السفير رامي فاروق القدومي، في الذكرى الـ78 للنكبة: من اقتلاع 1948 إلى الهولوكوست الفلسطيني، فالضم الصامت في 2026... كيف تتحول فكرة إسرائيل الكبرى إلى واقع؟
بقلم سفير دولة فلسطين بتونس، رامي فاروق القدومي - بين نكبة 1948 وواقع 2026، لا تبدو القضية الفلسطينية أمام مجرد استمرار لصراع مفتوح، بل أمام انتقال إسرائيلي نوعي من إدارة الاحتلال إلى محاولة استكمال النكبة نفسها بأدوات أكثر شمولًا وتعقيدًا. فإذا كانت النكبة الأولى قد قامت على التطهير العرقي المباشر وتدمير مئات القرى الفلسطينية لإقامة دولة إسرائيل، فإن ما يجري اليوم يعكس سعيًا لإعادة تشكيل الأرض والسكان والهوية السياسية الفلسطينية ضمن مشروع يتجاوز مجرد تصفية القضية الفلسطينية إلى فرض واقع جيوسياسي جديد يقوم على الهيمنة الكاملة على فلسطين التاريخية، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي العربي وللبنية السياسية التي قامت عليها المنطقة منذ عقود.
لقد شكّل السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول مفصلية في طبيعة السلوك الإسرائيلي. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد إسرائيل تتصرف باعتبارها قوة تسعى إلى “إدارة الصراع”، بل باعتبارها دولة ترى أن اللحظة الدولية والإقليمية الراهنة تتيح لها الانتقال إلى مرحلة الحسم التاريخي. وهذا ما يفسر الترابط بين الحرب الشاملة على غزة، والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية، وتسارع مشاريع الضم، وربط “يهودية الدولة” بالسيطرة المطلقة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني ديموغرافيًا وجغرافيًا.
وفي قلب هذا التحول يقف الدعم العسكري الأمريكي غير المسبوق، فالمساعدات العسكرية لإسرائيل التي كانت تدور حول 3.8 مليار دولار سنويًا قبل الحرب، قفزت بحلول عام 2025 إلى أكثر من 21 مليار دولار، في واحدة من أكبر موجات التمويل العسكري خلال العقود الأخيرة. كما وافقت واشنطن على حزم دعم عسكري إضافية تجاوزت 16.3 مليار دولار منذ أكتوبر 2023، بينها 8.7 مليار دولار ضمن الموازنة التكميلية الأمريكية، إلى جانب مليارات مخصصة لمنظومات الدفاع الصاروخي. ولم يقتصر الأمر على التمويل، بل شمل جسرًا عسكريًا ضخمًا نقل إلى إسرائيل نحو 90 ألف طن من الأسلحة والمعدات عبر أكثر من 800 طائرة نقل و140 سفينة، شملت الذخائر الثقيلة والقنابل والصواريخ والأسلحة الخفيفة، وهذا التدفق العسكري الهائل لم يكن مجرد دعم لحليف استراتيجي.
بل وفر لإسرائيل شعورًا بأن كلفة التصعيد والحرب والضم ما تزال محتملة دوليًا، ولذلك انتقلت الحكومة الإسرائيلية، التي يقودها تحالف ديني–قومي متطرف، من محاولة احتواء الصراع إلى محاولة إعادة صياغة الواقع الفلسطيني والإقليمي بالكامل، ولذا فان الحرب على الفلسطينيين لم تعد مرتبطة فقط بالأمن، بل أصبحت جزءًا من مشروع أوسع يسعى إلى تكريس “إسرائيل الكبرى” كحقيقة سياسية وجغرافية.
وفي هذا السياق تبدو غزة التعبير الأكثر دموية عن النكبة المعاصرة. فالحرب هناك تجاوزت منذ وقت طويل حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتتحول إلى عملية تدمير شاملة للبنية المدنية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تعرض القطاع إلى مستويات غير مسبوقة من الدمار طال المدن والمخيمات والمستشفيات والجامعات والبنية التحتية ومرافق الخدمات، ووجد مئات آلاف الفلسطينيين أنفسهم أمام النزوح والجوع وفقدان المأوى. لقد تحولت غزة الى مساحة يجري فيها اختبار إمكانية إعادة إنتاج منطق الاقتلاع الجماعي الذي قامت عليه نكبة 1948، ولكن بأدوات أكثر تطورًا ووحشية.
وفي الوقت الذي كان فيه العالم منشغلًا بالحرب على غزة، كانت إسرائيل تنفذ في الضفة الغربية أكبر عملية تغيير جغرافي منذ اتفاق أوسلو، حيث شهد عام 2025 المصادقة على 54 مستوطنة جديدة، مقارنة بست مستوطنات فقط خلال العقود الثلاثة الممتدة بين 1993 و2022، كما تمت المصادقة على 27,941 وحدة استيطانية جديدة، بينها 6,916 وحدة في مشروع E1 الذي يستهدف فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وضم القدس الكبرى والقضاء عمليًا على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. كما شهد العام نفسه إقامة 86 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها من ”مزارع الرعي“ المسلحة التي تستخدم للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها.
غير أن خطورة الاستيطان اليوم لا تكمن فقط في توسعه الكمي، بل في ارتباطه المباشر بمفهوم “يهودية الدولة” بصيغته اليمينية المتطرفة الجديدة، حيث لم تعد اسرائيل تطرح يهودية الدولة باعتبارها تعريفًا رمزيًا لهوية الدولة، بل باعتبارها مشروع سيادة حصرية على الأرض يستوجب تقليص الوجود الفلسطيني إلى حدوده الدنيا الممكنة، ولذا فقد اصبح التهجير القسري، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وعنف المستوطنين، و محاولات انهاء ولاية الأونروا ، جزءًا من سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة هندسة المجال السكاني بما يخدم تثبيت السيطرة اليهودية الكاملة على فلسطين التاريخية.
وعليه فان العنف الاستيطاني لم يعد مجرد انفلات مجموعات متطرفة، بل تحول إلى وظيفة سياسية وأمنية شبه منظمة. فقد سجل عام 2025 أكثر من 1,828 اعتداءً نفذه مستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، فيما قُتل عدد من الفلسطينيين وأصيب المئات، وتعرضت قرى ومجتمعات كاملة للاعتداء والتهجير. كما أدى التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين إلى تهجير نحو 40 ألف فلسطيني في الضفة الغربية خلال عام واحد، بينما هدمت سلطات الاحتلال أكثر من 1,269 منشأة فلسطينية في المنطقة المصنفة “ج” بذريعة عدم الترخيص.
وبالتوازي مع ذلك، أخذت إسرائيل تؤسس تدريجيًا لنظام قانوني دائم يعمق الفصل بين الفلسطينيين والمستوطنين، في إطار ما بات يُعرف بسياسة ”الضم الصامت بدون اعلان“ (Silent Annexation without Declaration)، أي فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية على الضفة الغربية دون إعلان رسمي شامل للضم. فقرار الكنيست الذي اعتبر الضفة الغربية “جزءًا لا يتجزأ من أرض إسرائيل” كما سماها يهودا والسامرة ، إلى جانب القوانين المتعلقة بعقوبة الإعدام بحق الاسرى الفلسطينيين، ومحاولات فرض الإدارة الإسرائيلية المباشرة على مناطق يفترض أنها خاضعة لاتفاق أوسلو، وتوسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية داخل الضفة الغربية، كلها تعكس انتقال إسرائيل من إدارة احتلال مؤقت إلى بناء نظام سيادة قائم على التمييز البنيوي بين جماعتين تعيشان على الأرض نفسها تحت منظومتين مختلفتين من الحقوق والقوانين.
كما استثمرت الحكومة الإسرائيلية ما يقارب 7 مليارات شيكل في مشاريع الطرق والبنية التحتية الاستيطانية خلال عام واحد، في إطار مشروع يهدف إلى دمج المستوطنات داخل الجغرافيا الإسرائيلية وتحويل الضفة الغربية إلى امتداد وظيفي وأمني للدولة العبرية. ولم يعد هذا المشروع يخفي أهدافه؛ إذ تحدث وزراء إسرائيليون بصورة علنية عن إدخال مليون مستوطن جديد إلى الضفة الغربية و بالتالي القضاء فعليًا على فكرة الدولة فلسطينية.
ولم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي على الأرض، بل شمل أيضًا الإنسان الفلسطيني وبنيته الاقتصادية والاجتماعية. فقد دخل الاقتصاد الفلسطيني واحدة من أخطر مراحله نتيجة الحرب على غزة، واحتجاز أموال المقاصةو التي وصلت الى حد الان اكثر من 5 مليار دولار أمريكي، ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتقطيع أوصال الضفة الغربية عبر مئات الحواجز العسكرية. وتجاوز الدين العام الفلسطيني 14 مليار دولار، فيما تعرضت السلطة الوطنية الفلسطينية لأزمة مالية وجودية هددت قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية.
وفي قلب هذه المعركة بقي ملف الأسرى شاهدًا على طبيعة المواجهة المفتوحة. فإسرائيل لم تتعامل مع الأسرى باعتبارهم مجرد ملف أمني، بل باعتبارهم هدفًا مباشرًا لمحاولة كسر الإرادة الوطنية الفلسطينية عبر تشديد ظروف الاعتقال والتضييق داخل السجون، في سياق أوسع يهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني نفسيًا وسياسيًا.
ورغم هذا الحجم الهائل من الحرب والاستهداف، فإن الفلسطينيين أظهروا قدرة استثنائية على الصمود والبقاء. ففي غزة، استمر الناس في التمسك بالحياة رغم الدمار والجوع والنزوح، وفي الضفة الغربية حافظت التجمعات الفلسطينية المهددة بالتهجير على وجودها رغم الإرهاب الاستيطاني المتصاعد. كما أن استمرار المؤسسات الفلسطينية، رغم الاختناق المالي والسياسي، عكس محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني في مواجهة مشروع يسعى عمليًا إلى تفكيك البنية السياسية الفلسطينية بالكامل.
وفي هذا السياق، لعبت القيادة الفلسطينية دورًا في إدارة هذا الصمود، سواء عبر التحرك السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، أو عبر السعي لمنع الانهيار الكامل للمؤسسات الوطنية، رغم محدودية الإمكانيات وحجم الضغوط غير المسبوقة. وربما تكمن أهمية هذا الدور في أنه حافظ على حضور القضية الفلسطينية دوليًا، ومنع تحويل المشروع الإسرائيلي إلى “أمر واقع” نهائي غير قابل للنقاش.
إن أخطر ما تكشفه نكبة 2026 ليس فقط حجم الدمار أو التوسع الاستيطاني، بل انتقال إسرائيل من محاولة إدارة نتائج نكبة 1948 إلى محاولة استكمالها تاريخيًا.
فالحرب على غزة، والضم الصامت في الضفة الغربية، وربط يهودية الدولة بالسيطرة المطلقة على الأرض، واستهداف الاقتصاد والأسرى والوجود الفلسطيني نفسه، ليست ملفات منفصلة،بل أجزاء من مشروع واحد يسعى إلى إعادة تشكيل فلسطين والمنطقة وفق ميزان قوة تفرضه إسرائيل بدعم أمريكي مطلق وغير محدود.
ومع ذلك، فإن الحقيقة التي ما تزال تعطل هذا المشروع حتى اليوم هي بقاء الفلسطيني نفسه. فبعد أكثر من سبعين عامًا على النكبة، ما يزال الفلسطيني حاضرًا على أرضه، متمسكًا بحقوقه الوطنية، وقادرًا رغم الحرب والحصار والتهجير على إفشال محاولات الحسم النهائي. ولذلك، فإن جوهر الصراع اليوم لم يعد فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على القدرة في اقتلاع شعب أثبت، رغم كل ما تعرض له، أن النكبة لم تنهِ وجوده، وأن استمرار هذا الوجود بحد ذاته أصبح شكلًا من أشكال المقاومة التاريخية.
رامي فاروق القدومي
سفير دولة فلسطين بتونس
- اكتب تعليق
- تعليق