أدب وفنون - 2019.02.27

عامر بوعزّة: مصطفى الفيلالي أديبا

مصطفى الفيلالي

لا يُذكر مصطفى الفيلالي غالبا إلاّ بكونه أحد رجال دولة الاستقلال وبُناتِها الأوائل. يُذكر بوصفه عضوا في المجلس التأسيسي الذي صاغ أوّل دستور للجمهورية التونسية، وأوّل وزير للفلاحة، كما يذكر بنشاطه النقابي ونضاله القومي أكثر مما يُذكر أديبا. وقد صدرت للفقيد من قبل رواية «مانعة» عن سلسلة «عيون المعاصرة» بتقديم الأستاذ توفيق بكار، وصدرت له في العام 2015 رواية «أم حامد» عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، وهذه الرواية هي التي نرغب في إلقاء الضوء عليها لا لكونها أحدث أعماله وآخرها، بل أيضا لما تطرحه من إشكالات عميقة تتعلّق بجنسها الأدبي ومحتواها..

تنطلق أحــــداث الرواية قبيل الحرب العــالمية الثانيــة، عندمـا ينجح الشاب الصادقي حامـد في امتحان الباكالوريا، لكنه يصطدم بمعارضة والده فكرة سفره إلى باريس لمواصلة الدراسة، وتنتهي في النصف الأول من الخمسينات، حين يعود حامد من السوربون عودة مؤقتة للوقوف أمام قبر أمّه التي كانت سنده الأوّل، وفي هذه الزيارة يسلك منعرجا هامّا في حياته بدخول مجال العمل النقابي. 

موضوع الرواية، إذن المصاعب المادية والمعنوية التي واجهها الفتى القادم من ريف القيروان في سبيل الذهاب إلى عاصمة الأنوار التي يصفها على لسان إحدى الشخصيات بأنّها «صرّة الجانب المتحضّر من المجتمع البشري والنمط الأمثل للحداثة والرقي»، وقد تشكّل هذا الوعي الحداثي في الصّادقية، ويختزله حامد بقوله: «أريد أن أواصل دراستي لأكون مثل أستاذي علي البلهوان أو محمود المسعدي أو عبد الوهاب باكير...».

رواية الواقع الاجتماعي بين الحربين

يتّخذ الصّراع في الرواية منحى اجتماعيا ثقافيا بتقابل نموذجين. نموذج المجتمع الريفي الزراعي، حيث لا يُنظر إلى العلم إلا بما يمثّله من عبء مادي «الشهادة ماذا نفعل بها في هذا البرّ المنكود؟»، وحتى تغيّر الشهادة الواقع بشكل ملموس ينبغي أن تقترن بالسلطة، «عجبا لإبننا يختار حرفة معلّم على وظيفة خليفة، صاحب سلطة ووهرة»، أمّا الصورة النموذجية الثانية فصورة حديثة صاغها العقل الصادقي، وهي تتأسّس على مفهوم مغاير للسّلطة يجعل من صاحب الشهادة مسؤولا على بناء العقول: «الأستاذ في الزيتونة أو الصادقية هو بنّاي، يُربّي الطلاّب على حبّ الوطن»، في هذا المستوى السردي تنتمي الرواية إلى الواقعية الاجتماعية في إطارها الريفي، والتي تتّخذ غالبا من المواجهة بين المجتمع التقليدي والحداثة موضوعا لها، لكن مصطفى الفيلالي ينتقل بنا إلى مستوى آخر من السّرد، حين يصل هذه المواجهة الأولى مع العقل التقليدي بواقع الحركة الوطنية في فترة ما بين الحربين، ويُولّد منها صراعا آخر بين الاستسلام للأمر الواقع وإرادة تغييره. الموقف الأول يلخّصه محمود أخوه في قوله «من الغباوة الاعتقاد بأنّنا قادرون على طرد فرنسا من البلاد بالعصيّ ومقالات الجرائد في وجه الدبّابات والطائرات»، ومبرّره في ضرورة القبول بالأمر الواقع أنّ الأرضية الاجتماعية غير مهيأة لفكرة الاستقلال وغير قادرة على تحمّل أعبائه: «ماذا نضع في بقعتهم، البلاد معرّضة للفتنة والشغب»، ومن هذا المنظور بدا له المتظاهرون يوم 9 أفريل 1938 «يتصايحون كالمجانين: برلمان استقلال»، لكن الفكر الحداثي الذي يجسّد الخلفية النظرية للحركة الوطنية كما تشكّلت بعد مؤتمر قصر هلال في 1934 يلخّصه حامد بقوله: «هل قرأت في التاريخ أنّ شعبا مناضلا أهديت له الحرية على طبق من ذهب، نحن نعلم أنّ الهدف مسافته بعيدة وثمنه باهظ، وضريبة الدم في حقّه واجبة، ومظاهرات 9 أفريل كانت للحزب بمثابة التجربة المخبرية والمعركة الحاسمة من حجم آخر». في هذا المستوى تتنزّل رواية «أم حامد» في سياق «روايات الحركة الوطنية» التي أسّست مع بداية عهد الاستقلال نواة الرواية التونسية الحديثة ومدوّنتها تشكّل الجزء الأكبر من روايات «الواقعية الاجتماعية» وهي روايات تناولت موضوع النضال الوطني ضد الاستعمار بتنزيله في بيئته الاجتماعية أولا وثانيا بتجذير فكرة مقاومة التخلّف ومواجهة العقل التقليدي باعتبارهما من شروط التحرّر الفعلية إلى جانب النضال المباشر لتحرير الأرض.

الرواية وإشكالية الأنا والآخر

لقد شكّل وعي حامد بواجبات المثقّف في مجتمعه نقطة تحوّل مركزية لا على صعيد التطوّر الذهني والمعرفي فحسب بل في مستوى الأحداث ذاتها، فمن لحظة وصوله إلى مبنى الطلبة في شارع «فوجيرار» في قلب الحي اللاتيني، ووقوفه أمام مكتب الحارسة «في أمثل صورة مألوفة للمهاجر الشمال افريقي» حتى لحظة مغادرته باريس عائدا إلى تونس يشهد القارئ نقاشات ومجادلات عميقة في تاريخ الفكر السياسي والثقافة والأدب. حامد والحبيب وحافظ أسماء مختلفة لفكر واحد مشترك، يلخّصه هذا الموقف «ما النصر إلّا بالذود عن الثقافة وما الفشل إلّا بفقدانها وتزييف مراجعها» وهو ما جعل حامد يستخلص أنّ «التمسك بأصالتنا الثقافية وفكّ أغلالها هي بداية النهضة» ويؤكّد له حافظ أنّ النهضة هي مضمون المسؤولية متوجّها إليه بالخطاب: «وإنني وإياك في عداد النخبة الوطنية المؤتمنة على هذا الرزق الثقافي النفيس، مسؤولية نحملها لمجرد انضمامنا لزمرة الطلبة بهذه الجامعة. رضينا بالرسالة أم كرهنا. هو واجب وطني منزلته كمنـــزلة التكليف الديني».

لم يتشكّل هذا الوعي من فراغ، بل وضع الفيلالي بطله حامد في مواجهة مع الفكر الغربي الاستعماري منذ وطِئت قدماه أرض باريس، فقد أكّد أحد الأساتذة في درسه أنّ تاريخ المفاهيم السياسية عانى فجوة طويلة دامت أكثر من خمسة عشر قرنا من افلاطون إلى مونتسكيو ويعتبر حامد أنّ في ذلك افتراء يتمثّل في تجاهل ابن خلدون والفارابي وابن رشد والماوردي وغيرهم من المفكّرين العرب الذين أغنوا الفكر السياسي، لكن هذه المواجهة لا تحجب انبهار المثقف العربي بطبيعة المجتمع الفرنسي إعجابه بالثورة الفرنسية التي مثّلت الأنموذج المثالي في سياق فكر النهضة، فقد «حرّرت الضمائر، فأصبح التعبّد اختيارا فرديا ومسؤولية ذاتية، أعفيت من الإكراه وتطهّرت من عقدة التأثيم، وبذلك حقّق المجتمع الفرنسي المصالحة التي كان ينادي بها فيلسوف قرطبة ابن رشد بين العقل والدين، بين الحكمة والشريعة».

ورواية أم حامد في هذا المستوى تتنزّل بوضوح في جدول الروايات العربية التي تناولت إشكالية «الأنا والآخر»، الروايات التي اتّخذت من وجود المثقّف العربي داخل المجتمع الغربي إطارا لصراع فكري حضاري، على غرار «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم أو «أديب لطه حسين» أو «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، وقد كتبت هذه الروايات خصوصا في مرحلة ما بين الحربين والنصف الثاني من القرن العشرين في أوج حركات التحرّر الوطني. ولا تخرج هذه الرواية عن النمط السردي المشترك في مدوّنة «الروايات الباريسية» التي تقوم على فكرة اكتشاف المجتمع الغربي بثقافته وفنونه وعاداته، ووضع أفكاره الحداثية في مواجهة الفكر الشرقي، وتمثل التجربة الحسيّة في هذه الروايات أحد عناصر التقابل الأساسية بين الشرق والغرب، ففي كل قصة من هذه القصص امرأة يقع في شراكها البطل، وقد قامت بهذا الدور «غابرياله» الطالبة النرويجية التي لا يتحرّج مصطفى الفيلالي في أن يصف بأناقة مفرطة علاقتها الجنسية مع حامد وخيبة أملها عندما علمت أنّه متزوج من ابنة خاله وأنّه قطع على نفسه عهدا بالوفاء يمنع علاقتهما من أن تستمرّ بأي شكل من الأشكال.

أسئلة النوع الفني والجنس الأدبي

تطرح رواية «أم حامد» من ناحية الشكل الفني أسئلة تتعلّق بالنوع الروائي أولا وبالجنس الأدبي ثانيا، فمن حيث النوع يمكن التسليم بأنّ نص مصطفى الفيلالي رواية تتوفّر على كلّ مقتضيات السرد الروائي، وفي هذا المستوى يبدو تأمّل العنوان عتبة ضرورية لفهم الاختيارات الجمالية والرمزية الحافّة بالسرد الواقعي الاجتماعي، فشخصية الأمّ التي يشير إليها العنوان، يرفعها الكاتب فوق مقام بطله الرئيسي حامد، لسببين اثنين، سبب نستشفّه من سياق الأحداث ويتمثّل في كونها مثّلت المساند الأول لابنها حامد في مواجهته الفكر التقليدي المتحجّر، ومثّلت رؤياها التي قصّتها في الصفحات الأولى عن سقوط ابنها حامد من على فرس جموح تركض به في البراري هاجسا يلازم البطل حتى لحظة وقوفه أمام قبرها وقد ماتت وهو بعيد عنها، وكان لزاما أن يعود إلى الثرى الذي ووريت تحته ليجدّد العهد. وهنا يظهر السبب الثاني الذي نتأوّله تأويلا وهو رمزية الأمّ وعلاقتها بالأرض والوطن ودلالتها على موقع المرأة في سياق النهضة الفكرية والاجتماعية في تونس، فكلّ الشخصيات النسائية في الرواية شخصيات إيجابية فاعلة ومؤثرة.

بين الرواية التاريخية والسيرة الذاتية 

لكن تتوفّر عدّة قرائن تجعل من هذه الرواية رواية تاريخية أيضا، فالأحداث الواقعية التي تكتنفها لم تكن مجرّد إطار للسرد، بل عنصرا أساسيا تتقدّم عبره العقدة وتتطوّر الشخصيات. يبدو هذا المظهر بوضوح في استخدام شخصية عبد العزيز العروي في المرحلة التي اشتغل فيها حامد مذيعا بالإذاعة الفرنسية وكان يرافقه في جولاته الأسبوعية بسيارة الإذاعة إلى القرى والأرياف حيث «يحتشد الناس حول سيارة الإذاعة فيتلقّون من أبواقها السرد القصصي، ويتفكّهون بما يروي لهم العروي من أخبار العهود السابقة وأساطير الذاكرة» وهو يعرف نقلا عن العروي أنّ الغاية المسكوت عنها هي تلهية الناس وصرف عنايتهم عن الشؤون السياسية، و«القصد من وراء هذه اللقاءات الشعبية حول سيارة الإذاعة هو البديل المقابل لاجتماعات الشعب الدستورية الممنوعة»، وهي جملة يكتنفها في رأينا الكثير من اللّبس والغموض، إذ لم تبن بجلاء كاف موقف العروي ذاته من هذا الدور، فمن الواضح حسب السياق أنّ خطابته كانت تمثّل بديلا مقبولا لدى المستعمر عن خطابة بورقيبة! ويبقى السؤال معلّقا، من الذي وشى بحامد عندما انحاز إلى أهل العضلة وقد اشتكوه من جور الخليفة الذي أرسله المراقب المدني لجمع أسلحة الألمان بعد نهاية الحرب، فطغى، وتجبّر، وأهان أهل القرية، ونصح حامد أهله بكتابة عريضة، فقد كلفته هذه الوشاية الطرد من الإذاعة.

لكنّ الرواية التاريخية هاهنا تصطدم ببعض المطبّات، فبعد طرد حامد من الإذاعة يجلس إليه أحد زملائه ويدعى «الحسين»، وينصحه بالبحث عن وساطة تنجيّه من المحاكمة العسكرية، فيقول له «الوزير السابق في عهد المقيم فوازار، سي عبد العزيز، ألم يكن جليسا لخالك؟»، وهذا الوصف لا يستقيم مع الواقع التاريخي، فالمقيم العام «بيار فوازار» جاء إلى تونس في سبتمبر 1953 خلفا للمقيم السابق «دي هوتكلوك»، بينما تقع الأحداث التي يسردها الفيلالي مع نهاية الحرب العالمية الثانية!، وفي نهاية الرواية في اليوم الذي حضر فيه حامد اجتماعا للهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل في مدرسة سيدي علي عزوز بالمدينة العتيقة أشرف عليه فرحات حشاد، يلتقي لاحقا أمام مكتبة العطارين صديقه حافظ الذي يلقي على مسامعه بعض الأخبار المتعلقة بالمواجهة المستعرة بين المقاومين والجيش الاستعماري، فيعلّق حامد بقوله: «البعض من الثأر لدم فرحات وشاكر»! ولا شكّ أنّ مثل هذه المطبّات التي وقع فيها الراوي تعود أساسا إلى تذبذب النص بين نوعين روائيين، النوع الاجتماعي الواقعي والنوع التاريخي، ويبدو هذا التذبذب النوعي نتيجة منطقية لحرص الكاتب على عدم الوقوع في جنس السيرة الذاتية، وإن كانت القرائن السياقية مع المعطيات الواقعية خارج النص تشير كلّها إلى أنّ حامد هو مصطفى الفيلالي ذاته.

رواية متأخّرة عن عصرها

كُتبت روايةُ «أم حامد» دفعة واحدة، فالنص من البدء إلى المنتهى نصّ واحد مسترسل، والزمن خطي متتابع بشكل أملس، بما يجعلها من منظور فني بحت أقرب إلى المسودّة منها إلى الرواية المكتملة الناضجة، وهي تنتمي إلى عصر مؤلفها لا إلى عصر القراء اليوم بخلوها من أي نزعة تجريبية، وقد كان حريّا بكاتبها أن ينشرها قبل خمسين عاما، لتقف إلى جانب مثيلاتها في المكتبة التونسية روايات محمد العروسي المطوي وعبد الرحمن عمّار ومحمد المختار بن جنات وغيرهم ممن جعلوا من الحركة الوطنية في علاقتها بالبيئة الاجتماعية موضوعا لرواياتهم. فهذه الرواية تصوّر المنطلقات الفكرية للحركة الوطنية لا بوصفها مقاومة مسلحة فحسب، إنما مشروعا اجتماعيا وثقافيا. وأبطالها من طلبة الصادقية والسوربون يمثّلون الجيل الثاني الذي سيعود إلى تونس مع بداية عهد الاستقلال للاضطلاع بأدوار مختلفة في الدولة الحديثة. يلخّص نزعة هذا الجيل في الرواية شاهدان الأول يتغنى فيه حامد بالمجد الوطني مختزلا رمزيا في تجاور الزيتونة والصادقية في المكان «إذا مررت بجدرانك، يا زيتونة المجد، حرّكني صوت الأذان يشهد بعراقة الإسلام في أرجائك يا تونس، وإذا صعدت إليك يا قباب الصادقية، انتفض صوت خير الدين يحرّك العزم على الحكم الرشيد، ما أفصح شواهد الأرض لأصالة مجدك يا وطني».

أما الشاهد الثاني فيعتبر المفتاح الأساسي لفهم شخصية مصطفى الفيلالي الكاتب والنقابي ورجل الدولة، فالوعي النقابي لدى حامد تشكّل بعد اكتشافه في محاضرة ألقاها فرحات حشاد في نادي الطلبة بباريس أنّ التكامل بين الجانبين السياسي والاجتماعي في برنامج الكفاح الوطني العمالي اختيار سديد ومعقول، ويظهر الفكر النقدي لدى هذا الجيل الذي يمثّله حامد في اعتبار الافتراق بين هذين الجانبين أحد أهم أسباب فشل تجربة محمّد علي في العشرينات، وأنّ ذلك كان من أخطاء الحزب الدستوري القديم الذي فوّت على نفسه وعلى الحركة الوطنية فرصة بناء الجبهة الكفاحية العريضة، وأبرز مظهر من مظاهر هذا الالتقاء رؤيته أستاذَه المبرّز من السوربون جالسا إلى جانب أمين عام نقابة حمّالة الرصيف وكأنّهما زميلا دراسة يشتركان في الرأي، لأنّ التناصر في القضية الوطنية يرحل بكل ما في الشخصية من خصوصية، ذلك هو مفهـــوم الوحـدة الوطنية الـذي ظلّ مصطفـى الفيلالي وفيّا له طيلة حياته.

عامر بوعزّة

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.