أخبار - 2026.04.05

رافع بن عاشور: منذر مامي كما عرفته

رافع بن عاشور: منذر مامي كما عرفته

كلمة الأستاذ رافع بن عاشور في أربعينية المرحوم منذر مامي، السبت 4 أفريل 2026 بمقر ودادية قدماء المدرسة الوطنية للإدارة

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على الرسول المصطفى وعلى آله وصحبه

حضرات السيدات والسادة،

أهل الفقيد العزيز المرحوم منذر مامي الكرام، أصدقاؤه، رفاق دربه ومحبيه،

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

نلتقي اليوم في أربعينية فقيدنا العزيز، الفير منذر مامي، لا لنستعيد الحزن فحسب، بل لنستحضر المعنى… معنى الحياة حين تُعاش بصدق، ومعنى الأثر حين يتركه إنسان في قلوب من عرفوه. ففي مثل هذه اللحظات، لا يكون الرثاء مجرد كلمات، بل شهادة حق في رجلٍ عاش بيننا، وترك بصمته في الفكر والسلوك والعمل.

عرفت الفقيد منذ نعومة أظافري، كان يومها صديقًا لأخي الأكبر، جمعتهما روابط القرابة العائلية والجوار، كما جمعتهما تجربة فريدة في مرحلة مفصلية من تاريخ العالم، حين كانا يدرسان بباريس ويواكبان أحداث ماي 1968، تلك اللحظة التي لم تكن مجرد احتجاجات طلابية، بل كانت لحظة وعي، ومخاض أفكار، وتمرينًا مبكرًا على الحرية والنقد والانخراط في الشأن العام. وقد ظلّت آثار تلك التجربة بادية في شخصيته، في انفتاحه، وفي ميله الدائم إلى الحوار، وفي حسّه النقدي الهادئ.غير أنّ معرفتي بالفقيد لم تبلغ عمقها الحقيقي إلا منذ نحو عشرين سنة، حين توطدت علاقتنا وتحولت من مجرد معرفة قديمة إلى صداقة صادقة، صداقة نمت على مهل، وتغذت من المواقف المشتركة، ومن الأيام التي اختبرت صدق الرجال. جمعنا العمل بداية صلب الجمعية التونسية للأمم المتحدة، فكنّا نتقاسم الطريق من المرسى إلى باب الأقواس، حيث مقر الجمعية، نتبادل الحديث، لا على سبيل التسلية العابرة، بل على سبيل الفكر الحي، الذي يبحث ويسائل ويقارن. ومع مرور الزمن، لم تعد تلك الرحلات مجرد تنقل يومي، بل صارت فضاءً للتفكير المشترك، ومرآةً لروحين تتلاقيان في حب الشأن العام.

ثم تطورت تلك العلاقة، كما تتطور الصداقات الحقيقية، إلى رفقة إنسانية عميقة، تعززت بلقاءاتنا الأسبوعية التي كنا نحرص عليها في المرسى، صحبة أصدقاء أعزاء، نتجاذب أطراف الحديث في شؤون الحياة، من الرياضة إلى قضايا المجتمع، من الطرائف اليومية إلى أعقد المسائل الفكرية. وكانت تلك اللقاءات، في ظاهرها بسيطة، لكنها في جوهرها كانت مدرسة في الإنصات، وفي احترام الاختلاف، وفي متعة العيش المشترك.

أيها الحضور الكريم،

لم يكن الفقيد منذر مامي رجل مناسبات، بل كان رجل مواقف. ولم يكن حضوره صاخبًا، بل كان رصينًا، عميقًا، يُدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بعلو صوته، بل بثباته حين تُختبر المبادئ. وقد أتيحت لي فرصة نادرة للعمل معه في ظرف دقيق من تاريخ بلادنا، حين التحقنا معًا برئاسة الجمهورية: أنا كمستشار خاص، وهو كمدير عام للتشريفات.

وفي تلك اللحظة، التي كانت تونس فيها تخطو خطواتها الأولى في مسار ديمقراطي دقيق، برزت خصاله الحقيقية: دقة في العمل، هدوء في اتخاذ القرار، وحرص شديد على أن تكون الدولة، في صورتها ورمزيتها، في مستوى تطلعات شعبها. وأذكر، في هذا السياق، دوره المحوري في تنظيم مراسم انتقال السلطة إثر الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، وهي لحظة كان يمكن أن تشوبها الارتباكات، لكنها مرت في أبهى صورها، بفضل كفاءته العالية، وحسه العميق بالدولة، وإدراكه لأهمية الرمز في تثبيت المعنى.

ولم يكن ذلك الحدث استثناءً، بل كان تجليًا لمسار رجل آمن بأن خدمة الدولة ليست وظيفة، بل التزام أخلاقي. وحين حاول البعض النيل من موقعه، لم يتزحزح، لا لأنه تمسك بالمنصب، بل لأن الثقة التي وُضعت فيه كانت أقوى من كل الاعتبارات الضيقة. وقد كان في ذلك درس بليغ: أن الكفاءة، حين تقترن بالنزاهة، تصبح حصنًا لا يُخترق.

أيها السادة،

كان الفقيد مثقفًا بحق، لا بالادعاء. واسع الاطلاع، دقيق الفهم، شغوفًا بالعلاقات الدولية، حاضرًا في الندوات، منخرطًا في النقاش، لا ليُظهر معرفة، بل ليُضيف معنى. وكان يعرف كيف يُنصت، وتلك خصلة نادرة، لأن الإنصات هو الوجه الآخر للذكاء.

وكان، إلى جانب ذلك، وفيًّا لأصله، لمدينته، للمرسى التي أحبها وأحبته. لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان نشأة، بل كانت ذاكرة وهوية، وكان يتابع شؤونها، كما يتابع المرء شؤون بيته، بحرص وغيرة وانتماء.أما وفاؤه الأعمق، فكان لوالده، المناضل عبد الرحمان مامي، الذي لم يكتفِ بأن يكون ابنًا له، بل كان امتدادًا لرسالته. حرص على أن يُبقي ذاكرة النضال حيّة، وعلى أن يُعرّف الأجيال بما قدمه والده في خدمة الحركة الوطنية، في زمن كان الوطن فيه يُبنى بالتضحيات. ولم يكن ذلك مجرد وفاء عائلي، بل كان وفاءً للتاريخ نفسه.

حضرات السيدات والسادة،

حين نرثي اليوم هذا الرجل، فإننا لا نستحضر سيرة فرد فحسب، بل نستحضر نموذجًا: نموذج الإنسان الذي جمع بين الثقافة والمسؤولية، بين الصداقة والالتزام، بين الوفاء للماضي والانخراط في الحاضر.

لقد كان، في حياته، هادئًا كعادته، عميقًا كفكره، صادقًا كعلاقاته. وها هو اليوم، في غيابه، يترك فراغًا لا يُملأ، لكنه يترك أيضًا أثرًا لا يزول.

نم هادئًا، أيها الصديق العزيز، فقد أديت الأمانة، وكنت وفيًا لما آمنت به. ستظل في ذاكرتنا ليس كاسم نذكره، بل كقيمة نحتكم إليها، وكصورة إنسان نقتدي بها.

رحمك الله رحمة واسعة، وجعل ذكرك الطيب صدقة جارية، وألهم أهلك وذويك ومحبيك جميل الصبر والسلوان. ﴿وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* كلمة الأستاذ رافع بن عاشور في أربعينية المرحوم منذر مامي، السبت 4 أفريل 2026 بمقر ودادية قدماء المدرسة الوطنية للإدارة

قراءة المزيد

• السفير منذر مامي في ذمّة الله 
• أربعينية السفير منذر مامي: استذكار لخصال دبلوماسي متميز (ألبومات صور) 
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.