يخفي نهما واضح المعالم بالفلسفة الألمانية. وبقي يغرف من عاصمة الفلسفة العالمية بامتياز، حيث شكلت ألمانيا عبر حداثتها، واحدة من المصادر الكبرى في الفلسفة، ومركز ثقل فكري وتاريخي ولاهوتي عميق. إذ أنتجت مجموعة من الفلاسفة الذين سطروا المسار الفلسفي للتفكير الغربي. ولا زالت تؤثر أفكارهم ومفاهيمهم الحديثة في العديد من المجالات العلمية والأدبية حتى الآن. والرجل يعمل ليلا نهارا ليساهم من خلال مقاربة تثاقفية للفكر الفلسفي العربي والإسلامي فى بناء مسار متعدد الأصوات للكونية، فأصبح حاملا لكفتين، ومقيما بين ضفتين وحضارتين.

ألمانيا جعلت العالم أقرب إليه ، وصرامة الفكر الألماني أينعت "زهرته"

واليوم االفيلسوف سرحان ذويب عاشق لصرامة الفلسفة الألمانية، لهذا عنونت هذه الورقات   " الفيلسوف سرحان ذويب، التجربة الألمانية" أو "العيش في المكان الآخر الألماني". لقد جعلت ألمانيا – وهذا تقديري – العالم أقرب إليه، وصرامة الفكر الألماني هي التي أينعت "زهرته"، وأتاح له أساتذة أصدقاء، من بينهم محمّد التركي، فتحي التريكي، هانس يورغ زندكهلار (فيلسوف ألماني)، وأنكه فون كوغلغين (مستشرقة ألمانية بجامعة برن بسويسرا)، ورؤول فورنات بتنكور (فيلسوف كوبي ألماني) التفوق والنبوغ. تابعوا مسيرته وتركوا فيه آثارا لن يمحوها الزمن، وسيبقون طوال العمر في ذاكرته، لأنهم هيؤوا له نفسا تحب التفوّق، وتنزع إلى الإبداع، وروح الانضباط والطموح. وحياته التي عاشها في ألمانيا هي بلا شك التي أوصلته إلى النجاح. وأكاد أقول، لو بقي في تونس أو حتى في فرنسا لما وصل إلى هذه الدرجة من العالمية.

أفكار عديدة يطرحها سرحان ذويب، ويناقشها بطريقة مختلفة، ويقدم فيها وجهة نظر والعديد من التساؤلات خارج "الصناديق". في رؤية لم تصنعها المعرفة والعلم فقط، إنما "حكمة العمر الألمانية"، وخلاصة التجربة العميقة، وليس بالضرورة الطويلة.

نال سرحان ذويب الإجازة في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، وواصل تعليمه الجامعي ليحصل على شهادة التعمق فى البحث فى الفلسفة الحديثة من جامعة باريس الأولى السوربون الفرنسية بملاحظة حسن جدا تحت اشراف أستاذه برنار بورجوا، أكبر المختصين الفرنسيين في المثاليّة الألمانيّة عامة وفلسفة هيجل خاصة. ثم كسب الدكتوراه بجامعتي بريمن بألمانيا وتونس الأولى عن بحث بعنوان "النسق والهوية في فلسفة فريديريش شيلنغ"، وذلك بملاحظة مشرف جدّا. وهذا الأخير معاصر لهيجل وفشته، وربما كان شيلنغ أهم من هيجل، كما يقول، لأنّ معظم متفلسفتنا يقعون تحت التأثير الفرنسي، فلا يرون إلاّ ما تسمح به النظارات الفرنسية. ثم فتح طريقه عام 2026 أمام "بروفاسورا" بالتأهيل الجامعي بجامعة هلدسهايم ليكون أول تونسي فى اختصاص الفلسفة يحصل على هذا التميّز الأكاديمي الألماني. وهو اليوم يبحث في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، والفكر الفلسفي العربي الإسلامي الحديث والمعاصر، وفي فلسفة التثاقف. ونجح في أن يجمع في تكوينه وفي تأليفه وتدريسه هذه الأبعاد والمسارات على نحو تركيبيّ فذ. وقد شرفته جامعة فيانا العريقة، مباشرة بعد حصوله على التأهيل، بالحصول على كرسي الفلسفة التثاقفيّة فى فلسفة الدين.

وقد ارتفع الفيلسوف سرحان ذويب، بعلمه وطموحه، وصار رمزا من رموز الفكر والمعرفة في الفضاء الناطق بالألمانية كما أثرى المواقع التي عمل بها، وجعلها مصادر إشعاع. ومن ميزاته الفكرية، إذا كتب عن شخصية من الشخصيات، وصل في سرعة البرق إلى منطقة التفوق أو التميز في أدائها، وحلّل هذا التفوق منحازا للمبحث لا للشخص. وقد أتاحت له هذه المعرفة الواسعة فرصا وفيرة لقراءات هادئة وعميقة. ولهذا لم يجد من يتفوّق عليه في أول مسابقة عالمية للفلسفة التثاقفيّة للفلاسفة الشبان لا أمريكيا ولا غربيا ولا شرقيا من 40 دولة. وسجل حضوره الوازن عالميا بعد أن أتى بقوة فلسفية مجددة وفكك عديد الاعتقادات الراسخة حالت دون تأسيس فلسفة تثاقفية حقيقيّة.

سرحان ذويب: لا أقرأ الفلسفة بانبهار، فالانبهار لا ينتج إبداعا

استثمر سرحان ذويب الفكر الفلسفي في أبحاثه، وتعاطى مع أبرز أعلام الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر. وهو يقول "لا أقرأ الفلاسفة بانبهار، فالانبهار لا ينتج إبداعا". ويجب أن نضع التفلسف دائما فى سياقاته المعرفية والاجتماعية والسياسية المختلفة لنخضعه للنقد والتنسيب ونكشف عن حدوده وكذلك عن "تورطه" السياسي والتاريخي فى تسويغ ممارسات غير انسانية كالعبودية واحتقار المرأة والاستعمار والعنصرية وتقتيل الشعوب كما فعل ذلك مؤخرا يوغن هابرماس ومن تبعه مثل تلميذه راينار فورست وذلك بتبرير إبادة الشعب الفلسطيني. فكل فيلسوف، "مهما كان عظيما، يجب أن يتأطّر فكره في سياق معين. إن الكف عن تعظيم الفلاسفة وتأليههم يمثل شرطا أساسيا للتفلسف."

هكذا هو الفيلسوف سرحان ذويب لا يقرأ الفلسفة بانبهار، بل يقرؤها باعتبارها فلسفة تتيح إمكانات للتفكير معها أو ضدها. وفي هذا السياق يلحّ: "الانبهار لا ينتج إبداعا. يجب أن تكون لك الشجاعة النقدية والإبستيمية لكي تُقدم على التفكير بنفسك، وذلك من خلال ممارسة دائمة للتفكير مع الجماعة وضدها فى نفس الوقت."

ومما يدعو للأسف الشديد والتحسر أن الفلسفة، وكذلك تاريخ العلوم والرياضيات لم تجد بعد حظها من الاهتمام أو التقدير في بلادنا على الرغم ممّا لها من مكانة رفيعة وسامقة في الجامعات العالمية. الفلسفة ليست ترفا عقليا، لأن الحياة الخالية من التأمل والنظر والسؤال لا تليق بالإنسان كما يقول سقراط. وفي كلمة، الفلسفة هي الأساس ونقطة البداية في كل رقي فكري، وإبعادها عن حياتنا اليومية إهانة للعقل وللإ نسانية معا.

شوكة في حلق المركزية الأوروبية، على خطى المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد

بالرغم من نجاحات الفيلسوف سرحان ذويب في الغرب، فقد بقي شوكة في حلق المركزية الأوروبية، وذلك على خطى مشروع المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، الذي يتلخص في تفكيك مركزية الفكر الغربي وعنصريته ونقد خطابه الاستشراقي الذي اخترع الآخر الشرقي والعربي والمسلم ونظر اليه كمتعصب ديني ومستبد سياسي لاينفك يهدد الحضارة ويهدد وجودها. وبقي مثله، وظل عمله كأستاذ جامعي في قلب مسيرته المهنية الرفيعة.

أما المشهد الأبقى في ذهني، وهذه "وجهة نظر" تأتّت من المقابلة الصحفية مع سرحان ذويب، ولفها إحساس بالمغامرة. وهو أنه كان تلميذا لأساتذة أصدقاء من نفس جيلي، الراحل محمد العربي بن عياد، أستاذ الفرنسية الذي نصحه بقراءة أول كتاب فلسفي، وعمره 15 سنة، هو "حديث الطريقة" لديكارت، وهو الذي نصحه أيضا، في السنة الخامسة ثانوي، بقراءة كتاب "مائة سنة من العزلة" للكولومبي غبريال غارسيا ماركيز. والأستاذ حافظ قويعة الذي شجعه على قراءة 'أسطورة سيزيف" و"الانسان المتمرّد" لألبار كامي، وتحت تأثيره اكتشف أيضا محمد أركون، من خلال ترجمة هاشم صالح لكتبه، في السنة السادسة من التعليم الثانوي. كما تكوّن بيداغوجيا على يدي صديقي الراحل محمد نجيب عبد المولى، الذي يعرفه كشخصية عامة ومثقف ومنتج إذاعي، قدم له العون في رحيله الى المانيا عندما كان متفقده في مادة الفلسفة بمعهد حومة السوق بجربة وتابع خطاه بعد ذلك.

لا يمكن ان نتصور مدى حب الفيلسوف سرحان ذويب ودفاعه عن القيم والمبادئ الانسانية التي نشأ عليها، ولا حدود لعشقه للصرامة المنهجية والمفهوميّة. جذبه الشوق الهادئ والعميق منذ وقت مبكر الى تخوم محبة الفلسفة والحكمة، وبقي مجدّا ومجتهدا في السؤال الذي هو أساسي في إنتاج المعرفة أو إعادة انتاجها.

لم تهدا إصداراته بين المقالات والكتب والموسوعات.

وجمع إلى الذكاء المتوقّد، وسعة المعرفة، والعلم الرصين، ميزة خُلق التواضع.

رضا القلال 
مؤرخ وكاتب صحفي

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.