أخبار - 2020.03.28

لطفي السنوسي: الكورونيات العالميّة المُتّحِدة

لطفي السنوسي: الكورونيات العالميّة المُتّحِدة

لم تكن يوهان الصينية مجرّد بؤرة لوباء قاتل، بل دعنا نقول بأنها كانت القاعدة الحربية التي انطلق منها سلاح الدمار الشامل العابر للقارات ليطال بُلدانا ومُدنا وأحياء ودِيارا كانت تخال نفسها في البداية مُحصنة، لتتواصل الحياة فيها بكل تفاصيلها وتجلياتها حتى جاء الأمر المحتوم ليجد العالم نفسه أمام أكبر أزمة تواجه البشرية في هذا القرن، أزمة تنبئ بقلب المعادلة الدولية  وتغيير النظام العالمي و موازين القوى، والجدير بالملاحظة العلمية قبل الشخصية هو أن كورونا بكل تمظهراتها كشفت عن عجز مشترك وجامع تجاوز تأثيره مجال الطب والبحث العلمي لتصبح هي الصانع الجديد لنظام عالمي مختلف عما توقعه المنظرون ومهندسو السياسة الدولية، وقد يجوز لنا الحديث وبعيدا عن تحاليل النسق الجيوسياسي العالمي عن ولادة عصر جديد بيد أن مخاضه مزلزل.

إن كورونا سليلة الجيل السادس لفيروسات كورونا التاجية التي انتشرت كمارد ميكروسكوبي لا توجد معطيات علمية دقيقة وكافية حول انتقاله ووخامته وأثره السريري، ضربت الهيبة والاقتصاد والأسواق وقتلت الناس وجعلت ربع سكان العالم قيد الإقامة الجبرية حيث دقت نواقيس الخطر في عواصم الأرض اقتصادياً واجتماعياً، مخافة الكارثة التي أخبرتنا بها عديد المؤشرات دلّت على قصور شامل للنُظم الدولية التي تحكم طريقة التفاعل بين الدول وشعوبها. كل هذا يفرض في المستقبل القريب نماذج جديدة في طبيعة علاقات التبادل والأولويات والسياسات والتحالفات لكبرى المجتمعات الصناعية والنافذة ، وكذا الاتحادات العالمية الاحتكارية الاستغلالية العابرة للحدود، والتي تعيش تحت مفعول صحوة الصدمة ستجد نفسها أمام حتمية اعتماد أنظمة وانماط عمل جديدة في كافة ميادين الحياة بأولوياتها المستحقة، في اتجاه مناقشة مجموع النظم الاقتصادية العالمية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

لا شك أن العولمة و الرأسمالية ستفرضان بالضرورة تفكيكا للقطبية الأمريكية وانحسارا لدورها، لتبحث عن محاور ومراكز قوى دولية لاحتوائها، بما يفتح المجال أمام نشوء مراكز قوى جديدة قد تكون الصين أكبرها وأقدرها على نقل مركز الرأسمالية من الغرب إلى الشرق، في وقت يشهد فيه الاتحاد الأوربي عجزا إزاء ما يعصف ببلدانه من أزمات تهدّدهابالانهيار، ناهيك عن الفشل الذريع للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية في القيام بدورها الإنساني والأخلاقي ، إنها بلا شك بداية نهاية العولمة. 

اليوم وجدت النظم الحاكمة نفسها سواء في الدول المتقدمة منها أو النامية أمام الضرورة القصوى للذهاب لحزمة من الإجراءات تمس عديد القطاعات الحيوية على غرار السياحة والاستثمار والصحة والبناء والنقل، إضافة إلى تعطيل التكوين والدراسة والإنتاج بما سيأثر بصفة مباشرة على النمو الاقتصادي وعلى مستوى التموين، كل هذا يحيلنا إلى أسئلة حارقة حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية الواجب اتباعها أمام خطر استفحال ظواهر التهريب وارتفاع الاسعار والاحتكار وانتهازية مستثمري الكوارث والامراض والمضاربين بالغذاء والدواء، ناهيك عن استفحال البطالة ومزيد تدهور القدرة الشرائية وتراجع قيمة الدينار من جديد. إن العالم اليوم أمام عولمة جديدة قد تفرض نفسها، إنها العولمة العلاجية خصوصا بعد انهيار الصناعات والبورصات الى الانقضاض على شركات الطيران، فكورونا أصبحت المحرك الاساسي لاقتصادات الدول وأعادت صياغة الاستراتيجيات والأولويات وفرضت تأقلما على الحكومات وشعوبها.

د. لطفي السنوسي
جامعـــي
عضو اتحاد الكتاب التونسيين

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.