أخبار - 2020.07.17

رشيد خشانة: تونس رهينة ثنائي الاستئصال والاستئثار

رشيد خشانة: تونس رهينة ثنائي الاستئصال والاستئثار

بقلم رشيد خشانة - ثمة شرخ عميق في تونس بين السيرورة السياسية والسيرورة الاقتصادية والاجتماعية. "النُخب" تتقاتل في حرب داحس والغبراء، منذ الانتخابات الأخيرة، بينما سفينة الاقتصاد تتعثر، لا بل تترنح، مُلقية كل يوم بكُتل جديدة من المجتمع إلى قارعة الفقر والخصاصة. هكذا، فقدت غالبية الجماعات السياسية، اليمينية منها واليسارية، ثقة المجتمع. وإذا فُقدت الثقة لا يمكن أن تُشترى بمال.

في هذا السياق اندلعت معركتان متزامنتان، الأولى شنتها "النهضة" على رئيس الحكومة الياس الفخفاخ للاطاحة به، وقد انطلقت فيها قبل فتح ملف تضارب المصالح، من دون أن تكشف عن دوافعها العميقة. أما الثانية فأشعلها "الحزب الدستوري الحر" للإطاحة برئيس مجلس النواب. يبدو المساران منفصلين، لكن الأمر لا يتعلق بمناكفات عابرة، ذلك أن الهدف من كليهما هو تصفية حسابات قديمة، مازالت مستمرة في الوقت الراهن، وقد باتت "أداة عمل وتعبئة" لقواعد الحزبين. ورأينا يوم الخميس الماضي سباقا محموما بين لجوء الفخفاخ إلى الاستقالة ومحاولة استدراجه إلى جلسة سحب الثقة. وتدحرجت الأخلاق السياسية إلى حد محاولة تعديل ساعة تقديم رئيس الحكومة رسالة الاستقالة، لجعلها تسبق قرار إعفاء وزراء "النهضة" من مهامهم الحكومية، وبالتالي اعتبار هذا القرار الأخيرلاغيا ومخالفا لمقتضيات الدستور.

وكان واضحا أن قيادة "النهضة" أصرت على دفع الأمور في اتجاه عقد جلسة برلمانية لسحب الثقة من رئيس الحكومة، من أجل تمريغ أنفه في التراب، إلا أنه فوت عليها الفرصة بتقديم الاستقالة في الآجال الدستورية، وأعاد الأمانة إلى رئيس الجمهورية. وطالما أن مهمة البحث عن المرشح الأفضل موكولة لرئيس الجمهورية، فلا شيء يضمن أنه سيختار العصفور النادر من الحزب الأول (وهو ليس الحزب الأغلبي مثلما يُروج بعض أعضائه)، بعدما طارت عصافير باردو هربا من ضجيج المشادات والعراك، تحت قبة مجلس النواب امتدادا إلى مقر مجلس المستشارين سابقا. 

ثنائية الاستئصال والاستئثار

بهذه الخلفية يكاد المشهد السياسي اليوم ينحصر في صراع الاستئصاليين من أجل شطب "النهضة" من الساحة الشرعية، وإصرار الأخيرة على الاستحواذ على أكبر مربع من النفوذ، باسم حماية نفسها من التهديدات، مُتذرعة بالمثال المصري. وتحاول زعيمة "الدستوري الحر" استثمار الشعور بخيبة الأمل من "النهضة"، الذي يتجلى في التراجع المنهجي للأصوات الممنوحة لها من انتخابات إلى أخرى، من أجل التخلص منها قانونيا أو انتخابيا، أو الاثنين معا. ويستهدف "الدستوري" فئات معينة، في مقدمتها فلول "التجمع" ممن لم ينضموا لـ"النهضة"، وبقايا أقصى اليسار، الذين وجدوا في هذه المعركة فرصة للظهور في الصورة مجددا، وإن بألوان باهتة.

ومنح إخفاق الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في إيجاد حلول تنموية حقيقية، مُبررا للتجمعيين الجدد ليؤكدوا أن أداء حكومات بن علي أفضل من حكومات الثورة. وهذه عين المغالطة، فلو كانت الحكومات السابقة ناجحة فعلا لما حدثت ثورة في البلاد، وهي الثورة التي كانت شرارتها الاحتجاج على غياب التنمية والشغل.

بانتظار الزعيم

أما الحرية بلا ضفاف التي تنعم بها اليوم زعيمة الدستوري الحر، وتمتطي صهوتها في معاركها البرلمانية وغير البرلمانية، فلم تكن موجودة أصلا، إذ أن المنظومة الحاكمة السابقة نهضت على انضباط صارم، جعل التجمعيين لا يعرفون كيف يتصرفون يوم 14 جانفي 2011، منتظرين تعليمات القيادة، بينما كانت القيادة تنتظر تعليمات الزعيم، فيما الزعيم في مقعد الطائرة... مُحلقا في اتجاه السعودية.

أمام تجديد منطق الاستئصال، الذي جربه النظام السابق، وكان أحد الأسباب التي عصفت بدولته، يجتهد الطرف المقابل للاستحواذ على نصيب الأسد من الحكم، حتى لو كانت الأوزان السياسية لا تُخول له الحصول على غالبية مفاتيح الدولة. أكثر من ذلك، تستثمر "النهضة" المساعي الرامية لإخراجها من مربع الشرعية لاستعادة خطاب المظلومية، بُغية امتصاص الاتهام بالتغوُل.

ولا ريب في أن اضطرار "النهضة" لخوض هذا النوع من المعارك التي لم تخترها، يُضعفها ويُربكها، ويُقوي غريمها "الدستوري الحر"، بما يُمهد لاستقطاب حاد في الساحة السياسية (مع امتداداته الاقليمية)، في ظل غياب قوة وسطية معتدلة، رافضة للنهج الاستئصالي، وغير متواطئة مع "النهضة". ولو استعرضنا الأزمات بين "النهضة" والآخرين لوجدنا أن مبناها الرغبة في الاستئثار بالقيادة، واستطرادا بالجزء الأكبر من "الغنيمة". ونتيجة لهذه الذهنية الهيمنية انفض عنها الحلفاء المتتالون، عدا الكيانات التي صنعتها من صلبها، مثل "ائتلاف الكرامة"، (وهو من الأسماء الأضداد). ففي البرلمان الحالي على سبيل المثال، هي لا تحوز إلا على رُبع مقاعد المجلس، إلا أنها تطلب الامساك بثلاثة أرباع الحكم تقريبا، كي يهنأ لها بالٌ. والأخطر من ذلك أنها تريد رئيس حكومة مطواعا، لزجا، خدوما، صبورا. وبات واضحا في ضوء تجربة السنوات التسع الماضية، أن "النهضة" تعتقد أن التمكين لا يتحقق بعدد الوزراء فحسب*، وإنما أيضا بالاعتماد على العيون والآذان المزروعة في كل مؤسسات الدولة، التي لا تنام حين يخلد الآخرون إلى النوم.

حلقة مفقودة

ساهم هذا الصراع على النفوذ في ترذيل البرلمان، منبع الشرعية كما يُفترض أن يكون، وكشف عورات الطبقة السياسية، حتى صار المواطن "يستهلك" جلسات العراك باعتبارها فُرجة تليفزيونية. وكلما حمي وطيس الصراع بين رئيسي الحزبين، افتقدنا وجود مرجعية أعلى تحظى باحترام الجميع، وتكون قادرة على استيعاب الموقف وإخماد الحريق.

أكثر من ذلك، أدى استمرار العراك إلى المزيد من تعطيل عمل المجلس، وخاصة تأجيل تشكيل المحكمة الدستورية**، التي يُؤمل أن تفصل في دستورية مشاريع القوانين الكثيرة. وقد بات سنُها ضرورة للتقدم في عديد المجالات، بالاضافة لمراجعة القوانين التي صودق عليها في ظل حكم بن علي والماسة من الحريات. من جهة أخرى ألقت هذه الأوضاع المتشنجة بظلالها على الأوضاع الداخلية لـ"النهضة"، إذ منحت رئيسها ترحيلا مجانيا لمؤتمر الحركة، الذي يتزامن مع انتهاء فترتي رئاسته القانونيتين، ويأتي بعد استقالة عدد من قيادييها.

أهم مكسب

ومن المهم التذكير ههُنا  بأحد التحديات الكبرى التي تواجه الديمقراطية التونسية الناشئة حاليا، ويتمثل في محاولات التضييق على حرية الاعلام، التي نعُدُها أبرز مكسب تحقق في السنوات الأخيرة، ذلك أن لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية في مجلس النواب، صادقت على مقترح قانون لتنقيح المرسوم 116، المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، في مخالفة تامة للدستور. ومن بين ما يرمي إليه مشروع التنقيح حذف شرط الترخيص المسبق لإحداث القنوات الفضائية والمحطات الاذاعية، مما سيؤدي إلى إضفاء الشرعيّة على تلك القنوات والمحطات الخارجة عن القانون،  ومن ثم السماح بظهور أخرى عديدة بلا حدود أو قيود.

والجدير بالإشارة هنا أن الحزب اليميني المتطرف المُسمى "ائتلاف الكرامة"  يأتي في مقدمة المدافعين عن إلغاء الترخيص المسبق، مما يقضي على مفهوم التعديل أصلا، ويفتح الباب لغابة من القنوات المُخربة للعقول. من هنا تبدو النخب الرثة، التي لا علاقة لها بقيم الثورة والحرية والعدالة هي الضاغطة والمُوجهة لأصحاب القرار السياسي، الغارقين في خصوماتهم الصغيرة، بينما النخب الحاملة لمشروع اجتماعي ووطني سادرة في نومتها العميقة.

التوافق ليس تواطؤا

الطريقة المثلى لتجنيب البلاد، أية بلاد، ويلات الحروب الأهلية والصراعات المدمرة تتمثل في خضوع جميع القوى السياسية لقواعد المنافسة الشريفة والقبول بالنتائج التي يُفرزها الصندوق، في اقتراع حر وشفاف. ودعنا نُسمي هذا المنهج بالمنهج الاستيعابي أو الإحتوائي، الذي يحافظ على حيوية المنافسة بين الأحزاب، مع التحوُط من الانزلاق إلى أتون صراع أهلي، مثلما يحدث في سوريا وليبيا واليمن. وهنا تبرز أهمية الدولة القوية، التي تكون على درجة عالية من اليقظة، لرصد أية اختراقات خارجية أو أية مجموعات تعمل في الظلام. بهذا المعنى سيكون حجر الركن في بناء الديمقراطية التونسية قائما على تحمُل التونسيين بعضهم البعض*** ووضع حد للطعن المتبادل، في إطار "مُفاهمة تاريخية" بين القوى السلمية ذات المرجعية الدينية والقوى الحداثية ذات المرجعية الوطنية والاجتماعية. وما لم ينطلق هذا المسار، اليوم قبل الغد، ستهزمنا التحديات الاقتصادية والاجتماعية، التي ستضرب الاستقرار السياسي والاجتماعي. ومن أسباب تهديد الاستقرار ما حاولت "النهضة" أن تفرضه على رئيس الحكومة المستقيل، بشأن "توسيع الحزام الحكومي" ليشمل حزب "قلب تونس"، الذي لا يؤمن بالديمقراطية فكريا، ولا يرى أن التونسيين جديرون بالحرية أصلا. كما أنه لا يحمل أي تصور للسبيل الذي يمكن أن يُؤمن إخراج البلاد من المأزق الاقتصادي والاجتماعي الراهن بأقل الخسائر.

رؤية غير واضحة

في مقدمة تلك الاستحقاقات العاجلة التعاملُ مع امتلاء سوق الشغل بطالبي العمل، من حاملي الشهادات العليا وغير الحاملين، وهو ما يتطلب تحريك عجلة الاستثمار وإصلاح الأضرار التي لحقت القطاعين الصناعي والسياحي، خلال فترة الحجر الصحي المديدة، وخاصة النسيج. أما التحدي الثاني فأمنيٌ، وهو في علاقة مباشرة مع الوضع في ليبيا والأوضاع في المغرب الكبير عموما، والتي تزداد خطورتها على تونس، مثلما حذر من ذلك رئيس الجمهورية في اجتماع المجلس الأعلى للجيوش والقيادات الأمنية. لكننا مازلنا لم نُبلور بعدُ ملامح رؤية واضحة لمآلاتها وانعكاساتها على أوضاعنا، على مدى السنوات المقبلة.

رشيد خشانة

* حركة "النهضة" ممثلة في الحكومة الحالية بسبعة وزراء، وليس ستة لأن وزير الشؤون الاجتماعية هو أحد قيادييها ومستشار سابق لحكومتها أيام الترويكا

** يرى خليل العربي رئيس وحدة الدراسات والبحوث في "مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان" أن الصراع السياسي الكبير الذي تشهده تونس على مستوى سن القوانين، وخاصة المتعلقة بتركيز الهيئات الدستورية، أدى إلى تسييس بقية مراحل الانتقال الديمقراطي، عوض تأصيل الصراع الحقوقي والقانوني (من التقرير نصف السنوي للمركز) .

*** اعتبر عميد المحامين الأسبق محمد فاضل محفوظ، في تصريح لصحيفة "لوموند" أن أفضل ما أنتجته تونس في السنوات التي أعقبت الثورة يتمثل في تطوير مفهوم التنازل المتبادل ("لوموند" بتاريخ 17/ 11 / 2017).


 

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.