أخبار - 2020.03.28

تركيـا في محيطها الإقليمـي, سـياسـة خارجيّــة متقلّــبـة وتحالفات غـامضة

تركيـا في محيطها الإقليمــي, ســيـاســة خـارجيّــة متقلّــبـة وتحــالفات غـامضة

عندما نتناول موضوع السياسة الخارجيّة التركيّة والمسارات التي سلكتها منذ صعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى سدّة الحكم في نوفمبر 2002 لابدّ أن نستحضر مجموعة من العوامل الأساسيّة التي تساعد على فهم المقاربة التركيّة وهي أساسا المسار المعقّد للحركة الإسلاميّة في مواجهة الدّولة العلمانيّة التركيّة والوضع الجغرافي الذي يجعل من تركيا جسرا بين آسيا والشّرق الأوسط من ناحية وأوروبا من ناحية أخرى والعامل التاريخي المتمثّل في الرّغبة في إحياء التراث العثماني بما تحمله من نزعة نحو إنشاء منطقة نفوذ في محيط تركيا وأخيرا عامل انهيار النّظام الإقليمي العربي وانطلاق الثورات العربيّة واستفحال الصّراعات البينيّة العربيّة التي مهّدت الطّريق أمام تدخّل تركيا القوي في شؤون المنطقة. لكنّ العوامل المذكورة أعلاه لا تفسّر بمفردها تطوّرات السياسة الخارجيّة التركيّة التي تأثّرت ببروز النعرات الطّائفيّة والعرقيّة في المحيط المباشر لتركيا. فقد بات هاجس تركيا الأكبر إنشاء كيان كردي على حدودها مع سوريا يحقّق التّواصل مع ملايين الأكراد في تركيا ويؤسّس لقيام دولة كرديّة جامعة.

شهد العالم في مستهلّ هذا القرن صعود الإسلاميّين الأتراك إلى الحكم وبروز ظاهرة جديدة تمثّلت في عودة تركيا إلى الشّرق الأوسط بعد عقود طويلة من تأسيس الجمهوريّة التركيّة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك الذي أدار ظهره للمنطقة وسعى إلى الاقتراب من أوروبا بتبنّي تجربتها التّنمويّة ومحاكاتها الثّقافيّة. وحدث ما يشبه الثّورة على الصّعيدين الدّاخلي والخارجي. وبما أنّ السياسة الخارجيّة هي انعكاس للأضواع في الدّاخل وترجمة لفلسفة الحكم فقد تطوّرت على مراحل مواكبة بذلك صعود حزب العدالة والتّنمية وهيمنته التّدريجيّة على السّاحة السياسيّة في تركيا. وترجع بي الذّاكرة شخصيّا إلى السّنوات الأولى من حكم الإسلاميّين في تركيا حيث كانت السّاحة السياسيّة والدّيبلوماسيّة هناك تتداول السّيناريوهات المحتملة لتطوّر النّظام الجديد.

وأذكر في هذا الإطار فرضيّتين كانتا محلّ نقاش: الأولى يروّج لها شقّ الإسلاميّين الدّيمقراطيّين الذين لهم قناعة بأنّ حزب العدالة والتنمية تحرّر من الرّؤى الإسلاميّة التي كان يحملها مؤسّسوه وأصبح يعمل على إقامة نظام سياسي مدني تمثيلي بعيد عن التأثيرات الدّينيّة وتدخّلات المؤسّسة العسكريّة حامية قيم الجمهوريّة منذ تأسيسها من قبل الزّعيم كمال آتاتورك. هذا الحزب أصبح في نظرهم شبيها بالأحزاب المسيحيّة الدّيمقراطيّة في أوروبا ويعمل على تحقيق الاندماج في مؤسّسات الاتحاد الأوروبي.

أمّا الفرضيّة الثانية التي لا يستبعدها المحلّلون السياسيّون وتحذّر من تبعاتها المؤسّسة العلمانيّة، فتنبني على ما يسمّى بـ»الأجندة الإسلاميّة الخفيّة» التي تتستّر وراء خطاب مغر ومطمئن، وما الحكومة الجديدة في نظرهم سوى مرحلة أولى في برنامج تفكيك الدّولة الكماليّة الذي سيؤدّي في النّهاية إلى إلغاء النّظام الديمقراطي وتطبيق الشّريعة الإسلاميّة مكانه.

لاّ أنّ سيناريو ثالثا ظهر في السّنوات القليلة الماضية وهو بصدد التّنفيذ حاليا حسب ما ذكره المحلّل Jean Marcou في مـقـال بمـــجـلّـة Moyen Orient في جانفي 2018 تحـت عنوان: Les multiples visages de l’AKP au pouvoir ويتمثّل هذا السّيناريو في رجوع تركيا إلى هويّتها الإسلاميّة مع التّركيز بالتّوازي مع ذلك على النّزعة القوميّة والسلطويّة التي ميّزت الزّعماء الأتراك.  

بعد مرور ما يقارب العشريّتين، يمكن حصر التطوّرات التي عرفتها السياسة الخارجيّة التركيّة في ثلاث مراحل مختلفة:

المرحلة الأولى: واكبت بدايات حكم حزب العدالة والتّنمية إلى حدود 2010 واتّسمت عموما بالحذر حيث لم تعتمد تركيا سياسة خارجيّة واضحة تحدّد خياراتها باتّجاه الشّرق الأوسط والمنطقة العربيّة والإسلاميّة أو باتجاه أوروبا. وسعت على العكس من ذلك إلى تفعيل ديبلوماسيّة نشطة في كلّ الاتجاهات تهدف إلى تطوير العلاقات مع كافّة الشركاء شمالا وجنوبا. وقد تميّزت هذه المرحلة من حكم حزب العدالة والتّنمية بخطاب مصلحي بعيد عن الشّعارات الإسلاميّة وعن توظيف الدّين لأغراض سياسيّة. وتجدر الإشارة هنا إلى تصريح لـ«ياشار ياكيش» أوّل وزير خارجيّة تركي بعد انتخابات 2002 التي فاز فيها الإسلاميّون: «كنّا حذرين جدّا عند إعداد برنامج الحزب قبل الانتخابات حتى لا نذكر في مرجعيّتنا ما يرمز إلى الدّين. لكنّني ألاحظ اليوم أنّ الرّموز الدّينيّة حاضرة بكثافة في مجتمعنا ...».

خلال هذه المرحلة أنجزت الحكومة التّركيّة إصلاحات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة هامّة وسجّلت درجات نموّ مرتفعة لم تشهدها تركيا من قبل وباشرت مفاوضات العضويّة في الاتّحاد الأوروبي كما سعت إلى تهدئة الأوضاع مع أكراد تركيا وأصبح حزب العدالة والتّنمية ذو الأصول الإسلاميّة موضوع ثقة الفرقاء الغربيّين الذين قارنوه بالأحزاب الدّيمقراطيّة المحافظة التي لها خلفيّة دينيّة مثل الاتحاد الدّيمقراطي المسيحي في ألمانيا. كما كان موضع إعجاب من قبل البلدان العربيّة التي رأت في إنجازاته نموذجا تنمويّا يمكن النّسج على منواله. فقد سعت الحكومة التركيّة إلى تنقية العلاقات الثنائيّة مع الجوار العربي وتطويرها واعتمدت سياسات اختزلها منظّرو النّظام الجديد في شعار «صفر مشاكل مع الجيران». وعلى الصّعيد الاقتصادي بادرت الحكومة الجديدة بإبرام اتفاقيات تبادل حرّ مع بلدان الجوار وأعلن رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان في نوفمبر 2010 عن إنشاء فضاء في المنطقة يسمح بحريّة تبادل البضائع وحريّة تنقّل الأشخاص يطلق عليه فضاء Shamgen أي فضاء بلدان المشرق وعلى الصعيد الاجتماعي والثّقافي تمثّل المسار الجديد في توظيف القوّة النّاعمة التركيّة عبر السياحة وتصدير المنتوجات الثقافيّة (مسلسلات وأفلام وموادّ سمعيّة وبصريّة ...) التي غزت الأسواق العربيّة إضافة إلى فتح المراكز الثقافيّة التركيّـــة  Yunus Emre للتّعريف بخصائص الثّقافة التركيّة.

ولاشكّ أنّ النّجاحات التي حقّقتها السياسة الخارجيّة التركيّة في المرحلة الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية مهّد لها الانتقال السّلس لمقاليد الحكم واعتماد خطاب مطمئن في الدّاخل والخارج يقضي بضرورة مواصلة الإصلاحات التي تمّ إقرارها من قبل الحكومة السّابقة استعدادا لمفاوضات الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبي التي بدأت بالفعل في 2005. وقد استفادت قيادات حزب العدالة والتنمية من تجربة حزب «الرفاه» الإسلامي بقيادة زعيمه نجم الدين أربكان الذي فاز في الانتخابات التشريعيّة لسنة 1995 وشكّل حكومة ائتلافيّة مع Tansu Ciller زعيمة حزب اليمين الليبرالي «الطريق القويم». حزب «الرفاه» لم يحكم طويلا إذ هاجمته القوى العثمانيّة بنخبها العسكريّة والإداريّة وترسانتها المؤسّساتيّة وتمكّنت من إصدار حكم بحلّه كما فعلت في 1971 و1980 ضدّ حزب «النّظام الوطني» وحزب «الخلاص الوطني» اللذين أسّسهما كذلك نجم الدين أربكان وذلك بداعي القيام بأنشطة مناهضة للعلمانيّة، وقد أجبر الزعيم الإسلامي بمقتضى ذلك على التخلّي عن الحكم. أمّا رجب طيّب أردوغان الفائز في الانتخابات المحليّة بمدينة إسطنبول في 1994 فقد حكم عليه بالسّجن لمدّة عشرة شهور بدعوى التّحريض على الكراهية. لذلك سعى أردوغان وقيادات الصفّ الأوّل في الحزب في هذه المرحلة الدّقيقة إلى الإيهام بأنّ حزب العدالة والتنمية هو كيان تحرّر من الرّؤى الإسلاميّة ويعمل على إقامة نظام سياسي مدني. هذه المرحلة من حكم الإسلاميّين لم تحسم فيها مسألة الهويّة التركيّة أو قد تكون أجّلت لأسباب تكتيكيّة رغبة من قيادات الحزب في عدم إثارة المواضيع المستفزّة للشقّ العلماني القوي في ظرف تسعى فيه الحكومة الجديدة إلى التّمركز والتحصّن عبر توظيف الانتماءات التركيّة المختلفة أوروبيّة كانت أو آسياويّة أو شرقيّة و إسلاميّة حسب الظّروف واستحقاقات العمل السياسي.

رغم ذلك عاد الصّراع على أشدّه في الثلث الآخر من هذه الفترة بين المعسكر العلماني والقيادة الإسلاميّة بمناسبة انتخاب رئيس الجمهوريّة الجديد في 2007 من صفّ حزب العدالة والتنمية هو «عبد الله غول» القيادي الإسلامي المعتدل الذي أخذ مكان الرئيس أحمد نجدت سيزار المعروف بخطّة العلماني الصّارم وبرئاسته السابقة للمحكمة الدستوريّة التي حلّت وألغت بانتظام أحزاب التيّار الإسلامي التركي.

ولم يكن حزب العدالة والتنمية ليُفشِل مساعي المؤسّسة القضائيّة الهادفة إلى حلّه بداعي معاداة العلمانيّة لولا تعاونه مع القضاة التّابعين لمؤسّسة فتح الله غولن النقشبندية الحليفة حيث عرف أردوغان بقربه وتعامله مع الطرق الدينيّة المتغلغلة في المجتمع التّركي رغم منعها قانونيّا من قبل آتاتورك والحكومات التركيّة اللاحقة . وهكذا بدأ حزب العدالة والتنمية يسيطر على مفاصل السلطة في الدّولة التركيّة وهو ما سيتأكّد في المرحلة الثانية من حكم الإسلاميّين.

المرحلة الثانية: امتدّت من 2011 إلى 2014 وتأثّرت بالحدث الهامّ الذي جدّ في العالم العربي والمعروف بثورات «الربيع العربي»، هذا التطوّر سيؤدّي إلى تحوّل غير مسبوق في السياسة الخارجيّة التركيّة نظّر له أحمد داوود اغلو مستشار رجب طيب أردوغان ووزير خارجيّته ورئيس وزرائه لاحقا في كتابه «العمق الاستراتيجي: الموقع الدّولي لتركيا» الذي صدر في 2001 واعتبره المحلّلون المرجع الأساسي للسّياسة الخارجيّة للنّظام الجديد، يتمثّل هذا التحوّل في العناصر التالية:

1 - اتّخاذ تركيا منحى إسلاميّا في سياستها الخارجيّة بعد أن قرّرت أن تكون الوصي على التيّار السلامي في العالم العربي. فقد راهنت منذ البداية على نجاح الإسلاميّين في الانتخابات حيث كانوا في اعتقادها متفوّقين على غيرهم من الأحزاب من الناحية السياسيّة والإيديولوجيّة والتنظيميّة. وعلى هذا الأساس سعت الحكومة التركيّة في الكواليس إلى مساعدتهم على الصّعود وتصدّر السّاحة السياسيّة وذلك بدعمهم ماليّا ولوجستيّا وعبر نقل تجربة حزب العدالة والتنمية ويذكر أنّ الإخوان المسلمين في مصر وحزب النّهضة في تونس ومجموعات إسلاميّة أخرى ذات توجّه ديمقراطي استفادوا من الملتقيات وورشات العمل التدريبيّة التي منحها حزب العدالة والتنمية لهم للنّظر في كيفيّة تحويل الجماعات إلى أحزاب سياسيّة وطريقة تنظيم الحملات الانتخابيّة ووضع البرامج السياسيّة إلخ. وبالطّبع فإنّ هذا الموقف الملتزم يخضع لدوافع إيديولوجيّة وكذلك لحسابات سياسيّة مصلحيّة حيث ترمي الحكومة التركيّة إلى إنشاء حاضنة إسلاميّة عربيّة تكون دعامة لمشروع النّظام الإقليمي الجديد الذي تطمح تركيا إلى انشائه في محيطها.

هذا المنحى الإسلامي في السياسة الخارجيّة التركيّة كرّساته تطوّران هامّان هما النجاحات الانتخابيّة للحزب على الصّعيد الدّاخلي وتعزيز موقع أردوغان على السّاحة السياسيّة التركيّة مقابل تقهقر خصومه السياسيين صلب المؤسّسة العسكريّة وفي الأوساط العلمانيّة وهو ما أسّس لمرحلة جديدة بالنّسبة إلى رئيس الحكومة راوده فيها حلم تأسيس منطقة نفوذ إسلاميّة تكون له الزّعامة فيها. هذه الفترة شهدت تسارعا للإصلاحات المجتمعيّة الإسلاميّة بشهادة ياشار ياكيش (Yasar Yakis) وزير الخارجيّة الأسبق وشخصيّات إسلاميّة أخرى مثل دنكير مير فرات (Dengir Mir Firat) أحد مؤسّسي حزب العدالة والتنمية المقرّبين من أردوغان الذي أشار في أكتوبر 2014 إلى أنّ «الديمقراطيّة في مفهوم أردوغان لا تعني سوى نهاية الضّغط المسلّط على المسلمين» ممّا يعني أنّ اللّجوء إلى الدّيمقراطيّة لا يشكّل خيارا سياسيّا ثابتا بقدر ما يعتبر أداة لنيل ثقة الشّعب والفرقاء في الخارج.

التطوّر الثاني له طابع خارجي ويتمثّل في خيبة الأمل بخصوص عضويّة تركيا في الاتحاد الأوروبي التي لم تتقدّم كثيرا منذ فتح المفاوضات رسميّا في 2005، هذا الشعور لدى القيادات الإسلاميّة والشّعب التركي عموما بدأ يظهر في 2011 مع تسارع وتيرة الإصلاحات المجتمعيّة التي حسمت تقريبا موضوع الهويّة التركيّة وأفسحت المجال لمفاهيم مثل العثمانيّة الجديدة التي تعرّف الإنسان التّركي بأنّه سليل العثمانيّين والحضارة الإسلاميّة.

2 - تموقع تركيا إلى جانب القوّى الدّاعمة لإسقاط النّظام في سوريا وهو ما اعتبر تغييرا جذريّا في السياسة الخارجيّة التركيّة حيث يتمثّل التّغيير في انتقال تركيا من سياسة التكيّف مع المتغيّرات في الشرق الأوسط التي عهدناها عند السّاسة الأتراك في الماضي إلى سياسة الدّفع والتّشجيع على التّغيير. ولعلّ ذلك ناتج عن شعور بأنّ تركيا تمتلك من القوّة والنّفوذ ما يمكّنها من إحداث التّغيير في منطقتها، ولا أدلّ على ذلك من خطاب ألقاه أحمد داوود أغلو بُعيد انطلاق الثورات العربيّة تناول فيه سياسة تركيا الجديدة التي لخّصها في العناصر التالية:

«شكّل منهج تركيا الذي ينطلق من القيم ويُرَكز على الدّيمقراطيّة والشرعيّة الشعبيّة أساس سياستنا تجاه الانتفاضات في الشرق الأوسط. فمنذ أن قامت الثورة في تونس، انتهجت تركيا سياسة خارجيّة نشيطة تعكس مبادئها الأساسيّة:

أوّلا: قرّرنا أن ندعم الشعب الذي ينتفض للمطالبة بحقوقه الأساسيّة مثل حريّة التّعبير وغيرها من الحريّات الأساسيّة وكان شغلنا الشاغل هو أن نحافظ على الصّداقة العميقة والثمينة التي أقمناها مع الشّعب وليس مقايضة هذه الصداقة لتحقيق التّوازن المؤقت لحسابات القوى.

ثانيا: لقد أكّدنا أنّه لا يمكن أن يتحقّق الانتقال إلى النّظم الشرعيّة السياسيّة الديمقراطيّة المستقرّة إلاّ من خلال التّوازن بين الأمن والحريّة.

ثالثا: لقد آمنّا أنّه لا يوجد تناقض بين تركيزنا على المطالب الديمقراطيّة وهو ما اضطرّنا أحيانا للوقوف في وجه الأنظمة القمعيّة وبين مبدأ سياستنا الخارجيّة الذي يقضي بانتفاء المشاكل مع دول الجوار.

رابعا: عبّرنا عن معارضتنا للتدخّل الأجنبي لأنّ مستقبل هذه المنطقة يجب أن تقرّره شعوبها.

خامسا: نحن نعدّ جميع شعوب المنطقة كأشقّاء أبديّين لنا بغضّ النّظر عن خلفيّاتهم ورأينا أنّه من واجبنا أن نخفّف من التوتّرات الطائفيّة.

لذلك فإنّ إحدى نقاط القوّة في سياستنا الخارجيّة هي المضيّ في إعادة اللّحمة مع شعوب منطقتنا التي جمعنا وإيّاها تاريخ مشترك كما ينتظرنا وإيّاها مصير مشترك».

خلال هذه الفترة قدّمت الحكومة التركيّة كامل الدّعم للمعارضة السوريّة ووجدت نفسها في النّهاية راعية لمجموعات جهاديّة وظّفتها للإطاحة بنظام بشار الأسد ولاحتواء المعارضة الكرديّة في سوريا. وتبيّن لاحقا أنّ طموحات تركيا كانت أكبر بكثير من الإمكانيات المتاحة لها حيث فشلت في السّيطرة على منطقة نفوذها المزعومة ممّا أدّى إلى غرقها في المستنقع السوري الذي يكلّفها خسائر كبيرة على الصّعيد السياسي والأمني وكذلك من النّاحية الاقتصاديّة والماليّة مع تدفّق ملايين اللاّجئين السّوريّين عبر حدودها. ومن تبعات هذه السّياسة إذاك تصاعد العمليّات الإرهابيّة داخل تركيا وتوقّف مسار الانفتاح على أكراد البلاد الذي شكّل أحد عناصر سياسة داوود أغلو وانتهاج سياسة التشدّد والسلطويّة من قبل أردوغان. إضافة إلى ذلك توتّرت العلاقات التركيّة مع عديد الدّول العربيّة من ضمنها مصر والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات إلى جانب روسيا بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسيّة من قبل الدفاعات الجويّة التركيّة. وكان لذلك كلّه انعكاس سلبي على مصالح تركيا وصورتها الخارجيّة ولم يعد «المنوال الإسلامي التركي» يحظى بإعجاب الكثيرين في العالم العربي.

المرحلة الثالثة: في سياسة تركيا الخارجيّة انطلقت في 2015 - 2016 بعد إعادة تقييم الأولويّات التركيّة على السّاحة السوريّة وأفول نجم داوود أغلو ومغادرته الحكومة في ماي 2016، فقد ارتبط اسمه ارتباطا وثيقا بالسياسة التركيّة نحو سوريا وبقرار إسقاط نظام بشار الأسد وتعني مغادرته الحكومة إقرارا بفشل سياسته وإيذانا بفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الجوار تتمثّل في التقارب مع الثّلاثي المنافس: روسيا وإيران وسوريا.

فقد أدركت تركيا أنّ الأوضاع قد تغيّرت وأنّها أصبحت محاصرة في منطقتها وأنّ الفخ السوري يهدف إلى استنزافها خاصّة وأنّ الفصائل الكرديّة في سوريا اكتسبت قوّة وأصبحت لها حضوة لدى الدّول الغربيّة وخاصّة منها الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي تمدّها بالسّلاح وهي تشكّل خطرا بتواصلها مع حزب العمّال الكردستاني المحظور على سلامة القطر التركي أكبر بكثير ممّا يشكّله بقاء بشار الأسد في الحكم، لذلك عملت الحكومة التركيّة في أواخر سنة 2015 على التّصالح مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين بعد الاعتذار عن حادثة الطائرة كما فتحت قنوات اتّصال حسب بعض المصادر مع الرئيس بشار الأسد لإبرام تفاهمات مرحليّة

وقد ساعد على تحقيق هذا التغيير حدث داخلي خطير تمثّل في محاولة الانقلاب الفاشلة التي جدّت في تركيا في 15 جويلية 2016 والتي ترجع أسبابها إلى النّزاع القائم في السّنوات الأخيرة بين أردوغان وحليفه القوي الدّاعية الإسلامي فتح الله غولن. المهمّ في هذا التطوّر المفاجئ هو حملة الإيقافات الشّرسة والمتواصلة التي طالت عشرات الآلاف من العسكريّين والمدنيّين في كافة المجالات التابعين والمتعاطفين مع الدّاعية المتّهم رسميّا بتنظيم محاولة الانقلاب العسكري من مقرّ إقامته في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وخاصّة الموقف الفاتر الذي اتّخذه الغرب إزاء محاولة الانقلاب وتحذيره من مغبّة انتهاك حقوق الموقوفين بعد حملة التطهير التي شنّها أردوغان حيث أشار البعض من أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى إمكانيّة تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وصرّح وزير الخارجيّة الأمريكي John Kerry بأنّ الحملة «قد تفضي إلى المساس بعضويّة تركيا في الحلف الأطلسي لأنّ احترام الدّيمقراطيّة يعدّ شرطا من شروط هذه المنظّمة. هذه المواقف ورفض الإدارة الأمريكيّة تسليم الدّاعية غولن فاقمت الشّكوك حول إمكانيّة ضلوع واشنطن في محاولة الانقلاب.

وخلافا لما شهدته العلاقات من توتّر مع الدّول الغربيّة فقد كان لمواقف قيادات الدّول المجاورة وما أبدته من تعاطف مع تركيا، باستثناء مصر، وقع إيجابي على المنطقة، ورغم دخول تركيا في مرحلة التصّالح مع جوارها المباشر قبل الأحداث الانقلابيّة إلاّ أنّ الأزمة التركيّة سرّعت من وتيرة الانفراج في العلاقات. وفي هذا الإطار سلّم أردوغان بضرورة التّعامل مع روسيا لأنّها حسب قوله «تعدّ الطرف الأهمّ في محاولة إحلال السّلام في سوريا» ممّا أدّى إلى عقد قمّة Saint Petersbourg بتاريخ 9 أوت 2016 بين الزّعيمين الروسي والتركي التي تمّ الاتّفاق خلالها على التّعاون لإيجاد حلّ للأزمة السوريّة والنّظر في إمكانيّة اتّخاذ إجراءات سريعة من قبل تركيا لقطع الدّعم السياسي واللوجيستي للعناصر المناهضة للنّظام السوري. وتمّ الاتّفاق كذلك على توسيع إطار التّعاون ليشمل إيران وأصبحت صيغة التّعاون الثلاثي هذه تشمل ثلاث دول من أكبر الفاعلين على السّاحة السوريّة واعتبرها البعض تحالفا جديدا سيغيّر موازين القوى في المنطقة.

غير أنّ هذه العلاقة الجديدة لا تخلو من تناقضات إذ أنّ تركيا تبقى عضوا كامل العضويّة في الحلف الأطلسي كما تبقى كذلك مرشحة لعضويّة الاتحاد الأوروبي رغم ابتعاد أفق تحقيق هــذا المطلب.

لكن الملفت للنّظر في هذا التطوّر هو إضفاء طابع استراتيجي على التّعاون بين تركيا وروسيا يتمثّل في التزوّد بالأسلحة المتطوّرة وإقامة مشاريع الطّاقة ومن ضمنها الطاقة النّوويّة، من ذلك اتفاق الطرفين على تجهيز تركيا بنظام صاروخي جوّي طويل المدى (S-400) وهي بادرة أولى من نوعها لعضو في الحلف الأطلسي كان لها صدى بعيد في واشنطن وواكبتها إجراءات عقابيّة ضدّ الحليف المتمرّد. وقد صرّح نائب وزير الصّناعات العسكريّة التركي في هذا السّياق: «رغبت تركيا في التّعاون مع أعضاء الحلف الأطلسي لكنّ النتائج لم تكن مرضيّة ومن الضروري أن تطوّر تركيا نظامها الدّفاعي الخاصّ بالتّعاون مع دول أخرى».

كذلك اتّفق الجانبان على تبادل المعلومات الاستخباراتيّة وتناولا موضوع التّعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة النّوويّة، إضافة إلى إنجاز مشروع الغاز الطبيعي «Turkish Stream» الذي سينقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود وتركيا مع العلم أنّ قرابة 60% من واردات الغاز التركيّة تأتي من روسيا. وبخصوص العلاقة مع إيران، نقلت وكالة Spoutnik عن نائب وزير الخارجيّة الإيراني في نفس الفترة تصريحا حول عزم الرئيسين روحاني وبوتين على التّشاور حول كيفيّة مساعدة أردوغان مع الإشارة إلى أنّ الدّول العربيّة والغربيّة لم تتمكّن من تقديم هذه المساعدة إلى الرئيس التركي وأنّ المنطقة في حاجة إلى علاقات جديدة بين روسيا وتركيا وإيران. ويذكر أنّ هناك تنسيقا في المواقف بين القيادتين التركيّة والإيرانيّة إزاء الأقليّة الكرديّة على حدود البلدين. ورغم اختلاف الهويّات السياسيّة والإيديولوجيّة في البلدين وتواصل الصّراع على النّفوذ بينهما في الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى والقوقاز، إلاّ أنّ مصلحة الطرفين تقتضي التوصّل إلى توافقات تسمح خاصّة بفضّ النّزاع في سوريا ... هذا إلى جانب المصالح الاقتصاديّة المتمثّلة خصوصا في إمدادات النّفط والغاز من إيران والتي اتفق الطرفان على تنويعها وتطوّرها ليصل حجمها إلى 30 مليار دولار بعد أن كانت في حدود 20 مليارا.

وسنتناول في الجزء الثاني من هذا المقال أسباب هذا التحوّل في السياسة الخارجية التركية%.

محمد لسير

رئيس «المنتدى الدّبلوماسي»

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.