أخبار - 2022.02.23

تونس: المقاربة القانونية لازمة و غير كافية لإصلاح منظومة الحكم

تونس: المقاربة القانونية لازمة و غير كافية لإصلاح منظومة الحكم

بقلم المهدي الجندوبي - انطلق قطار "الاصلاحات السياسية" عندما صدر في 22 سبتمبر الأمر المتعلق بالتدابير الاستثنائية اﻟﺬي يعلن في الفصل 22 : "يتولى رئيس الجمهورية اعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي" و حدد هذا الفصل الهدف و هو:" تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي يكون الشعب بالفعل هو صاحب السيادة و مصدر السلطات". كما حدد الملامح الكبرى: الفصل بين السلطات و التوازن بينها و تكريس دولة القانون و ضمان الحقوق و الحريات العامة و الفردية و تحقيق أهداف الثورة في الشغل و الحرية و الكرامة الوطنية".

سبق لتونس في الحقبة المعاصرة أن عاشت مثل هذه   البدايات بعد الاستقلال عندما صاغ المجلس التأسيسي دستور 1959، و بعد اعلان بيان السابع من نوفمبر  1987، اﻟﺬي أعلن حرفيا "ان شعبنا جدير بحياة سياسية متطورة و منظمة و تعتمد بحق تعددية الاحزاب السياسية و التنظيمات الشعبية" و بعد الثورة عندما اجتمع نواب المجلس التأسيسي بداية من سنة 2011 حول " الورقة البيضاء" و أعدوا سنة 2014 دستور الجمهورية الثانية اﻟﺬي تم الاعلان في 25 جولية 2021 على ايقاف العمل ببعض فصوله.

هكذا البدايات لها جمال ساحر، لأنها دائما حالمة و مفتوحة على المطلق و توهم بالقدرة على القطع مع الماضي و التجدد، لكن المثل العربي يقول العبرة بالخواتيم. بداية 59 أدت الى الانفراد بالحكم و بداية 87 التي اعلنت " فلا مجال في عصرنا لرئاسة مدى الحياة و لا الى خلافة آلية لا دخل فيها للشعب"، انتهت بنظام "انقلب على نفسه"  كما قال الشاعر اولاد أحمد في تقديمه لاحدى كتب الصحفي توفيق بن بريك.

كذلك بداية 2012-2014 أدت الى وضع لا أجد عبارة تلخصه أفضل من عبارة " ترﺬيل" التي تم تداولها على كل الألسن طوال سنة و نيف، قبل 25 جويلية 2021 و ما كان لـ25 أن يكون لو لم تعبد له الطريق على امتداد العشرية السابقة. اذا عم "الترﺬيل" و انتشر فذلك أحسن حجة أنه ليس رغبة لشخصية أو لطرف مخصوص، لكنه سلوك شبه جماعي سمحت به المنظومة التي أفرزت تناقضاتها الداخلية في غفلة من آبائها المؤسسين و حسن نواياهم، و عجزت على اصلاح نفسها فتداعت.

فهل نحن على مشارف بداية رابعة أولها حلم و آخرها كابوس؟ و ما العمل للتقليص من اعادة انتاج الفشل؟

غلب الحرص عند هندسة منظومة 2014 على تجنب "عودة الديكتاتورية" الى درجة أصبح فيها صاحب السلطة المنتخب ديمقراطيا يحظى بشرعية فعلية لكنه مقيد اليدين شبه عاجز على الفعل. كما تم التوسع في بعث مؤسسات كان القصد منها تجنب احتكار القرار، من غير الانتباه الى تكلفة تسييرها على المجموعة الوطنية و لم يقع الانتباه بالقدر الكافي الى أهمية مواءمة المؤسسات و القوانين بصفة عامة مع ثقافة المجتمع و قدرته على هضم الكم الجديد من الأفكار  و أساليب العمل الجديدة.

المنظومة السياسية  التي تم اعتمادها سنة 2014 هي بالأساس منتج تشارك فيه رجال القانون و نخبة المناضلين اﻟﺬي تلظوا بنار الحكم الفردي و غابت عن تلك اللحظة مساهمات كان يمكن أن يقدمها الباحثون في مجال التاريخ و علم الاجتماع و خبراء تنظيم الشؤون المالية و الادارية كما غابت شريحة أصحاب التجربة من المسؤولين المتمرسين بشؤون الادارة و السلطة. و غاب أيضا، خبراء العلوم السياسية و هي علوم استقلت على وصاية و هيمنة المدرسة القانونية كما كان ﺬلك في الخمسينات. و من المفيد أن يكون التمشي اليوم متعدد التخصصات و الاستئناس بمساهمات من حقول علمية أخرى غير علم القانون، يمكنها أن تقدم اضافة نوعية و فريدة.

دور العلوم الانسانية و الاجتماعية

يجب الانفتاح على الباحثين في علم الاجتماع و علم النفس الاجتماعي اﻟﺬين يمكن أن  تعهد لهم و هذا ﺫكرا لا حصرا،  معالجة النظرة للسلطة عند من يمارسها من المسؤولين و من يتعامل معها من المواطنين بين الاعجاب و الولاء و الطاعة و  الحذر و  التوجس و المعارضة  و  التمرد.

علم الاجتماع يمكن أيضا أن يساعد على فهم أفضل لقدرة المجموعة على قبول الجديد و هناك نظرية كلاسيكية تتعلق بالجدة و انتشار كل جديد في المجتمع و العوائق و المراحل اللازمة  théorie de la diffusion de l’innovation. فهل من الأفضل تحت الرغبة الملحة للإصلاح تغيير الكثير من المؤسسات و الأسماء مع خطر عدم هضمها و ممكن رفضها من الناس أو التغيير التدريجي لضمان قبول الجديد؟

من الأخطاء التي قد تكون تجربة ما  قبل الثورة و ما بعدها  وقعت فيها هو النقل شبه الآلي لمؤسسات مستوحاة من تجارب اجنبية من غير اعتبار ظروف زرعها في البيئة التونسية و في هذه  الصورة يمكن التفكير في التدرج أو الاصلاح على مراحل حسب "جرعات".

مفهوم "التشاركية" الذي تم تكريسه دستوريا هل يكفي اعلانه على الورق و تكراره على السنة المسؤولين و ما هي علاقته و مدى تناقضه مع بمفهوم "السلطة الأبوية"؟ و هل يمكن المطالبة بالتشاركية كحق جديد للمواطن خارج مناقشة اشكالية المعادلة بين الحقوق و الواجبات؟

ما هي الخبرة التفاوضية في كل مستويات السلطة في تونس؟ كم مرة سمعنا وزيرا يغادر وزارته و يتهم بمرارة النقابات بتعطيل برامجه لكن هل فعلا كانت للوزير و لطاقمه المهارات التفاوضية الكافية و هل فشله مع النقابيين من أجل "صحة راسهم" و "لا مسؤوليتهم" فقط أم نتيجة قصور , رسم الأهداف و في ادارة الازمات و القدرة على التفاوض و ما قيمة برنامج طموح و جميل على الورق ليس له حظوظ القبول و التنفيذ؟ المثقف يكتب كتب أما السياسي فهو مطالب بالنتائج obligation de résultat. هذه بسرعة بعض الاشكاليات التي لا يمكن حسمها قانونيا و هي المجال الطبيعي للخبراء و الباحثين الاجتماعيين.

المقاربة التاريخية

من جهتهم، الباحثون في التاريخ و بعضهم متخصص في تاريخ مؤسسات الحكم  يمكن على سبيل الذكر لا الحصر أن يقدموا اضاءات حول قضية محورية و هي "مركزية الحكم" فبعضهم اشتغل على تطور النظام الاداري ﻣﻨﺫ  السلطة العثمانية مرورا بالنظام الاداري في الفترة الاستعمارية وصولا الى تجربة الدولة الوطنية بعد الاستقلال و اليوم نحن أمام جدل قديم متجدد حول السلطة المركزية و السلطة  المحلية و ليس الباب السابع  في دستور 2014  اﻟﺬي يحمل اسم السلطة المحلية، سوى محصلة لهذا الجدل.

كذلك تسمية بعض المناصب قد تبدو في الظاهر مسألة شكلية او جزئية لكنها في الواقع تحمل دلالة لا يستخف بها بالنظر الى تاريخ تونس و انخراطها في بيئتها العربية الاسلامية مثل تسمية "والي" و هي منخرطة في تاريخ عربي اسلامي قديم و لها ايحاءات مثل "الولاء" الى من عينك، أو "الولي" بما يحيل الى الرابطة الأسرية القوية بين الحاكم و المحكوم،  بينما عدة دول عربية تطلق على نفس الخطة مصطلح "محافظ" و هي أكثر "جدة" و أقل انخراط حضاري. في نفس السياق عندما تغيرت في تونس زمن الزعيم بورقيبة تسمية "الشيخ" و ما توحي به من "وجاهة" و تحولت الى "عمدة" رغم المحافظة على نفس المهمة الادارية، بقي قسم من الناس متمسكون الى اليوم بعبارة "الشيخ".

عندما طرح جدل النظام الرئاسي و النظام البرلماني بداية العشرية تم اهمال الخلفية الحضارية و الاجتماعية لمثل هذه  القضايا و غلب الجانب التقني القانوني و الجانب السياسي لكن يمكن للباحثين في التاريخ و العلوم الاجتماعية طرح مقاربة أخرى كأن نتساءل هل هناك علاقة بين النظام الرئاسي و السلط الأبوية المترسخة في مجتمعنا و سمعت خبراء قانون في فرنسا يقولون بين جد و هزل، رئيس الجمهورية ملك لكن من غير توريث، أي هم يقرون بتواصل نمط ملكي في النظام الجمهوري و هذه أبعد ما يكون على القضايا القانونية، فهي مسائل تاريخية و اجتماعية فرغم الشكل الظاهري هناك خصائص قديمة تستمر و كأنه ثأر الزمن أن يسكن القديم في اللباس الجديد.

مساهمة خبراء الشؤون الادارية و المالية

غاب خبراء الشؤون الادارية و المالية ضمن الفرق التي هندست منظومة 2014  و جل القوانين التي أنشأت مؤسسات سقطت في خطأ اقتراح بعث مؤسسات دون التفكير من البداية في هيكلها الاداري و تكلفتها المالية حتى بصفة تقريبية و يمكن أن يتسبب هذا التغييب في بعث هيكل قانوني جديد و عند تجسيمه على أرض الواقع نندهش لحجم الامكانيات اللازمة من موارد بشرية و مالية، تمثل أعباء ثقيلة لم يقع الانتباه اليها بالقدر الكافي.

على ضوء التجربة السابقة هناك حاجة اليوم الى كشف حول البناء الاداري لبعض المؤسسات و حجم تكلفتها. فهل وقع "اسراف عن حسن نية" أدى الى "التورم المؤسساتي"؟ و هل يمكن تجميع كل المؤسسات أو بعضها في مبنى واحد و مناقشة مفهوم "الاستقلالية" الوظيفية و هل هي بالضرورة تشترط الاستقلالية المالية او استقلالية المباني وهل يمكن التفكير في دائرة المصالح المشتركة لمجموعة من المؤسسات الدستورية بهدف الضغط على المصاريف.

ليس أفضل من خبراء الشؤون الادارية و المالية للإجابة على مثل هذه  الأسئلة التي غابت في التجارب السابقة قبل الثورة و بعدها و هناك مخاوف أن يستمر تغييبها عن غير قصد تحت ضغط الوقت أو  مجرد تكريس عادات عمل سابقة اذ تعودنا نصنع القوانين ثم الأوامر التطبيقية ثم نبعث الهيكل و نوظف الموارد.

مفهوم التكلفة المالية لماكينة الحكم le train de vie de lÉtat من المفاهيم التي لا يمكن مواصلة تجاهلها مستقبلا.

شهادة المسؤولين السامين السابقين

كل منظومة قانونية مهما كانت متقدمة على الورق يمكن أن تفصح على محك التجربة على بعض النقائص و ليس أفضل من خبرة المسؤولين السابقين الذين مارسوا هذه المنظومة و عملوا ضمن اطارها لتقديم عصارة تجاربهم في مختلف مستويات و مجالات المسؤولية : وزراء، ولاة، مديرو ادارات مركزية، معتمدون، الخ.
ماهي تجربتهم كأصحاب قرار على ضوء المنظومة القانونية التي كانت الاطار المرجعي لأداء مهامهم. ما هي أهم العوائق التي عطلت أعمالهم و ما هي اقتراحاتهم؟. كيف يمكن أن نصلح منظومة من غير هذه الخبرة الثمينة؟ لذلك هناك حاجة لتجميع أكبر عينة من هذه الشهادات و لا أرى أفضل من المدرسة العليا للإدارة لاحتضان هذه التجربة.

الفشل أو الخطأ المصحح؟

مؤسسات متكاثرة عقدت الحكم و عطلته من حيث هي تريد تقنينه و تقييده و ترشيده و أفرطت في استهلاك الموارد لأن ترجمة ما يرسم على الورق الى واقع يستوجب جيشا من المسؤولين السامين و الموظفين أنشأ بيروقراطية ديمقراطية ثقيلة على ميزانية دولة كادت ديونها تضاعف في عشرية واحدة، هذه    مفارقة تجربة منظومة الحكم في العشرية الماضية.

و من أهم أسباب هذا   المأزق استئثار رجال القانون بمهمة اصلاح المنظومة السياسية. فالمقاربة القانونية ليست سوى واحدة من عديد المقاربات المعرفية التي يجب ان تتكامل و تتعاون و لا أرى أفضل من فتح الباب عريضا للجامعة التونسية بكل تخصصاتها في العملية الطموحة التي تستعد تونس مجددا لانجازها الأشهر القادمة و هي الهندسة الجديدة لأنظمة و أسلوب الحكم.

و يمكن لمعهد الدراسات الاستراتيجية أن يشرف على مثل هذه الدراسات بتعاون مع الجامعات التونسية و المدرسة العليا للإدارة. فالخبرات و المؤسسات العلمية متوفرة في تونس بعد أكثر من 60 سنة من الاستقلال لكن المشكلة في توظيفها و التخطيط المحكم لها و ربط القضايا و المشكلات التي تواجهها السلطة العامة بالقدرات البحثية و عدم استسهال الحلول و الافتتان بخطاب البديهيات و الحقائق التي لم نخضعها للمراجعة الهادئة و المتأنية و لم نعرضها للجدل و النقاش و هو النمط السائد من الخطاب السيار لكثير من السياسيين في السلطة و المعارضة لأن هاجس مخاطبة الراي العام عبر وسائل الاعلام و هو ضريبة الديمقراطية الانتخابية، أنساهم أن الفهم و المعرفة هدف في حد ﺫاته و هو عمل فكري مستقل و لا يخضع لموازين القوى السياسية و لا لنواميس الدعاية و أساليبها أو ما نسميه بعبارة حديثة "الاتصال السياسي".

أفضل ما في الفشل رغم بؤسه أنه ثري بدرس الواقع و كلما انتبهنا الى هذا الدرس هيأنا أسباب نجاح التجربة القادمة و تحول الفشل المحبط الى "خطأ مصحح" و وعي جديد. إصلاح طرق التفكير و اعتماد تعدد المقاربات و التخصصات هو شرط من شروط "الاصلاحات السياسية".

المهدي الجندوبي


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
1 تعليق
التعليقات
سليم - 25-02-2022 07:52

مقال هادئ ورصين يذكرني بدور الحكيم بيدبا مع الملك دبشليم في كليلة ودمنة... فهل يسمع دبشليم تونس اليوم؟

X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.