أخبار - 2021.06.29

الفائدة الصفْرية والفائدة السّلبية وجْهان لعمْلة رَبوية واحدة

الفائدة الصفْرية والفائدة السّلبية وجْهان لعمْلة رَبوية واحدة

د. محمد النوري/أستاذ وباحث في الاقتصاد الإسلامي - تعدّدت الكتابات والسجالات في السنوات الأخيرة عن مقولة "الفائدة الصفرية" التي يتمّ بموجبها الحصول على قروض بمعدل فائدة يساوي صفرا وكذلك عن "الفائدة السلبية" التي يكون فيها سعر الفائدة سالبًا دون الصفر، وهي سياسة نقدية جديدة غير معهودة سابقا في ممارسات ونشاطات البنوك المركزية والمؤسسات التمويلية الرأسمالية المستندة الى سعر الفائدة (معدّل الرّبا).

وقد أثارت هذه السياسة الملفتة للانتباه تساؤلات عديدة منها ما هو اقتصادي من حيث النظر في جدواها الاقتصادية ودورها في معالجة حالات الركود والانكماش التي نجمت عن الازمة المالية الأخيرة التي شهدها العالم الرأسمالي بداية من عام 2008، وضاعفت من حدّتها الأزمة الراهنة المرتبطة بجائحة الكوفيد-19، ومنها ما هو مالي من حيث تأثيراتها على حركة السوق المالية ودورها في تمويل الاقتصاد وإنعاش النموّ عبر محرّكي الاستهلاك والاستثمار، ومنها أيضا ما هو نقدي بحت من حيث انعكاساتها المباشرة على مستوى السيولة وعرض النقود ومعدّلات التضخم وعجز الموازنة العامة، ومنها أخيرا، وهذا الأهم في مضمون هذه المقالة المختصرة، ما هو أخلاقي وشرعي من حيث موقف الشرع الإسلامي من هذه السياسة وتحديدا علاقتها بالرّبا باعتبار صورتها العكسية التي تختفي من خلالها الفائدة المحظورة ظاهريا مما يشكل في الأذهان لبْسا وغموضا بحاجة ماسة الى التجلية والتوضيح. 

ما المقصود بالفائدة الصفرية أو السلبية؟

في نظر غير المختصين يعدّ من غير المنطق ان يحصل شخص ما في عالم اليوم على قرض دون أن يدفع الى البنك المقرض فائدة محدّدة ناهيك عن تمتّعه بمكافأة نقدية عند ردّ القرض وهو عكس المعهود تماما حيث لا تخلو المعاملات مع البنوك من فوائد غالبا ما تكون مشطّة وغرامات تأخير كعقوبة مجحفة في حالات التوقف عن سداد الديْن.

والاكثر غرابة ايضاأن يحصل عكس هذه الصورة حيث يودع شخص ما أمواله في البنكأملا في الحصول علي عائد استثماري فيجد نفسه مرغما على دفع عمولة الى البنك مقابل حفظه له من مخاطر تآكل قيمته مع الزمن ليس بسبب التضخم فحسب، ولكن بفعل الخصم الفعلي منها.

وقد طبّقت هذه السياسة مجموعة هامة من الدول يفوق العشرين بلدا مثل سويسرا والدنمارك والسويد واليابان  والعديد من بلدان منطقة اليورو وغيرها. وتشير الأرقام المتاحة إلى أن خمس الناتج المحلي الإجمالي على المستوى العالمي يأتي حاليا من بلدان تطبق سياسة الفائدة السلبية، بما فيها اليابان والاتحاد الأوروبي والدنمارك وسويسرا والسويد، وأن عدد سكان تلك المجموعة من بلدان الفائدة السلبية يبلغ نحو 500 مليون نسمة، وربما يكون ذلك مؤشرا على اتساع نطاق هذه السياسات على المستوى العالمي، إلا أن هذا لا يعني في نظر كثير من المختصين نجاحها حتى الآن حيث كانت من نتائج تطبيقها في اليابان مثلاخسارة المصارف اليابانية نحو 35 في المائة، وخسارة أسهم المصارف الأوروبية نحو 30 في المائة وتراجع أسهم المصارف الأمريكية بما يقارب 20 في المائة(1).

وهنا يطرح السؤال الطبيعي: لماذا اذن تستمر البنوك المركزية في تلك البلدان وغيرها في اللجوء الى هذه السياسة التي لم يكن لها مردود ايجابي على أرض الواقع ولم تحقق الأهداف المرجوّة من ورائها؟

يجيب التحليل الاقتصادي التقليدي عن هذا السؤال بأنه في حالات الانكماش لا مفر أمام الحكومات من الضغط علي البنوك المركزية باتخاذ إجراءات ردعية لكل سلوك يؤدي الى تكديس الأموال عوضاً عن الإنفاق والاستثمار، لأن الانكماش يؤدي بدوره إلى انخفاض الطلب الكلي في الاقتصاد وهبوط الأسعار وبالتالي انخفاض في الإنتاجية وزيادة نسب البطالة، وبناء عليه لا بدّ من تجنيب البنوك التجاريةمن الإيداع في البنوك المركزية وتوجيهها نحو إقراض الشركات والأشخاص، حيث أن خفض نِسب الفائدة تحت الصفر سيجعل الاقتراض أسهل ويزيد الطلب على القروض ويحفّز الإنفاق والاستثمار.

ومن هنا يأتي انتعاش الاقتصاد عبر زيادة الاستثمار الذي يساهم بدوره في إنهاء انكماش الأسعار وربما رفع نسبة التضخم بشكل طبيعي ومفيد للاقتصاد. كما أن أسعار الفائدة السلبية تقوم بتخفيض سعر العملة وهو ما يعطي ميزة سعرية تنافسية للمصدّرين في الأسواق الأجنبية.

التخبط الاقتصادي للنظام الربوي

لقد أشار الاقتصادي البريطاني الشهير جون مينارد كينز في نظريته العامة الى هذه المفارقة الصارخة التي يتخبط فيها النظام الرأسمالي المستند الى سعر الفائدة عندما اعتبر انه كلما كان سعر الفائدة مرتفعا كلما كانت كلفته باهظة على المستثمرين من حيث ارتفاع كلفة الاقتراض التي تؤدي الى ارتفاع كلفة الإنتاج وبالتالي ارتفاع الأسعار وتصاعد التضخم. وكلما كان سعر الفائدة منخفضا أو محدودا كلما أضرّ بالمودعين الذين يأملون في الحصول على عائد مجْزي لودائعهم ومدخراتهم. ففي الحالة الاولى يعاقَب المستثمر وفي الحالة الثانية يعاقَب المُودع، وكأن سعر الفائدة(أو معدّل الرّبا) تحول من أداة لتخصيص الموارد وتعظيم المنافع وخلق الثروة الى أداة لمعاقبة رأس المال حيثما كان سواء كانوديعة استثمارية او قرْضا تمويليا.وانتهى بمقولته الشهيرة "لايمكن أن تنتهي الأزمات الاقتصادية في العالم إلا عندما يكون معدّل الفائدة صفرا "(2)، وهو المعنى الذي أشار اليه القرآن الكريم عندما تعرض الى وصف المُقرض بسعر الفائدة (آكل الرّبا) الذي يتخبط ويصارع البقاء وكأن به مسّ من الشيطان: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ ...)(3). إنه التخبط والاضطراب والتيه والضلال والتقلّب من أوضاع يكون سعر الفائدة فيها مرتفعا الى أوضاع أخرى يكون فيها منعدما أو سالبا وفي الحالتين يحصل الضّرر والضِّرار والظلم للجهتين جهة المقرض وجهة المقترض، وهي صورة معبرة أحسن تعبير عن قصور التشريع البشري عن استيعاب كل الأوضاع والحالات والظروف والحوادث والمستجدات مما يحتاج الى هدْي إلاهي موجّه للفكر الإنساني لكي يستنبط الحلول والمناهج والنظريات في اطار تلك الموجهات والضوابط التشريعية الربانية الأقدر على الإحاطة بكل شيء (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)(4)، (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(5).

إن سعر الفائدة سواء كان صفريا أو سلبيا ليس سوى شكل من أشكال الرّبا المحرّم لكونه ظلم للمقرض وحرمان له من عائد استثماري لأمواله مثلما أن الفائدة المُوجبة أو المرتفعة ظلم للمقترض وابتزاز لظروفه وحاجته إلى المال. والإسلام يرفض الظلم للطرفين المقرض والمقترض (لا تظلمون ولا تظلمون)، (لا ضرر ولا ضرار) ويدعو الى المشاركة والمبادلة الايجابية وفق قاعدتي الغُنْم بالغُرْم والخراج بالضّمان أي تقاسم المخاطر وليس تحويل المخاطر. كما يدعو إلى التعاون والتراحم عبر القرض الحسن. فالفائدة الصفرية لا تعني إلغاءا للرّبا كما يبدو للبعض وإنما تحويل لوجْهة الظلم وأكل المال بالباطل من دائرة المقترضين وطالبي التمويل إلى دائرة المستثمرين وأرباب الاموال. كما أن الفائدة السلبية ليست سوى الوجه الآخر من العمْلة الرّبوية التي تُمعن في إجحاف رؤوس الاموال والتعسف عليهم وحرمانهم من عوائد أموالهم المودعة في البنوك والمؤسسات المالية.

ولئن كان الهدف من اللجوء الاضطراري لهذه السياسة هو تحفيز الاستهلاك وتحريك الادخار وتوجيهه نحو الاستثمار كي يسهم في انعاش النمو ومواجهة الانكماش والكساد وتقليص البطالة، إلا أن الحصيلة النهائية لم تكن في مستوى الآمال المعلقة عليها، حيث سجلت السنوات الأخيرة الماضية لهذه التجربة عزوفا عن الاستثمار وتوجهت الاموال اكثر من ذي قبل نحو الاكتناز من قبل الافراد دون البنوك لأن هذه الاخيرة تحت رقابة وأنظار البنك المركزي، وتراجعت معدلات الادخار من جرّاء فرض الفائدة السلبية وهروب الاموال الى خارج البلدان التي تفرض تلك السياسة بحثا عن بيئة مناسبة للاستثمار والتوظيف ، ومن ثم انخفاض حجم الاموال المعدة للإقراض وبالتالي انخفاض انتاج السلع والخدمات وارتفاع اسعارها بما يولّد التضخم وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي وحصول عجز في ميزان المدفوعات، وهذا ما يعني ببساطة أن الفائدة الصفرية والسلبية معا تؤثران سلباً على أهداف الاقتصاد الكلي. ساهم كل ذلك في تصاعدالمخاوف لدى الكثير من البنوك حول العالم من أن يؤدي تبنّي سعر الفائدة السلبية أن تصبح قاعدة عالمية، وهو ما قد يضر القطاع المصرفي على المستوى العالمي بشكل كبير.

من أجل ذلك يعتبر العديد من خبراء المال والاقتصاد أن مضارّ سياسة الفائدة السلبية على الاقتصاد أكبر من فوائدها ولذلك فهي لم تعد تلقى قبولاً كبيراً حتى في البلدان التي تطبقها حالياً في اليابان ومنطقة اليورو وغيرها، وتقلّص مؤيدوها بشكل ملحوظ حتى أن أحد مسؤولي صندوق النقد الدولي اعتبر أن أسعار الفائدة السلبية لها أضرار مستقبلية على المجتمع، خصوصاً إذا كانت طويلة الأمد، حيث أنها تلعب دوراً ذا تأثير سلبي على برامج التأمين على الحياة وصناديق التقاعد والادخار العام وغيرها.

كما أصبحت العديد من البنوك الاوروبية تعاني بسبب هذه السياسة من تقلّص هامش الأرباح، مما دفعها الى اتخاذ مجموعة من التدابير لمواجهة هذا الوضع والحفاظ على مردوديتها، من بينها خطط تسريح الموظفين وتقليص الشبكات، وتنويع المنتجات مثل إيجار السيارات لفترات طويلة والتأمين وخصم الديون. كما تسببت تلك السياسة في لجوء البنوك المركزية لطبع النقود، في إطار ما يعرف بسياسة "التيسير الكمي"(6) التي ظهرت بعـد الأزمـة الماليـة 2008 كأداة مـن أدوات السياسـة النقديـة، الموسـومة بالطـابع غيـر التقليـدي كونهـا طبقـت بشـكل غيـر مسـبوق فـي التـاريخ النقـدي العـالمي، وبطريقـة استثنائية استعجالية لاحتواء آثار الأزمة المالية.

الغاء الفائدة (الرّبا) وليس ابطالها فحسب،سبْق تاريخي للاقتصاد الإسلامي

أدّى التخبط الاقتصادي للنظام الربوي في مواجهة الازمات التي تلاحقه إلى تبني سياسات نقدية غير تقليدية كما اشرناآنفا، منها سياسة التيسير الكمي التي وصلت في بعض البلدان الى طباعة النقود بهدف احتواء ازمة السيولة(مصْيدة السيولة) ومنها سياسة الفائدة الصفرية والفائدة السلبية التي ألحقت أضرار بالغة بنظام التمويل وأدت إلى شيوع الاكتناز وتراجع الادخار والاستثمار وهروب الاموالإلى الخارج.

وهذا التخبط يعيد سؤال التوزيع ومكافأة عناصر الإنتاج وتحديدا رأس المال الى الساحة ، والى التفكير من جديد في مدى كفاءة سعر الفائدة في تخصيص الموارد وتمويل الاقتصاد. وهو ولا شك سؤال جوهري لم يسبق أن أعيد طرحه منذ تأسيس علم الاقتصاد.

لقد بينت العديد من الأبحاث والدراسات الحديثة أن سعر الفائدة لم تعد أداة كفؤة في تخصيص الموارد بل أثبتت تلك الدراسات أنها كانت في الغالب أداة سيّئة ومُضلّلة للسياسات الاقتصادية والخيارات التنموية(7)، وذلك لكونها تتحيز للمشروعات الكبيرة على حساب المشروعات الصغرى والمتوسطة من جهة، وللاستثمارات قصيرة الاجل التي تؤدي الى إنتاج السلع الاستهلاكية والكمالية وتعزز الاتجاهات الاحتكارية في الاقتصاد من جهة ثانية.

وتأسيسا على ذلك فإن مكافأة رأس المال بسعر الفائدة لم يعد يجْدي نفعا ولا يعني شيئا في ظل سياسة الفائدة الصفرية والسلبية حيث تحولت المكافأة إلى معاقبة ولم تفلح سياسات الإقراض القسْري الذي تمارسه البنوك في الخروج من المأزق.
إن المخرج الوحيد هو إجبار رأس المال على الولوج الى دائرة المخاطرة وتحمل نتيجة ذلك عبر تقاسم المخاطر مع العناصر الشريكة في العملية الانتاجية والكفّ عن تحويل المخاطر إلى كاهل المقترضين. وهذا هو لبّ الطرح الإسلامي الذي يقوم على إلغاء سعر الفائدة واستبداله بمعدل العائد الذي ينتج عن النشاط زو المشروع.

إنّ الموقف الإسلامي من مكافأة رأس المال موقف قائم على تصور عادل ومتوازن وغير متحيّز لأي عنصر من عناصر الإنتاج. انه موقف يستند الى فقه الميزان الذي يراعي التوازن في التوزيع عبر تحريم الربا وكل عقود الظلم والغرر والجهالة. وهو ميزان توزيعي خاص يحقق العدل والقسط بين عناصر الإنتاج وكل من ساهم في النشاط الاقتصادي أي عند مكافأة كل من رأس المال والعمل، فتقسم حصيلة الإنتاج بين الطرفين بطريقة محكمة، غاية في التوازن حيث يكون نصيب رأس المال جزءا من الربح إن حصل ويتحمل بالمقابل جزءا من الخسارة إن كان مشاركا بينما يكون نصيب العامل أجرة في حالتي الاجارة والوكالة وجزءا من الربح في حالات المشاركة والمضاربة والمزارعة وغيرها.

إن مكافأة رأس المال بالفائدة(الربوية) في ظاهرها زيادة(بالميزان المادي) وفي باطنها نقصان(بالميزان الشرعي).كما أن زكاة المال في ظاهرها نقصان (بالميزان المادي) وفي جوهرها زيادة (بالميزان الشرعي)" وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فأولئك هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم 39).

الفوائد الاقتصادية والتنموية لإلغاء الفائدة (الربا) واستبدالها بمعدّل العائد

إن الغاء الرّبا في الاقتصاد وإحلال نظام التمويل بالبيع والشراء القائم على قاعدة الخراج بالضمان واقتصاد المشاركة القائم على قاعدة الغنم بالغرم وتقاسم المخاطر من شأنه أن يحقق العديد من الفوائدالاقتصاديةوالتنموية من أهمها:

التخلص من التبعية والارتهان للمؤسسات المالية الدولية التي تُمعن في إذلال الشعوب عبر فخ الديون والتدخل في السياسات الداخلية للبلدان المعنية وتحول دون التمكين الاقتصادي والمالي وممارسة السيادة الوطنية على صعيد الخيارات التنموية والتوجهات الاقتصادية.
تحفيز الاستثمار كمحرك أساسي من محركات النمو عبر تقليص كلفة التمويل نتيجة غياب سعر الفائدة وبالتالي انخفاض كلفة الإنتاج وتحسين معدل التنافسية للمنتوجات الوطنية داخليا وخارجيا.
اضمحلال الاحتكارات التي تنشأ من جرّاء تحيّز التمويل الربوي للمشروعات الكبرى التي تدر عائدا أعلى من سعر الفائدة على حساب المشروعات الصغرى والمتوسطة التي توظف عددا أوسع من القوة العاملة وتساهم بشعل فعّال في امتصاص البطالة وتوفير فرص العمل للعاطلين.
التخلص من ظاهرة الطبقية المالية والمجتمعية وسوء توزيع الثروة التي تنتعش في ظل الاقتصاد الربوي عبر استيلاء المرابين على ثروة المجتمع وما يؤدي اليه من ضعف القوة الشرائية لعموم الناس.
تعزيز الارتباط بالاقتصاد الحقيقي وتوجيه التمويل نحو المشروعات المنتجة وتصحيح العلاقة بين القطاعين المالي والاقتصادي.
محاربة التضخم الذي يعد سعر الفائدة (الرّبا) مصدرا أساسيا من مصادر نموه وانتشاره.

خاتمة: اقتصاد المستقبل هو اقتصاد المشاركة

تشير الكتابات الحديثة المرتبطة بعلم الاقتصاد وتطوراته المتلاحقة أن العالم سيتحول بشكل تدريجي نحو ما أضحى يسمّى ب«اقتصاد المستقبل» القائم على مبدأ المشاركة والتعاون المتبادل(8). وفي هذاالسياق، صرح الاقتصادي المشهورجوزيف ستيغليتزفي مداخلته ضمن أشغال المؤتمرالذي نظمه «المركزالدولي للأبحاث المعلومات حول الاقتصاد العمومي والاجتماعي والتعاوني» عام2008 (9) أنّ «نموذج المستقبل هو وجود اقتصاد متوازن، بقطاع خاص تقليدي وقطاع عمومي فعال، واقتصاد اجتماعي في طور التقدم». وف يكتابه « الخروج من الرأسمالية من أجل إنقاذ الكوكب» يؤكد الاقتصادي هيرفيكيمف Hervé Kempf

على خطر استمرار الرأسمالية على البشرية بأسرها من خلال ثلاثة أنواع من المخاطر:مخاطربيئية ناتجةعن الاستهلاك الُمفرط للطاقة والموارد الطبيعية، ومخاطر اجتماعية ناتجة عن غلبة منطق الربح، ومخاطر سياسية تهدد الديمقراطية بسبب رغبة كبار الرأسماليين في الكسْب على حساب الجميع. ويميز الكاتب في هذا الصدد بين الرأسمالية كمذهب اقتصادي له خلفيته الفكرية وقيمه ومبادئه الليبرالية، وبين اقتصاد السوق كمنهج وأسلوب في إدارة النظام الاقتصادي وفق خصوصيات المجتمعات، وأن البشرية بحاجة إلى الخروج من الرأسمالية وليس من اقتصاد السوق، لأن اقتصاد السوق مشترك إنساني يمكن أن يتلاءم مع خيارات تنموية مختلفة. ويمكن ضمن سياقات إيجابية أن يكون قادرا على توظيف الموارد بفاعلية.

تكاد تجمع هذه الكتابات والمطالبات على ضرورة أن يكون البديل المنشود نظاما اقتصاديا إنسانيا أخلاقيا اجتماعيا تضامنيا عادلا يضع حًّدا لتوحش الليبرالية وجشعها وطغيان الفردانية والأنانية وروح السيطرة والاستغلال فيها. كما تتفق هذه المطالبات أيضا باستحالة تخليق الرأسمالية بوجهها القائم وأنْسَنتها أو إصلاحها بشكل يجعلها أكثر عدالة ورحمة إزاء الشرائح والطبقات المسحوقة في كل المجتمعات التي تحكمها.

فهل يمكن لاقتصاد المشاركة أن يكون بديلا عن الرأسمالية، وكيف يمكن له أن يسهم بفعالية في صياغة هذا البديل الإنساني؟

د. محمد النوري
أستاذ وباحث في الاقتصاد الإسلامي

1) انظر: حامد الجبوري: الفائدة السلبية مفهوما وتأثيرا وتطبيقا: https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/7454

2) انظر: كينز، جون مينارد: النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود”- 1936 The General Theory of Employment, Interest and Money، الفصل الرابع.

3) البقرة 275.

4) المائدة 50.

5) البقرة 216.

6) التيسير الكَمي أو التسهيل الكمي Quantitative Easing) ) ويُدعى اختصاراً QE، هو سياسة نقدية غير تقليدية (طباعة النقود) تستخدمها البنوك المركزية لتنشيط الاقتصاد القومي عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة. حيث يشتري البنك المركزي الأصول المالية لزيادة كمية الأموال المحددة مقدما في الاقتصاد.

7) توصل كل من «إنزلر» ENZLER و«كونراد» CONRAD و«جونسون» JOHNSON في دراساتهم الحديثة حول الموضوع إلى أنّ رأس المال أسيء تخصيصه إلى حد خطير بين قطاعات وأنشطة الاقتصاد وأنواع الاستثمارات بسبب سعر الفائدة. كما أشار قبل ذلك «كينز» في نظريته العامة إلى أنّ الادخار «غير مرن» عادة لسعر الفائدة، أي لا وجود لرابط وجود رابط إيجابي كبير بين الفائدة والادخار. وهو ما يعني أن سعر الفائدة يعتبر في نظر هؤلاء الاقتصاديين، أداة رديئة ومضللة في تخصيص الموارد.

8) على غرار ما كتبه مايل آلبرت وادموند فيلبس وموريس اوباديا وغيرهم.

9) نظم هذا المؤتمر بمدينة بإشبيلية الاسبانية في سبتمبر 2008

10) كيمف، هيرفي: الخروج من الرأسمالية من أجل إنقاذ الكوكب القاهرة، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى،

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.