أخبار - 2021.08.17

الصادق بن مهني وخديجة توفيق معلَّى - تونس: اللّحظة لحظة فاصلة

الصادق بن مهني وخديجة توفيق معلَّى - تونس: اللّحظة لحظة فاصلة

يُوجعنا أن نرى غالبية من يُنعتون بالنّخبة أو النّخب يتابعون تطوّر الأوضاع في بلادنا دون أن يحرِّكوا ساكنا...

ونحن طبعا لا نتحدّث هنا عن أولئك الّذين تهافتوا يدافعون عن مسار كاذب بالدّعوة إلى العودة أو الرّجوع إلى حكم المؤسّسات ومسار الانتقال الدّيمقراطيّ، وفيهم من كان قبل 25 جويليه ينادي بتعديل الدّستور أو تصحيحه وبإبدال نظام الانتخابات، وغدا اليوم نصيرا فعليا لمن صنعوا عشريتنا الكئيبة ببرلمانها التّعيس وتسلّط الفاسدين وهدم المنجزات القليلة الّتي منحتنا إيّاها الثّورة. بل نحن نتحدّث عمّن نحسّهم فعلا يبتغون وضع البلاد من جديد على درب ثورتها واسترداد المنجزات الّتي توقّف دفعها إلى الأمام بل وتقاطر التّهافت عليها منذ مساء 14 جانفي 2011.

قد يكون رئيس الجمهوريّة لم يستجب بالسرعة المطلوبة لمتطلّبات بدء تشييد بناء جديد. وقد لا تكون بعض مواقفه - بل إنّ بعض مواقفه - لا تستجيب لطموحات حشود كثيرة ولتوق من اجترحوا الثّورة وأبدعوها...وقد يكون تأخّر بعض الشّيء أو حتّى كثيرا قبل أن يأخذ بزمام الأمور ويحوّل الدّولة من التّيه باتّجاه ما نصبو إليه. وقد يكون تعزيزه للمسار الجديد لا يتمّ بالنّسق المناسب ويطمع مغتصبي ثورتنا (بأصنافهم وعلى اختلاف ولاءاتهم وجنسياتهم) فيه وفي تونس وفينا.
ولكن ألا يعني هذا أنّ رئيس الجمهوريّة في حاجة إلى دعم وإسناد وأيضا إلى إرادة داعمة متى اقتضى الحال؟ وألا يعني هذا أنّ على نسائنا وشبابنا أن يهبّوا مرّة أخرى وفي نفس الآن ليدفعوا عن رئيس الجمهوريّة الأذى ويمنعوا أيّ أذى قد يأتي منه.

نحن لا ندعو لمعاضدة رئيس الجمهوريّة دون تمييز وبلا قيد أولا شرط. بل نحن نزعم أنّه علينا أن نوجّه مقاومتنا قبلا نحو كلّ هؤلاء الّذين يعملون على إطالة عمر المنظومة القديمة إمّا لأنّهم منها وإمّا لأنّها لاقت هوى في نفوسهم وفي جيوبهم فانضمّوا إليها أو سايروها.

نحن مع القائلين بأنّ موقف رئيس الجمهوريّة من مسائل اجتماعية كالمساواة في الإرث وما إلى ذلك لا يمكن أن يستشعر منه خير... ولكنّنا لا نفهم كيف يهلع البعض من هذا الموقف إلى درجة تفضيل الوضع السّابق والمناداة بالعودة إليه. أفهل كنّا حقّا في دولة مؤسّسات؟ وأهل حقّقت التّونسيّة خلال العشرية المنصرمة مكاسب تذكر عدا أنّها وسّعت نضالاتها ووثّقت مقاومتها وظلّت متيقّظة تتصدّى؟

نحن أيضا نخاف الاستبداد والحكم الفرديّ والدّكتاتوريّة. لكن ألم نكن على امتداد العشرية المنقضية نواجه الاستبداد والجور وتفاقم الفساد؟

ونحن ندّعي تبنّي الصّراع الطّبقيّ ونتعلّم أبجديات المادّية الجدليّة كان يحلو لنا أن نحلّل أيّ وضع بتفكيكه بناء على ما كنّا نرى فيه تناقضات رئيسيّة وتناقضات ثانويّة. وتذكّرا لهذا التمشّي في التّحليل نتساءل: هل التّناقض الرّئيسيّ الّذي يشقّ وطننا هو هذا الّذي يقابل بين المنظومة القديمة الّتي شحذت أسلحتها وتوسّعت وتجدّدت وبين عموم النّاس الّذين من مصلحتهم أن تمضي الثّورة قدما أم التّناقض بين الأخيرين وبين رئيس الجمهوريّة؟

اللّحظة الفاصلة الّتي أحدثها تحرّك رئيس الجمهوريّة في 25 جويليه مثّلت استجابة لتوق جماهير عريضة إلى وطن جديد عادل وحداثيّ ومنصف. لذلك هبّت هذه الجماهير وفاجأت الجميع باتّساع أطيافها. ولذلك أيضا امتنعت جماهير كانت تحسب موالية بصفة مطلقة للمستبدّين الجدد عن الاستجابة لاستغاثات من كانوا يحسبون على أنّهم قادتها وزعيمها المقدّس.

من مارس الفساد أو سكت عليه لا يصلح. ومن قتل عن عمد مرّة يسهل عليه أن يقتل مرّة بل مرّات غيرها. ومن سفه وخاتل وراوغ لا يجب أن يؤتمن أبدا. ومن حرّض الأجانب على بلاده وابتغى تهييج الشّارع وبثّ العنف لا يمكن أن يسلم من أذاه البتّة.

كلاّ. نحن لا ندعو لمساندة غير مشروطة وباتّة لرئيس الجمهوريّة، ولم نعطي صكا على بياض له ولا لغيره في الماضي، ولن نفعل هذه المرة أيضا. غير أنّنا نرى أنّه على كلّ عاشق صادق ومخلص لبلدنا هذا أن يجد لنفسه دربا أو وسيلة للوقوف مع طموحنا إلى الأفضل والأعدل والأجدى فيسهم في كفّ أذى الفاسدين والمدّعين والمتجبّرين وفي حماية القوى الدّافعة إلى الأمام ولو شوطا.

كما يبدو لنا أنّنا نكون أقرب إلى الحكمة لو تصدّينا للخطر الدّاهم المتّسع والمحتدّ كلّ يوم وساعة وأجّلنا أو وضعنا في مرتبة أدنى التّصدّي للخطر المحتمل.

وفي ظنّنا أنّ اللّحظة الّتي نعيشها تتطلّب منّا المبادرة والإبداع في المقاومة ورصّ الصّفوف والمداومة على الفعل. وهذا ما لا تقدر عليه إلاّ حشود بناتنا وأولادنا إذ يهدرون فيرعبون الظّالمين رغم عري صدورهم ويدكّون عروشهم ويهزّون كراسيهم.

الصادق بن مهني وخديجة توفيق معلَّى


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.