أخبار - 2021.10.07

محمد إبراهيم الحصايري: وَقْـفَةٌ عند تحدّيات مغرب عربي موجوع

محمد إبراهيم الحصايري: وَقْـفَةٌ عند تحدّيات مغرب عربي موجوع

المغربُ العربيّ، مَغْرِبُنَا العربيّ يعيش حاليا وضعا في غاية التخبّط، فهو يواجه أزمة عميقة متعدّدة الأوجه والأبعاد، حتى لقد بات مشهده مشهدا مُحزِنا ومُزدَحِما بالتهديدات نتيجة ما ينطوي عليه من أسباب الاضطراب والارتياب.

وحتى أنبِّهَ إلى خطورة هذا الوضع، أريد، في هذا المقال، أن أتوقّف عند أهم التطورات التي تتابعت خلال الصائفة الماضية التي كانت صائفة ساخنة، بشكل خاص، بالنسبة إلى مختلف البلدان المغاربية، سواء على الصعيد الداخلي أو على الصعيدين الثنائي والإقليمي.

وقد تمثلت هذه التطورات فيما يلي:

قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب، في 24 أوت 2021، وقد أعقب هذا القرار قرار آخر في 22 سبتمبر 2021 أغلقت الجزائر بموجبه أجواءها في وجه كافة الطائرات المدنية والعسكرية المغربية والطائرات المسجَّلة في المغرب.

إغلاق الحدود البرّية والجوّية بين ليبيا وتونس بقرار آحادي من حكومة الوحدة الوطنية الليبية، في 8 جويلية 2021، في المُعْلَن، لأسباب صحّية تتعلق بانتشار فيروس الكورونا، وفي المكتوم، لأسباب أمنية. وقد تسبب هذا الإغلاق في توتر العلاقات بين البلدين لمدة أكثر من شهرين.

عمليّةُ انتقال سياسي مهدَّدَة بالانهيار في ليبيا بسبب الصعوبات التي تعترض تنظيم الانتخابات العامّة في 24 ديسمبر 2021، ممّا قد يُوقِعُ البلاد، من جديد، في دوامَة العنف والفوضى واللاّيقين. وقد أثار تصويت البرلمان الليبي في 21 سبتمبر 2021 على توجيه لائحة لوم إلى الحكومة المخاوفَ، لأنّه يُنْذِر بتصعيد التوتر بين المعسكرين المتنافسين في الشرق والغرب.

إلى جانب ما تواجهه البلدان المغاربية، أصلا، من أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية متفاوتة الصعوبة، فإنّها ما تزال تعاني بشدّة من تداعيات جائحة الكوفيد 19 التي عرّت نقاط ضعفها الهيكلية.

ومن ناحية أخرى، وعلاوةً على ما تقدّم، يواجه المغرب العربي في محيطه المتوسّطي والإفريقي تحدّياتٍ بل ومخاطرَ من شأنها أن تزيد من تعقيد وضعه، ذلك أنّه بالإضافة إلى توتّراته الداخلية، يقع بين منطقتين متصاعدتيْ التوتر، إحداهما في الشَّمال، في البحر الأبيض المتوسط، والأخرى في الجنوب، في منطقة الساحل الإفريقي.

أما في الشَّمال، أي في البحر الأبيض المتوسط، فإنّه من الضروري مراقبة التطورات والتوجّهات التالية، بكل يقظة:

منطقُ المنافسة إن لم يكن المواجهة الذي ما فتئ يترسّخ ويحتدّ في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما مع الاستراتيجيات الجديدة التي باتت روسيا وتركيا تنتهجانها في المنطقة وتحديدا في ليبيا...

تحوّلُ المغرب العربي أكثر فأكثر، إلى موضوع اهتمام متزايد من قِبَلِ كبار اللاعبين الإقليميين والدوليين، وهو ما يُخشى معه أن تصبح منطقتنا ضحية للعبة القوى التي يسعى البعض منها إلى الحفاظ على مكاسبه فيها، بينما يحاول البعض الآخر التموقع فيها...

تفاقمُ خطر "توريد" المزيد من أسباب التأزّم الخارجية القادمة خاصة من الخليج ومن آسيا مع دخول فاعلين إقليميين غير متوسطيين في البحر الأبيض المتوسط...

عوامل الفرقة الناجمة عن مشكلة "الإسلام السياسي" الذي ما تزال تركيا وحليفتها قطر تتزعّمان مساندته، بينما تتزعم مصر وحليفتاها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مواجهته...

تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل الذي أجّج التوتر مع الجزائر، خاصة وأن الرباط حصلت، في مقابل تقاربها، مع تل أبيب على اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية.

نزعةُ المغرب وإسرائيل، وفقا لما جاء على لسان وزير الخارجية المغربي، بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لـ "الاتفاقيات الابراهيمية" مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى إقامة "نظام إقليمي" جديد، تكون إسرائيل جزءا لا يتجزأ منه، حتى لا تظل طرفا دخيلا على منطقتها، مع التأكيد على أن "هذا النظام الإقليمي الجديد لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه ضد أحد ما، بل من أجل خيرنا جميعا".

رغم أنه لا جدال في أن استقرار المغرب العربي ضرورة حتمية بالنسبة إلى أوروبا، يبدو أن الأوروبيين لا يعيرون جيرانهم المغاربيين الاهتمام المطلوب والذي يستحقونه. ومما يدل على أنهم لا يقدّرون المغرب العربي حق قدره، أنهم كما أوضح ذلك حكيم القروي بشكل جيّد، لا يدمجون البلدان المغاربية في تفكيرهم الاستراتيجي العام، وقد أشار في هذا الصدد، عن حق، إلى أن خطة الإنعاش الأوروبية التي تهدف إلى ضمان استقرار أعضاء الاتحاد الأوروبي (750 مليار يورو، نصفها في شكل منح والنصف الآخر في شكل قروض) لم تشمل هذه البلدان.

أما بالنسبة إلى الجنوب، أي منطقة الساحل الإفريقي، فإنّه من الضروري إيلاء اهتمام خاص للتطورات التالية:

تفاقم التدخلات الخارجية في المنطقة الذي بات يمثّل مشكلة متزايدة الخطورة بالنسبة إلى استقرارها...

وجود شركة "فاغنر" شبه العسكرية الروسية الخاصة في إفريقيا، وبالذات في ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، وخاصة احتمال توقيعها عقدا مع مالي، مما يبعث على الانشغال والقلق بالنسبة إلى بعض بلدان المنطقة، وخاصة بالنسبة إلى فرنسا والبلدان الغربية.

اختفاء الرئيس التشادي إدريس ديبي إتينو فجأة في أفريل 2021، وتداعياته أولا على بلاده، وثانيا على مجموعة الدول الساحلية الخمس، التي لعب دورا بارزا في إنشائها...

استقواء الجماعات الإرهابية في بلدان الساحل (الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أو تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى).

صعوبة الوضع الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة وهو ما يتطلب بالضرورة زيادة المعونة والدعم متعدّد الأوجه لبلدانها خاصة وأنها تواجه تحديا مزدوجا، أمنيا وتنمويا، كما إن السياق الناجم عن جائحة الكوفيد 19 وعن تداعياتها الاجتماعية والصحية والاقتصادية زاد من تفاقم أوضاعها.

الانتقال الصعب في مالي حيث لم يؤدّ تدخل فرنسا والمجتمع الدولي طيلة تسع سنوات إلى نتيجة تذكر، وخاصة توجّه باماكو نحو اللجوء إلى التعاقد مع شركة "فاغنر" شبه العسكرية الروسية الخاصة.

قرار الرئيس إيمانويل ماكرون خفض الوجود العسكري الفرنسي في مالي، وإنهاء عملية "برخان"، والمضي قدما في إعادة نشر القوات الفرنسية في منطقة الساحل.
النزوع إلى تحويل المغرب العربي، على نحو متزايد، إلى منطقة عازلة يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إشراكها في إدارة الهجرة الإفريقية إلى بلدانه.

هكذا هو الوضع المُرَكَّبُ والمُعَقَّدُ الذي يعيشه المغرب العربي، مغربنا العربي، الآن. وغني عن البيان أنه مرشّح لأن يزداد تدهورا إذا لم يتمّ فعل شيء ما من أجل معالجته.

إن خلق تيّار مضاد للحيلولة دون استمرار التصعيد بات ضرورة حتمية وملحّة. وفي رأيي، فإن هذه مهمة هي مهمة المجتمعات المدنية وقوى التقدم المغاربية التي برهنت على ديناميكيتها خلال السنوات الأخيرة. 

واليومَ، هي أكثر من أي وقت مضى، مدعوّة إلى أن تكون نَشِطَةً، وأن تعمل، فرديا وجماعيا، من أجل دفع السلطات السياسية في بلداننا إلى العودة السريعة إلى العقل، وتخفيف حدة التوتر، واستئناف الحوار، وتطبيع العلاقات المغاربية بهدف إعادة إطلاق عملية تكامل حقيقية وصادقة من شأنها أن تساعد مغربنا العربي الموجوع على الخروج من هذه الصعوبات التي تكبّل حاضره وتهدّد مستقبله المشترك... 

محمد إبراهيم الحصايري

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.