أخبار - 2026.04.30

قراءة في كتاب المؤرخ حبيب القزدغلي: اللجنة التونسية للحرية والسلم (1948-1968)

قراءة في كتاب المؤرخ حبيب القزدغلي: اللجنة التونسية للحرية والسلم (1948-1968)

بقلم الأستاذ صلاح الدين العامري - يندرج هذا الكتاب ضمن سلسلة "منتدى التجديد" التي تصدرها دار نيرفانا للنشر والتوزيع بتونس وقد جاء في حجم متوسط (196 صفحة) وصدر في أواخر فيفري 2026، وقد أهداه صاحبه إلى روح المناضل سليمان بن سليمان بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاته (1905-1986)، في إشارة دالّة لا تقتصر على البعد العاطفي، بل تنخرط في مشروع استعادة الذاكرة المنسيّة وإعادة الاعتبار لشخصيات وجمعيات تونسية فاعلة غُيّبت من "السردية" الوطنية الرسمية. ويتوزّع الكتاب إلى ثلاثة أبواب وستة فصول، في بناء منهجي يعكس حرص المؤلف على الجمع بين العرض التاريخي والتحليل المفاهيمي.

توسيع مجال البحث التاريخ خارج السردية الرسمية

وإذا ما انطلقنا من عنوان الكتاب، أمكن الوقوف على مستويين دلاليّين متكاملين يؤطّران أفق القراءة ويوجّهان المتلقّي. ويتمثّل المستوى الأوّل في البعد التاريخي، من خلال الإحالة الصريحة إلى "اللجنة التونسية للحرية والسلم (1948-1968)"، وهو مستوى ينهض بوظيفة توثيقية ومعرفية مزدوجة. ويتنزل العمل ضمن المشروع الفكري للمؤرّخ الحبيب القزدغلي، الذي اختار الاشتغال بالتاريخ الاجتماعي والسياسي التونسي، واتجه إلى توسيع دائرة البحث لتشمل الفاعلين الهامشيين والتيّارات الفكريّة التي لم تحظَ بالعناية المطلوبة، ونخصّ منها اليسار التونسي والحركات التقدميّة عموما. وسعى المؤلف إلى استعادة جزء مهمّش من تاريخ تونس المعاصر، تمثّل في نشاط اللجنة التونسية للحرية والسلم، وهو نشاط كاد أن يُطوى في غياهب النسيان بفعل تضافر سياسات الإقصاء الرسمية وغير الرسمية. ويمكن أن تُدرج محاولته ضمن المقاربات التاريخية الحديثة التي تأثّرت، ضمنًا أو صراحة، بمدرسة الحوليات التي أعادت الاعتبار لتاريخ الجماعات والحركات، وحتى الأفراد الذين أقصتهم السرديات الرسميّة. في هذا السياق، يكتسب التعريف بسليمان بن سليمان   وبالجمعية موضوع البحث دلالة مضاعفة، إذ لا يتعلّق الأمر بمجرد سيرة ذاتية، بل بمحاولة إدماجه ضمن الذاكرة الوطنية، بعد أن طغت عليها سردية   أحادية قامت على تمجيد الزعامة الفردية على حساب التعدّد والتنوع. ويلمّح الكتاب، ولو بإيجاز، إلى دور الحبيب القزدغلي ذاته، ليس فقط بوصفه مؤرّخا، بل وكذلك فاعلا سياسيّا   في اليسار الشيوعي والتقدّمي، وهو ما بينه في التمهيد المطول (ص13-ص27) الذي استهل به الكتاب حين تحدث فيه عن "نصف قرن مع سليمان بن سليمان ومع اللجنة التونسية للحرية والسلم ". 

تساؤل وبحث في شروط قيام العمل الجماعي فكريّا وسياسيّا

وأمّا المستوى الثاني في العنوان، والمتمثّل في "بحث في أركيولوجيا العمل المشترك في تونس"، يفتح مجالا فكريّا لا يقتصر على سرد الأحداث، بل يتجه إلى التساؤل عن شروط قيام العمل الجماعي فكريّا وسياسيّا، ولا يكتفي بإعادة بناء الوقائع التاريخيّة، بل يسعى إلى تفكيك البنية العميقة لفكرة "العمل المشترك" في مرحلة مبكّرة من نشأة دولة الاستقلال. ومن هذا المنطلق، أكّد مضمون الكتاب قيمة العمل المشترك في سياق تعدّد المرجعيات الإيديولوجية، حيث التقت داخل اللجنة تيارات مختلفة: الشيوعيون والدستوريون والنقابيون والمثقفون والشباب والفنّانون والمرأة في تجربة تكشف عن إمكانيات التلاقي بالرغم من اختلاف المرجعيات وتباينها. وسلّط الضوء على دور المثقّف في نشر ثقافة الحرية والسلم، من خلال نماذج ملموسة مثل المحاضرات التي احتضنتها الفضاءات الثقافية، وهو ما يعكس وعيا مبكرا بوظيفة الثقافة في تهذيب الصراع السياسي وإنضاجه وتطوير آلياته ومضامينه. ويتجاوز الكتاب الإطار الوطني ليربط بين النضال من أجل التحرّر والاستقلال، والنضال من أجل السلم عالميّا، في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تداخلت القضايا الوطنية مع رهانات دولية كبرى. وهذا ما منح التجربة التونسية بعدا إنسانيّا وكونيا، وأكّد أنّ النخب الوطنية لم تكن منغلقة، بل كانت منخرطة في أفق إنساني أوسع.

مسيرة بن سليمان، اختزلت إرادة العمل المشترك، والتضحية من أجله

في هذا السياق، تبرز شخصية سليمان بن سليمان بصفتها أنموذجا دالّا على إرادة العمل المشترك، والتضحية من أجله التي جسمها بتمسّكه باللجنة رغم الضغوط السياسية، وهو ما كلّفه الطرد من الحزب الدستوري في 18 مارس من سنة 1950. وتتيح هذه التجربة فهمًا أدقّ لمفهوم المجتمع المدنيّ، ليس بوصف إطارا مؤسّسيا فحسب، بل باعتباره ممارسة قائمة على تغليب المصلحة العامة على الولاءات الضيّقة، وعلى القبول بالتنوّع بدل إقصائه. ومما يُستخلص من تجربة اللجنة ومحرّكها الأساسي سليمان بن سليمان، هو تميّز النخبة التونسية في تلك المرحلة، وقدرتها على تجاوز الانتماءات الضيّقة والانخراط في أفق وطنيّ بدرجة أولى، وأفق كوني بدرجة ثانية يجمع بين مطلب السيادة الوطنية وقيم السلم والحرية. وهو ما منحها، في تلك اللحظة التاريخية، قدرة أكبر على الإقناع والتأثير؛ غير أنّ هذا البناء، على تماسكه، يظلّ مفتوحًا على مساءلة نقدية تفرضها حالة تعثّر اللجنة التونسية للحرية والسلم سريعا، بعد سنة واحدة تقريبًا من النشاط الفعلي. ويمكن تفسير التعثّر والشلل التام لاحقا بتداخل عاملين رئيسيين، ويتمثّل الأوّل في السياق الدولي للحرب الباردة، الذي فرض استقطابًا حادًا بين المعسكرين، وضيّق هامش المبادرات المستقلة، خاصة في ظلّ صعود الدولة الوطنية التي احتكرت المجال السياسي. ويتعلّق العامل الثاني بالهشاشة الداخلية للتجربة، حيث برز توتّر بين البعد الوطني التحرّري والبعد الأممي السلمي، إضافة إلى محدودية امتدادها الاجتماعي، بما جعل جهود اللجنة وأطروحاتها حبيسة إطار نخبوي حضري، عجز عن تحوّل أفكاره إلى ثقافة جماهيرية بحدّ أدنى مطلوب، وخسر المنافسة مع الحزب الدستوري في هذا المضمار. وكان بإمكان المؤرخ حبيب القصدغلي تعميق التحليل من خلال التركيز على لحظتي التأسيس والتفكّك، بصفتهما لحظتين كاشفتين، مع توظيف مفهوم الزعامة في بعديه الأنثروبولوجي والسوسيولوجي لتفكيك حالة الفشل السريع، ففي طور التأسيس، أدّت الزعامة دورا تعبويّا حاسما، بالالتفاف حول شخصيات قادرة على الجمع بين الشرعية النضالية والإشعاع الشعبي. وفي طور التفكّك، برزت تقابل بين نمطين من الزعامة: زعامة عمودية كاريزمية، مثّلها الحبيب بورقيبة، قائمة على القدرة الخطابية والحضور الدولي، مقابل زعامة أفقية مثّلها سليمان بن سليمان، تقوم على العمل التنظيمي وبناء التوافقات ولكن في سياق نخبوي محدود.

أسئلة مفتوحة يطرحها الكتاب 

وتفضي قراءة الكتاب أيضًا إلى طرح جملة من الأسئلة المفتوحة. من ذلك، إلى أيّ مدى انزلقت اللجنة نحو تمثّل حزبي، خاصة بعد انسحاب الدستوريين والاتحاد العام التونسي للشغل، بما أفسح المجال لهيمنة التيار الشيوعي رغم أهمية الخطوات التي تم القيام بها خاصة في السنوات الأولى للاستقلال لتكون لجنة الحرية حاضنة وجامعة للتيار التقدمي الغير منتظم في الحزب الدستوري؟ وهل يمكن الحديث، في هذه الحالة، عن فقدان التوازن الذي كان يؤسّس لشرعيتها التعددية؟  كما يطرح حضور المرأة داخل اللجنة إشكالًا لافتًا، إذ بدا شكليّا ودون فاعليّة، رغم تواصل انخراط منظمتين نسائيتين في اللجنة حتى بعد انسحاب المنظمة النسائية القريبة من الحزب الدستوري بما يطرح سؤال درجة الوعي بدور المرأة داخل النخب التقدمية نفسها. وأخيرًا، ويظلّ التساؤل قائمًا حول اختيارات المؤرخ الحبيب القزدغلي المنهجية، وخاصة تركيزه المتكرّر على تاريخ الحركة الشيوعية وتاريخ الجماعات والأقليات الدينية والأثنية، وهو اختيار، رغم وجاهته العلمية باعتبار أنه ابحث في حقول تاريخية ظلت على هامش السردية السائدة، الا أنه يطرح في نفس الوقت قضية توسيع الاهتمام على بقية الفاعلين ضمن مشهد تاريخي مركّب ومتداخل.

الأستاذ صلاح الدين العامري

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.