أخبار - 2026.04.30

حاتم قطران - عيد الشغل في 1 ماي: نداء لتجديد الحوار الاجتماعي وتحقيق شراكة اجتماعية حقيقية من أجل التقدّم

عيد الشغل في 1 ماي: نداء لتجديد الحوار الاجتماعي وتحقيق شراكة اجتماعية حقيقية من أجل التقدّم

بقلم حاتم قطران - أستاذ متميّز بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس

1. ستنعقد الدورة 114 من مؤتمر العمل الدولي في شهر جوان 2026 بجنيف، وستجمع ممثلين ثلاثيي الأطراف عن 187 دولة عضو، حيث سيناقشون مواضيع راهنة وذات أهمية، من بينها:

العمل اللائق في اقتصاد المنصات: مناقشة تنظيم العمل الرقمي؛ 
المساواة بين الجنسين في العمل: برنامج يحمل تغييرات؛ 
• الحوار الاجتماعي وثلاثية الأطراف: تعزيز الحوار.

2. شاركت تونس، العضو في منظمة العمل الدولية منذ يوم 12 جوان 1956، إبان حصولها على الاستقلال، وهي ستشارك ككل سنة في هذا المؤتمر الدولي الهام، مستفيدة من مكانتها المتميزة داخل المنظمة، حيث صادقت إلى حد الآن على أربع وستين (64) اتفاقية دولية للعمل، من بينها الاتفاقيات الأساسية المتعلقة بالمبادئ والحقوق الأساسية للإنسان في العمل، بما في ذلك الاتفاقية (رقم 87) المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي، والاتفاقية (رقم 98) المتعلقة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية. كما صادقت تونس أيضًا في 25 ماي 2007 على الاتفاقية (رقم 135) المتعلقة بممثلي العمال، علما أن ثلاثًا من آخر أربع مصادقات، التي جاءت إثر اعتماد القانون الأساسي عدد 07 لسنة 2013 المؤرخ في 1 أفريل 2013، تعلقت على التوالي بالاتفاقية (رقم 144) بشأن المشاورات الثلاثية حول معايير العمل الدولية، والاتفاقية (رقم 151) بشأن علاقات العمل في الوظيفة العمومية، والاتفاقية (رقم 154) بشأن المفاوضة الجماعية، مما يعكس حرص الدولة على تعزيز المفاوضة الجماعية وترسيخ الحقوق والضمانات لفائدة الفاعلين في الحوار الاجتماعي.

3. ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن الحوار الاجتماعي قد شهد نوعًا من التراجع في بلادنا، تجلّى خاصةً في اعتماد مجلس نواب الشعب لقانون المالية لسنة 2026، والذي ينصّ في فصله الخامس عشر على زيادة في الأجور في القطاعين العام والخاص بعنوان سنوات 2026 و2027 و2028، وكذلك في جرايات التقاعد، على أن تُحدَّد هذه الزيادة "بمقتضى أمر".

4. وانطلاقًا من ذلك، لا شكّ أنّه تمّ فرض تقييد غير مسبوق على الحوار الاجتماعي، بل وحتى على الدستور وكذلك على القانون الأساسي عدد 15 لسنة 2019 المؤرخ في 13 فيفري 2019 المتعلّق بالقانون الأساسي للميزانية، ولا سيما المبدأ المنصوص عليه بالفصل 10 من هذا القانون والقاضي بأنه "يقتصر قانون المالية على الأحكام المتعلّقة بموارد الدولة وتكاليفها دون سواها"، مما يجعل الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026 “دخيلاً ميزانيًا” («un cavalier budgétaire»)، أي حكمًا غريبًا عن موضوع قانون المالية، فضلًا عن كونه يمسّ بصلاحية التفاوض الجماعي حول الأجور، المنظم بمجلة الشغل، التي ينص الفصل 134 منها بوضوح على أنه “يضبط أجر العملة على اختلاف أصنافهم إما باتفاق مباشر بين الأطراف وإما عن طريق اتفاقية مشتركة وذلك مع احترام الأجر الأدنى المضمون المضبوط بأمر. ويمكن أن تضبط بمقتضى أمر أجور العمّال التابعين لقطاعات غير خاضعة لاتفاقيات مشتركة.
يتّخذ الأمران المنصوص عليهما بالفقرة السابقة بعد استشارة المنظمات النقابية لأصحاب العمل والعمّال الأكثر تمثيلا".

5. ومن المفيد التذكير أيضًا بأحكام الفصل 3 من القانون عدد 54 لسنة 2017-المؤرخ في 24 جويلية 2017 المتعلق بالمجلس الوطني للحوار الاجتماعي، الذي يفرض الاستشارة الوجوبية لهذا المجلس بخصوص مشاريع القوانين والأوامر المتعلقة بالعمل والعلاقات المهنية والتكوين المهني والحماية الاجتماعية.

6. في نهاية المطاف، فإن كل هذا يقيّد من دون شك مسار الحوار الاجتماعي الذي يشهد إلى حدّ « حالة سبات»، رغم أنّه يُعدّ معطًى أساسيًا في السياسة الاجتماعية في تونس منذ سنة 1973 مع بروز سياسة اجتماعية تشاركية، خاصة إثر رفع التجميد عن المفاوضات حول الأجور بموجب الأمر عدد 247 لسنة 1973 المؤرخ في 26 ماي 1973 والمتعلق بإجراءات تحديد الأجور، واعتماد الاتفاقية المشتركة الإطارية الموقعة بتونس في 20 مارس 1973 بين الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، وكذلك اعتماد ما لا يقل عن خمس وخمسين (55) اتفاقية مشتركة قطاعية منذ ذلك الحين، تغطي معظم أنشطة القطاعات الصناعية والتجارية والخدمات.

إعادة إطلاق الشراكة الاجتماعية من أجل التقدم!

7. يبدو من الضروري إعادة تنشيط منظومة الحوار الاجتماعي على جميع المستويات – الوطني والقطاعي وعلى مستوى المؤسسة – خاصة إثر انتخاب مكتب تنفيذي جديد للاتحاد العام التونسي للشغل. وهو حدث ذو طابع سياسي بامتياز من شأنه أن يعيد إحياء القيم والمبادئ الديمقراطية المكرسة في الدستور، بما يجسِّد أحد المبادئ المُكرَّسة في ديباجة الدستور، والذي ينصّ على أن "الدّيمقراطيّة الحقيقيّة لن تنجح إلاّ إذا كانت الدّيمقراطيّة السّياسيّة مشــفوعة بديمقراطيّة اقتصادية واجتماعيّة".

8. وعسى أن يُعطي رئيس الجمهورية، "الضّامن لاحترام الدّستور والقانون ولتنفيذ المعاهدات" (الفصل الحادي والتسعون من الدستور)، إشارة قوية في هذا الأوّل من ماي لإحياء الحوار الاجتماعي، و"للعبور من اليأس والإحباط إلى الأمل والعمل والرّجاء، إلى مرحلة المواطن الحرّ، في وطن حرّ كامل السّيادة، إلى مرحلة تحقيق العدالة والحرّية والكرامة الوطنيّة" (ديباجة الدستور).

9. وينبغي أن تأخذ عملية إحياء الحوار الاجتماعي شكل مراجعة جوهرية لمجلة الشغل، بما يسمح بتكييفها مع متطلبات عالم العمل الجديدة، ويتضمن خاصة إرساء شراكة اجتماعية حقيقية من أجل التقدم، ترتكز خصوصًا على التوصيات والأهداف التالية:
توصية 1-  إدماج أشكال جديدة لتمثيل الحوار الاجتماعي وفاعليه، بما يعكس قيم ومبادئ الحرية النقابية والتعددية النقابية المكرسة في الدستور وفي القانون عدد 201 عدد 54 لسنة 2017-المؤرخ في 24 جويلية 2017 المتعلق بالمجلس الوطني للحوار الاجتماعي.

توصية 2-  مراجعة أحكام الفصل 2 من الأمر الحكومي عدد 676 لسنة 2018 المؤرخ في 7 أوت 2018 المتعلق بتحديد عدد أعضاء المجلس الوطني للحوار الاجتماعي، نظرًا لما تمثله من خرق واضح لمبادئ الحرية النقابية والتعددية النقابية، حيث تعتمد منطق التمثيل الحصري بدل التمثيل النسبي رغم العدد الكبير للأعضاء الذي يصل إلى 105 أعضاء.

توصية 3-  اعتماد مقاربة شاملة للمفاوضة الجماعية والعلاقات المهنية، تُحدد بدقة فاعلي الحوار الاجتماعي على مختلف المستويات، ومراحل التفاوض، وواجبات الأطراف خلال العملية، مع إرساء واجب التفاوض بحسن نية في جميع المراحل.

توصية 4-  إعادة تعريف الحق في الإضراب، من خلال:

التأكيد على حق العمال في الإضراب للدفاع عن مطالبهم المهنية ومنع أي عقوبات تأديبية على ذلك؛ 
منع الإضرابات غير القانونية، وخاصة تلك التي لا ترتبط بمطالب مهنية مثل الإضراب السياسي غير المرتبط بظروف العمل، وكذلك أشكال الإضراب التعسفية؛ 
تحديد الآثار المترتبة عن ممارسة الحق في الإضراب حتى وإن كان قانونيًا، خاصة الخصم من الأجر؛ 
إقرار واجب السلم الاجتماعية، بما يشمل ضرورة استنفاد فرص التفاوض والحوار قبل اللجوء إلى الإضراب.

استعادة قيمة العمل
10. وفي الختام، يجب التذكير مرة أخرى بأن المجموعة الوطنية بأسرها مدعة إلى استعادة قيمة العمل، باعتباره الثروة الحقيقية الوحيدة لتونس، وغرس هذه القيمة لدى الأجيال الشابة بكل الوسائل الفعالة والمناسبة.

وبهذا فقط سيتمكن التونسيون، وخاصة الشباب منهم، من ترسيخ ثقتهم في تونس إلى الأبد، واستقبال عيد الشغل في كل 1 ماي من كل سنة بكثير من الأمل والإيمان بالمستقبل.

حاتم قطران
أستاذ متميّز بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.