أخبار - 2019.11.27

المـنجي سلــيم الزّعيم الوطني والدبلوماسي المحنّك

المـنجي سلــيم الزّعيم الوطني والدبلوماسي المحنّك

لعلّ أحد أسباب الأزمة التّي تخبّطت فيها الحياة السّياسيّة ببلادنا منذ سنوات هو غياب القيم الأصيلة التّي لا يستقيم نضال سياسيّ بدونها وفي مقدّمتها نكران الذّات والتّضحية والإخلاص للقضايا الوطنيّة، فقد بَنَت الممارسة السّياسيّة الرّاهنة أنموذجا لفاعلين سياسيّين تُوجِّههم في الغالب الأعمّ الانتهازيّة والتّكسّب بالعمل السّياسيّ والمصالح الحزبيّة والشّخصيّة الضّيّقة. وفي خضمّ هذا الواقع المتردّي يضحي استحضار أعلام النّضال الوطنيّ في العهود الماضية لا مجرّد واجب أخلاقيّ يفرضه الوفاء للزّعماء والمجاهدين وإنّما ضرورة ملحّة لبناء مستقبل للفعل السّياسيّ أكثر نقاءً وخلوصًا من الشّوائب يُحاط فيه على الوطن ومصالحه العليا بهالة من الحرمة والقداسة.

لذلك نستحضر اليوم ذكرى الزّعيم المنجي سليم (1908 – 1969) بكثير من الإجلال والإكبار لأنّ سيرته كانت سيرة جنديّ متفانٍ نذر حياته كلّها لبلاده وأعطى من أجل عزّتها وكرامتها عطاءً غير محدود، فقد تخلّى عن مهنة المحاماة وعاش عيشة الكفاف والتّقشّف ليتفرّغ لخدمة القضّية الوطنيّة وذاق ويلات سجون المستعمر ومنافيه دون أن يتزحزح عن مبادئه وبذل فــــوق ما يستطيع ليحفظ استقرار البلاد عندما كانت الوحدة الوطنيّة مهدّدة ولم يكن له في كلّ ذلك من طموح سوى تحرير البلاد وازدهارها، وحتّى عندما نالت البلاد مطلبها لم ير الوطنيّون في الاستقلال غنيمة يقتسمونها بل خروجا من جهاد أصغر إلى جهاد أكبر يقتضي تضحيات أعظم وعطاء أغزر فزهد في المناصب العليا واكتفى بتمثيل بلاده في المنتظم الأمميّ فأبلى أحسن البلاء حتّى رُفع إلى رئاسة الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة.

النّشأة والتّكوين

وُلد الزّعيم المنجي سليم في 16 سبتمبر 1908 بتونس، وكان جدّه الأوّل الجنرال سليم مملوكا من أصل يونانيّ عمل مع عدد من البايات الحسينيّين وتولّى مهامّ رئيس «الظّبطيّة» ( إدارة الأمن) بالعاصمة ثمّ قايد بمنطقة الأعراض (ڤابس) وأخيرا عُيّن وزيرا للحرب. وقد اندمجت العائلة في النّسيج الاجتماعيّ التّونسيّ بفضل علاقة المصاهرة مع عائلات تونسيّة مثل بن عصمان ورضوان وبيرم والجلّولي.
أمّا والده العابد سليم ( 1882 – 1925) فكان من أصحاب الأملاك الفلاحيّة يقطن بالحلفاوين (نهج الزّاوية البكريّة، زنقة الحرب)، وأمّا والدته حبيبة بيرم فهي ابنة شيخ الإسلام حميدة بيرم.

دخل المنجي سليم المدرسة الصّادقيّة سنة 1921 في فترة الغليان السّياسيّ والاضطرابات الاجتماعيّة التّي عقبت الحرب العالميّة الأولى، فعايش أزمة 1922 بين الباي محمّد النّاصر والإقامة العامّة وتأسيس الحزب الحرّ الدّستوريّ، وحلّ الجامعة العامّة للعمّال التّونسيّين. وارتاد الأوساط الصّادقيّة والحلقات الثّقافيّة والأدبيّة في الخلدونيّة وجمعيّة قدماء الصّادقيّة وواكب ما تدور فيها من نقاشات سياسيّة وتعاليق على الأحداث المحليّة والعالميّة، فساهم ذلك كلّه في تشكّل الوعي الوطنيّ عنده تدريجيّا.

انتقل إلى باريس سنة 1929 وانتسب إلى معهد سان لويس حيث درس الرّياضيّات لمدّة ثلاث سنوات قبل أن يُغيّر اختصاصه ويُسجّل بكليّة الحقوق. التقى في باريس بعدد من الطّلبة التّونسيّين من أمثال علي البلهوان وأحمد بن ميلاد والصّادق بوصفّارة وابن خالته الحبيب ثامر، ودفعته حماسته السّياسيّة والوطنيّة إلى الانتماء إلى جمعيّة الطّلبة المسلمين لشمال إفريقيا وفي صلبها التقى بصالح بن يوسف والجزائريّ فرحات عبّاس. ولمّا كان من أعضائها النّاشطين والمشبّعين فقد انتخب رئيسا لهذه الجمعيّة وشارك في مؤتمرها المنعقد بالجزائر 1932 ثمّ في مؤتمر تلمسان 1935، فكانت خير مجال لصقل خصاله القياديّة وإغناء تجربته السّياسيّة.

في لهيب المقاومة الوطنيّة

عاد المنجي سليم إلى تونس سنة 1936 فاشتغل بالمحاماة وخاض غمار النّضال السّياسيّ وهو الذّي تهيّأ له على أحسن ما يُرام في جمعيّة الطّلبة المسلمين، وهكذا ترأّس الشّعبة الدّستوريّة بالحلفاوين ونشط صحبة الهادي نويرة في إعادة تأسيس الجامعة العامّة للعمّال التّونسيّين.  شارك في مؤتمر نهج التّريبينال للحزب الدّستوري الجديد (30 أكتوبر – 2 نوفمبر 1937) وساند الجناح الرّاديكاليّ المطالب بالاستقلال وانتخب عضوا بالمجلس الوطنيّ للحزب (المجلس المحلّي). وقام في تلك الفترة بجولات عديدة داخل البلاد وأشرف على اجتماعات حزبيّة تميّزت بالحماس الشّديد والتّحريض على المستعمر. وحال التزامه الكليّ بالعمل الوطنيّ دون إتمام زواجه من ابنة خالته توحيدة ثامر شقيقة الزّعيم الحبيب ثامر.

وسرعان ما تطوّرت الأحداث إثر عزل الزّعيم علي البلهوان الأستاذ بالصّادقيّة من مهنته فأشعل المنجي سليم فتيل التّحرّكات الاحتجاجيّة في العاصمة (23 مارس 1938) ثمّ في جهة بنزرت (29 و 30 مارس 1938) وقاد مظاهرة اتّجهت في 7 أفريل 1938 إلى قصر الباي بحمّام الأنف. ومن الغد قاد مظاهرة ثانيّة قادمة من «رحبة الغنم)، فكان يوم 8 أفريل المشهود. ويوم 9 أفريل 1938 تمّ إيقافه صحبة علي البلهوان فانجرّ عن ذلك الصّدام الدّمويّ بين الوطنيّين وبوليس المستعمر الذّي سقط فيع عشرات الشّهداء.

وعلى إثر تلك الحوادث بدأت رحلة السّجون والمنافي، إذ أُودع المنجي سليم السّجن المدني بتبرسق، ثمّ نُقل صحبة 18 من الزّعماء والقادة الوطنيّين إلى حصن «سان نيكولا» بمرسيليا في ماي 1940، ونُقل بعد ذلك إلى حصن «مون لوك» بليون في نوفمبر 1942، ومنه إلى نيس ثمّ إلى روما. ولم يتمّ الإفراج عن الزّعماء إلّا في فيفري 1943 من قبل الألمان.

من مؤتمر «ليلة القدر» إلى مؤتمر «دار سليم».

شهدت الحركة الوطنيّة أثناء الحرب 1943 – 1945 فتورا واضحا بسبب الرّقابة الاستعماريّة اللّصيقة على الوطنيّين والتّضييق على تحرّكاتهم فغادر الزّعيم بورڤيبة تونس خفية في 26 مارس 1945 متّجها إلى القاهرة واختير المنجي سليم مديرا سياسيّا للحزب، وكان عليه إعادة جهاز الحزب إلى سالف حركيّته ونشاطه. ترك المنجي سليم المحاماة نهــائيّا وانصرف إلى إعادة هيكلة الحزب فأحاطه بحزام متين من المنظّمات الوطنيّة النّاشئة (اتّحاد الصّناعة والتّجـارة، اتّحاد الفلّاحين، اتّحاد المرأة) ومن تشكيلات المجتمع المدنيّ ستكون بمثابة الرّوافد للحزب (فرق مسرحيّة، جماعات أدبيّة، جمعيّات رياضيّة، تنظيمات نقابيّة...) ثمّ بادر إلى قيادة مشاورات مع عدد من زعماء الدّستوريّ القديم والزّيتونيّين وبقيّة القوى الوطنيّة والتّوصّل إلى ما يُسمّـى آنـذاك «الميثاق التّونســيّ»، وبعث هيئة من الخبراء تتكوّن من مثقّفين مزدوجي اللّغة كانت تضطلع بـدور لجان التّفكير صلب الحزب. وتمّ تقسيم المهامّ داخل القيادة بين الأمين العامّ (صالح بن يوسف) ومدير الحزب (المنجي سليم)، إذ تُناط بالأوّل العلاقات الخارجيّة للحزب (العلاقة مع القصر والإقامة العامّة والقناصل الأجانب وبقيّة الأحزاب) ويُوكل إلى الثّانيّ تسيير أجهزة الحزب وجامعاته وفروعه في الخارج والمنظّمات الوطنيّة الملتزمة بخطّه السّياسيّ إلى جانب أمانة المال. وأفضت كلّ تلك الجهود التّنظيميّة والسّياسيّة إلى عقد مؤتمر ليلة القدر في 23 أوت 1946 الذّي ضمّ كلّ القوى الوطنيّة وأسفر عن المطالبة بالاستقلال.

ولكنّ الحزب شهد في الفترة اللّاحقة اختلافات في وجهات النّظر، ففي حين جنح بعض الزّعماء (صالح بن يوسف) إلى التّعويل على التّقارب مع الباي والأوساط البورجوازيّة، رأى البعض الآخر (نويرة والبلهوان) مواصلة النّهج البورُڤيبي في الاتّصال المباشر بالشّعب ونشر الوعي الوطنيّ على نطاق واسع، وممّا زاد في دقّة الموقف صعود بعض التّيّارات التّي باتت تنافس الحزب على موقعه الرّياديّ مثل الدّستور القديم والحركة المنصفيّة والزّيتونيّين، وهنا حاول المنجي سليم لعب دور الموفّق بين الاتّجاهين وتقريب وجهات النّظر المتباينـة فاستقرّ الرّأي على عقد مؤتمر نظّمه المنجي سليم وأواه في بيتـه فسميّ مؤتمر دار سليم (17 و18 أكتوبر 1948) وترأّســه الزّعيم فرحات حـشّاد بمعيّة الزّعيم الهـادي شاكر. وكان هذا المؤتمر وما أفضى إليه من نتائج سببا في عودة بورڤيبة من المشرق فعُهد إلى المنجي سليم بتنظيم الاستقبال الذّي أُعدّ للمجاهد الأكبر في مطار العوينة يوم 8 سبتمبر 1949.

الحزب يجد «عقله المدبّر»

استرجع الحزب هيمنته على الحياة السّياسيّة بالبلاد وزادته عودة بورقيبة من المشرق صلابة وعمق تأثير فانتصب سنة 1950 مخاطبا كُفْأً لفرنسا وطالب بإجراء مفاوضات تُفضي إلى الاستقلال، فتكوّنت وزارة تونسيّة يرأسها محمّد شنيــق ودافع المنجي سليم عن تمثيل الحزب في الحكومــة ضمّت الأمين العام للحـزب صالح بن يوسف وزيرا للعدل، ولكنّ فشل المفاوضات جعل الحزب يختار نهج الكفاح المسلّح وفرنسا تختار نهج القمـــع والاضطهاد. ففي 18 جانفي 1952 تمّ إيقاف جلّ الزّعماء بمن فيهم المنجي سليم ووضعهم رهن الإقامة الجبريّة بطبرقة، وفي 26 مارس 1952 نُقل بورقيبة والمنجي سليم والهادي شاكر في طائرة عسكــريّة إلى المحتشد العسكريّ برمادة ثمّ نُقل بورڤيبة إلى جزيرة جالطة والمنجي سليم إلى تطاوين فظلّ هناك حتّى 1 جانفي 1954.استقبله الباي مع عدد من القادة الدّستوريّين بعد إطلاق ســراحـه، وسـعـى في تلك المرحلة إلى تكوين جبهة وطنيّة ضـدّ إصلاحات حكومة محمّد صالح مزالي والمقيم العــامّ «بيار فوازار» فأصبح مستهدفا من قبل مجموعة «اليد الحمراء» التّي اغتالت حشّاد والهادي شاكر فاضطرّ إلى العيش مدّة في السريّة. وتولّى مـن جانفي 1954 إلى 1 جـوان 1955 المسؤوليّة الأولى في الحـزب في غيـاب بورڤيــبة المنفـي في جزيرة «قروا» وبــن يوســف الموجـود بالقاهرة منـذ 1952. واضطلع طيلة سنوات الكفاح المسلّح بشكـل ســريّ بإدارة عـلاقات الحزب مع حركة المقـاومين في الجبال (الفلّاڤة) بمسـاعـدة الطيّب المهيـري ثمّ أحمد التّليلي.

وبعد زيارة منداس فرانس إلى تونس وتعبيره عن استعداد فرنسا لمنح تونس حكما ذاتيّا تكوّنت حكومة الطّاهر بن عمّار الأولى فانضمّ إليها المنجي سليم صحبة محمّد المصمودي والهادي نويرة والصّادق المقدّم. انطلقت المفاوضات في 4 سبتمبر 1954 وعُيّن المنجي سليم رئيسا للوفد المفاوض يُساعده عزيز الجلّولي ومحمّد المصمودي. وتمّ التّواصل إلى اتّفاق الاستقلال الدّاخليّ الذّي أمضاه الطّاهر بن عمّار والمنجي سليم عن الجانب التّونسيّ ورئيس الحكومة «إدغار فور» عن الجانب الفرنسيّ. وفي حكومة بن عمّار الثّانية التّي تشكّلت في 17 سبتمبر 1955 تولّى المنجي سليم وزارة الدّاخليّة، وهي وزارة لم تكن موجودة قبل ذلك، فكان عليه أن يؤسّسها في ظروف داخليّة صعبة اتّسمت بالصّراع البورقيبي اليوسفيّ والإعداد لانتخابات المجلس التّأسيسيّ. ونجح في تلك المرحلة الدّقيقة في معالجة ملفّات حسّاسة إذ أشرف على الإعداد لمؤتمر صفاقس 1955 وتعديل القانون الانتخابيّ وإعادة إدماج «الفلّاڤة» بعد تسليمهم السّلاح وتجديد سلك «القيّاد» وحلّ المجالس البلديّة المنتخبة في ماي 1953، وكان ضمن الوفد المفاوض من أجل الاستقلال. ولئن رفض تمكين بن يوسف وجماعته من عقد مؤتمر مواز للحـزب في 18 جـانفي 1956 لأسبـاب قانونيّة (لا يجوز تمكين حزب واحد من ترخيصين اثنين لعقد مؤتمرين) فالمرجّح أنّ المنجي سليم أعـدّ بالتّنسيق مـع رئيس الحكـومة الطّاهـر بـن عمّار مخطّط هـروب صـالح بن يوسـف إلى ليبيا يوم 27 جانفي 1956 حقنا للدّماء وتفاديا لتوسيع دائرة الخلاف.

الدّبلوماسيّ المحنّك

بعد إعلان الاستقلال التّامّ وإجراء انتخابات المجلس التّأسيسيّ ترأّس بورڤيبة حكومة جديدة في أفريل 1956، وسُميّ المنجي سليم وزير دولة دون حقيبة في تلك الحكومة في انتظار تعيينه سفيرا لدى الولايات المتّحدة الأمريكيّة وممثّلا دائما لتونس لدى الأمم المتّحدة في 15 جويلية 1956. وقد أثبت في المنتظم الأمميّ باعه الطّويل وحنكته الكبيرة في المجال الدّبلوماسيّ، وحقّق انتصارات مشهودة لتونس إبّان العدوان الفرنسيّ على السّاقية في 8 فيفري 1956 وحرب بنزرت في جويلية 1961 ممّا حدا بالأمين العامّ للأمم المتّحدة «داغ هامرشوالد» إلى زيارة مدينة بنزرت بنفسه في خضمّ تلك الأحداث.

ونظرا لما أبداه من حنكة لافتة في التّعاطي مع القضايا العالميّة والوطنيّة داخل المنتظم الأمميّ انتخب المنجي سليم يوم 20 سبتمبر 1961 رئيسا للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة فكان ذاك التّتويج أكبر إشعاع لتونس الدّولة الفتيّة المنخرطة حديثا في المنظّمة الأمميّة. وخيّر بورڤيبة الاستعانة به في حكومته النّاشئة فعيّنة في 16 أوت 1962 كاتب دولة للخارجيّة ثمّ ممثّلا شخصيّا لرئيس الدّولة برتبة وزير فوزيرا للعدل في 6 سبتمبر 1966. ولكنّ المنجي سليم أصيب منذ 1968 بمرض عضال أخذ في إنهاك جسده والحدّ من نشاطه إلى أن وافته المنيّة يوم 23 أكتوبر 1969. ففقدت تونس بوفاته مناضلا وطنيّا مُخلصا ومفاوضا بارعا ورجل دولة منقطع النّظير ودبلوماسيا محنّكا . وبمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته وتخليدا لمآثره أُطلق اسم «المنجي سليم» على إحدى قاعات المقرّ الجديد للأمم المتّحدة بتونس (القاعة الخضراء) في موكب أشرف عليه وزير الشؤون الخارجية السّابق والمنسّق المقيم للأمم المتّحدة في تونس «دي غوزويلا».

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.