أخبار - 2026.01.14

الميديا العربية بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى : قراءة فكرية في كتاب عبد الحفيظ الهرڤام

الميديا العربية بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى : قراءة فكرية في كتاب عبد الحفيظ الهرڤام

بقلم ماهر عبد الرحمان - لا يندرج كتاب «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» لعبد الحفيظ الهرڤام، عن دار نيرفانا، ضمن الكتب الإعلامية التي تكتفي بتشخيص الأعطال التقنية أو اقتراح حلول إجرائية. إنّه، في جوهره، كتاب قلق معرفي، يشتبك مع الإعلام بوصفه ممارسة ثقافية وسردية وأخلاقية، لا مجرّد منظومة بثّ أو صناعة محتوى.
فالكتاب لا يُخاطب الصحفيين وحدهم، بل يخاطب القارئ المعنيّ بسؤال أوسع:
ماذا بقي من المعنى في عالمٍ تحكمه السرعة، وتُدار فيه الوقائع عبر السرديات؟

من التجربة إلى السؤال

يكتب الهرڤام من موقع نادر في المشهد العربي: موقع من عاش الإعلام من الداخل، في مؤسساته الوطنية والعربية، وفي مستويات القرار والتنفيذ معًا. لذلك لا يبدو هذا العمل تمرينًا نظريًا منفصلًا عن الواقع، بل شهادة فكرية مسؤولة.

في مقدّمة الكتاب، يضع المؤلف إطار مشروعه بوضوح لافت: «لقد اجتهدتُ ما وسعني الاجتهاد في إيجاد خيط رابط بين نصوص تعدّدت مواضيعها… قاسمها المشترك السعي إلى التأمّل في طائفة من المسائل الحارقة التي كانت تُلحّ عليّ في تناولها».

تكشف هذه العبارة المفتاحية طبيعة النصّ: نحن أمام كتاب سؤال لا كتاب أجوبة، كتاب كُتب من داخل التجربة ومن داخل القلق المهني والفكري، لا من مسافة أكاديمية محايدة.

التفكير في الذات: وظيفة الإعلام المنسية

تتجلّى القيمة المركزية لهذا الكتاب في استعادته لوظيفة غالبًا ما فقدها الإعلام العربي: وظيفة التفكير في الذات.
ولا يُقصد بذلك خطابًا أخلاقيًا أو دعوة إصلاحية عامة، بل وعيًا نقديًا بشروط إنتاج الخطاب الإعلامي: من يملك الوسيلة؟ ومن يحدّد الأجندة؟ وكيف تُصاغ اللغة؟ ولصالح أي سرد تُنتقى الوقائع؟
بهذا المعنى، يدعو الهرڤام – صراحةً أو ضمنيًا – إلى انتقال الإعلام من موقع الوسيط الناقل إلى موقع الفاعل الواعي. فالإعلام الذي لا يفكّر في ذاته يتحوّل إلى آلة بثّ سريعة وفعّالة، لكنها فارغة من المعنى.

وهنا يتقاطع سؤال الكتاب مع جوهر النقد الإعلامي المعاصر: المعنى لا يُنتَج آليًا، بل يُبنى حين يعي الفاعل شروط فعله وحدوده.

الوسيط الذي يصنع الواقع

في تشريحه للتحوّل الرقمي، يذكّر الكتاب بحقيقة كثيرًا ما يتم تجاهلها: الرقمنة لم تغيّر الأدوات فقط، بل غيّرت منطق الإدراك نفسه.
هنا يحضر، ولو من دون تصريح مباشر، إرث مارشال ماكلوهان، صاحب المقولة الشهيرة «الوسيلة هي الرسالة». فالمنصّات الإعلامية لا تنقل الواقع، بل تعيد تشكيله عبر الإيقاع، والصورة، والتكرار، والاختزال.

هذا ما التقطه أيضًا بيار بورديو في كتابه «عن التلفزيون»، حين بيّن كيف لا تعكس الوسيلة الحقيقة، بل تصنعها عبر آليات انتقاء وضبط خفيّة داخل ما سمّاه “غرفة الإخراج”.
وفي السياق نفسه، يكتب الهرڤام: «المتغيرات التي ما انفك يشهدها هذا المجال، منذ أن تعاظمت سطوة الثورة الرقمية، من شأنها أن تزعزع القناعات وتلغي الآراء المسبقة، وتعيد طرح القضايا من زوايا متعددة».

لكنّ الإشكال، كما يبيّن الكتاب، أنّ الإعلام العربي دخل هذا التحوّل بلا مشروع ثقافي واضح، فكانت النتيجة وفرة تقنية يقابلها فراغ دلالي.
الإعلام العمومي: من الخدمة إلى التوظيف

في أحد أكثر فصول الكتاب حساسية، يعالج الهرڤام الجذر البنيوي لأزمة الإعلام العربي: الخلط المزمن بين الإعلام العمومي والإعلام الحكومي.
انطلاقًا من تجربة مهنية طويلة داخل مؤسسات الدولة والاتصال العمومي، يقدّم المؤلف تشخيصًا صارمًا: «فشلت مؤسسات السمعي البصري العمومي العربي في التحوّل إلى مؤسسات خدمة عامة تكون في خدمة الجمهور قبل الحكومات».

هذه الخلاصة لا تندرج في باب النقد السهل، بل تستند إلى رؤية ترى أن الإعلام العمومي هو ركيزة الفضاء الديمقراطي، وهو ما يتقاطع مع تحليل يورغن هابرماس، الذي ربط وجود الفضاء العمومي بإعلام مستقل يتيح التداول العقلاني للرأي العام.

ويُظهر الكتاب أن الخيارات التنظيمية – مثل الفصل بين الإنتاج والبث، أو دمج الإذاعة والتلفزة – ليست مسائل تقنية، بل خيارات دلالية تحدّد من يملك السرد، ومن يقرّر ما يُرى وما يُحجب.

صراع السّرديات وعصر ما بعد الحقيقة

يبلغ الكتاب ذروته الفكرية حين ينتقل من تشخيص البنية إلى تحليل صراع السرديات. لم يعد الإعلام، في عالم اليوم، ساحة تنافس على الوقائع، بل ميدان صراع على المعنى.

يكتب الهرڤام: «نحن اليوم أمام صدام سرديات، لا أمام تنافس على الوقائع».

هنا يلتقي الكتاب مع نقد نعوم تشومسكي لما سمّاه «تصنيع القبول»، حيث تُدار الحقيقة عبر الانتقاء والتأطير والتكرار، لا عبر الكذب الصريح. الحقيقة تُقال، لكن ليس كلّها، وفي سياق موجَّه.
وفي تناوله للقضية الفلسطينية، يبيّن الهرڤام كيف تتحوّل الميديا إلى ساحة حرب رمزية، حيث تُعاد صياغة الضحية والجلاد داخل خطاب مهيمن، ما يجعل المعركة الإعلامية جزءًا لا يتجزّأ من الصراع السياسي.

كتاب سؤال لا كتاب حلول

إذا كان لا بدّ من تلخيص أطروحة الكتاب، فهي أن أزمة الميديا العربية ليست أزمة أدوات، بل أزمة معنى ووظيفة.

ولهذا يختم المؤلف بسؤال مفتوح: «كيف يمكن للميديا الجادة أن تؤدي دورها في عصر ما بعد الحقيقة، وفي مجتمعات انتكست فيها القيم؟»
إنه سؤال لا يُقصد به البحث عن وصفة جاهزة، بل استعادة مسؤولية السؤال نفسه.

خاتمة

لا يمكن قراءة «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بوصفه كتاب إدانة أو حنين، بل بوصفه كتاب تنبيه. تنبيه إلى أن الإعلام، إن فقد وعيه بذاته، فقد قدرته على إنتاج المعنى، وإن استعاد هذا الوعي، استعاد دوره بوصفه فاعلًا ثقافيًا وأخلاقيًا.

في زمن الضجيج، يدعونا هذا الكتاب إلى الدفاع عن المعنى في صناعة الإعلام، ومن وراءه حق المعنى في الوجود.

ماهر عبد الرحمان

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.