مولدي الأحمر: عندما يخسر رئيس الحكومة رهان القيادة

مولدي الأحمر: عندما يخسر رئيس الحكومة رهان القيادة

هناك حلقة فُقدت في تاريخ السياسة في تونس منذ وفاة جل قادة حركة التحرير الوطنية: القيادة وخصائصها وفنونها وشروطها. ليس المجال هنا واسعا ولا مناسبا كي نتحدث عن الأسس الاجتماعية للقيادة أو الزعامة، ولا كيف فقدنا هذه الحلقة، ولا حتى عن مخاطرها الكبيرة في النظم السياسية غير الديمقراطية.

لكنه من المهم جلب الانتباه إلى أن أحد أهم أسباب فشلنا السياسي والاقتصادي منذ ثمانينيات القرن الماضي هو غياب ثقافة القيادة، بوصفها مجموعة من المهارات و الخصائص النفسية والدربة المهنية التي ينبغي أن تتوفر في كل قائد جماعة، مهما كانت الآلية التي وصل بها إلى المنصب، ومهما كان حجم جماعة العمل التي يقودها، من الرئيس إلى الوزير إلى أقل مدير-قائد في مؤسسة إنتاجية أو بيروقراطية أو فنية أو رياضية. لقد قضينا عشرات السنين "نتمزى" بالمناصب على الأقارب والزبائن والأصحاب دون أن تشغلنا فكرة مهارات القيادة – في أي مستوى تشغله - بوصفها أحد الشروط الأساسية في نجاح إدارة/قيادة أي مؤسسة وأي مشروع، وقيادة أية جماعة.

تشكل اليوم حكومة السيد المشيشي مثالا نموذجيا يجسد غياب هذه الحلقة المهمة في الحياة السياسية، وهو ما يكلف تونس ثمنا غاليا جدا. لقد بدأت مؤشرات هذه المشكلة منذ اليوم الأول من تعيينه رئيسا للحكومة، عندما جرى تقديمه، في سياق أزمة سياسية بامتياز، على أنه كفاءة بيروقراطية مستقلة، ويعني هذا من منظور نظرية القيادة أنه لم يجر تقدير العلاقة بين طبيعة الأزمة التي من المطلوب معالجتها، وطبيعة المهارات التي ينبغي أن يملكها المترشح للمنصب: كانت الأزمة سياسية وأوكلت المهمة إلى كفاءة غير سياسية، ولربما كان ذلك مقصودا فقد زعم البعض أنه "ورقة قش" خفيفة وطيعة.

التفاؤل وحده جعل التونسيين ينتظرون ماذا سيفعل الرجل في خضم أزمة خانقة تلفهم من كل ناحية، فكم من شخصية غير معروفة  أظهرت قدراتها عندما فُسح لها المجال لإبرازها. لكن السيد المشيشي بدأ مشواره، حتى قبل أن يوطد مكانه في الوزارة، بأن أرسل لقسم كبير من التونسيين رسالة " غير قيادية" وذلك عندما اجتمع مع قسم من أعضاء مجلس النواب "ليشتري" الحزام السياسي الذي لا يملكه: هل هناك قائد بدأ بالبحث عن "رفاق" أو "أتباع" بعد أن أصبح "قائدا"؟

لقد أضرت هذه الانطلاقة غير الموفقة بالسيد المشيشي أيما ضرر مهما كان صدق نيته، لأنها جعلته مكبلا ، وضيقت إلى الحد الكبير من هامش المبادرة الذي يجب أن يتوفر لكل من يعتبر نفسه قائدا، ويتعامل مع الجماعة التي يقودها على هذا الأساس وتساعده هي كي يكون كذلك.  وفي الحقيقة يمكن أن نرد غفلة السيد المشيشي عن هذه الحلقة الضعيفة والمفصلية في انطلاقته (غياب تجربة القيادة السياسية)  إلى ثقافته السياسية التكنوقراطية، التي جعلته يتمثل وظيفة الوزير أو رئيس الحكومة بنفس المنظور الذي بثه بن علي وحزب التجمع في أركان الدولة التونسية، والذي مفاده أن لا يمارس أي مسؤول سياسي السياسة بخلفية القائد، إذ لم يكن في البلاد سوى قائد واحد. فقبل المنصب بثقافة تكنوقراطية لا تستحضر في تمثلها للوظيفة شرط القيادة وثقافتها.

حينما بدأ السيد المشيشي مشواره العملي على رأس الحكومة بدأت تبعات وضعية القائد الفاقد لشروط القيادة تتهاطل عليه من كل جانب، وتربك عمله وقرارته، حتى وإن كان أخذ بعضها بنية صادقة خدمة لبلده. فقد اضطر أولا أن يٌظهر لنفسه وللحزام السياسي الذي "اشتراه" أنه رئيس حكومة كامل الصلاحيات، ولممارسة ذلك بدأ بإحداث تغيير وزاري. لكن الخطوة كانت في غير وقتها ودون حجة سياسية مقنعة، والنتيجة أنها أدت سياسيا إلى غير ما كان يأمله. فمن جهة بين أنه يتصرف كمدين إلى شق سياسي بعينه في مجلس النواب، بينما هويته الرسمية تكنوقراط مستقل، ومن جهة ثانية دخل في خلاف مع رئيس الدولة حول موضوع يتمتع فيه الرئيس بأفضلية ساحقة على كل منافسيه، وهو رفض الفساد.

على المستوى الشعبي كانت هذه الخطوة وبالا عليه، ولأنه لم يكن يملك ، عندما أقدم على ذلك، شروط التصرف كقائد قادر على الإقناع بوجاهة قراره، فإن حجة الرئيس في رفض تزكية التعديل كانت ثقيلة جدا عليه، بقطع النظر عن الجدال القانوني الذي أثارته حول دستوريتها. ففي سياق أزمة اجتماعية وصحية واقتصادية خانقة ينتظر عادة الناس إما النبي المٌخلٍص أو القائد الشجاع المتعفف، "المجاهد" في سبيل قيادة الجماعة (البلاد) نحو بر الآمان. لكن رئيس الحكومة يجهل هذا الفن، الذي مثله بامتياز كل من بوريس دجونسن في بريطانيا وأنجلا ميركل في ألمانيا، واتخذ قرارا انحاز فيه لمن تحوم حوله شبهات فساد (دون اعتبار صحتها من عدمها) ولم يُقدر المغزى السياسي لمثل هذه المعارك في مثل هذا السياق. وليس هذا فحسب، بل أن إصراره لم يصل إلى القسم الأوسع من الشعب كما كان ربما يأمل هو، أي أن يظهر في صورة من يتمسك بالدستور وبصلاحياته وباستقلاليته، فالرسالة التي وصلت في سياق الأزمة كانت أنه خير الانحياز لشبهة الفساد على نقاء اليد والسريرة! كما أن وزراءه المعنيين لم يستقيلوا، فظهروا -وهو معهم- كمن يتلهف على السلطة وليس كمن يسعى لحل أزمة البلاد!

لم يساعد أحد رئيس الحكومة، لا من معاونيه ولا من حزامه السياسي الذي بدا كأنه يتخذه رهينة، كي ينقذ نفسه من مأزق الانحياز إلى شبهة الفساد في سياق تُحمٍل فيه الكثير من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الأزمة إلى الفساد! بل زاد عدم الفهم للسياق عندما اختار رئيس الحكومة أن يجمع أكثر من وزارة في وزارة واحدة، مرسلا بذلك رسالة سيئة للشعب الذي يتذمر من تخلف البيروقراطية التونسية، التي صممت تاريخيا لتمارس السلطة أكثر من أن تقدم الخدمة، وهو ينتظر إصلاحا جذريا لها. لقد كان قرارا بيروقراطيا بامتياز بخلفية تكنوقراطية لا ذرة فيها لمفهوم القيادة، وتحديدا القيادة السياسية.

وأثناء هذا الغياب الكلي لثقافة القيادة وشروط ممارستها، كان رئيس الحكومة مطالبا بأن يتصرف في سياق الجائحة، التي تعصف بارواح الآلاف، وتحرم عشرات الآلاف الأخرى من رزقهم، كقائد شجاع وحكيم، قادر على حشد الطاقات، وخلق شعور التحدي والتعاطف والتكاتف والثقة في القيادة، ما يدفع المواطنين إلى الالتزام  بما تمليه عليهم اللجنة العليا لمكافحة الجائحة من نصائح. لكن رئيس الحكومة ظل حبيس الصراع على شرعية "التحوير الوزاري"، رغم اللوثة التي طالته في مجلس النواب وفي الصحافة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، ففقد قسم واسع من الشعب ثقته في قيادته، وخسر بشكل غير مسبوق الرهان التواصلي معه، حتى أصبحت قرارات حكومته موضوع عصيان وسخرية.

متى تدخل ثقافة القيادة، الملتزمة بعمل المؤسسات الديمقراطية، إلى دولتنا ومؤسساتنا في كل مستوياتها، فنحن ندفع غاليا ثمن فقدان هذه الحلقة.

مولدي الأحمر
 
 
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.