أخبار - 2017.08.15

فاضل موسى يدعو إلى تعديل توازن المشهد السياسي من جديد

فاضل موسى يدعو إلى تعديل توازن المشهد السياسي من جديد

في ردّه على سؤال وجّهته له مجلة ليدرز حول انتظاراته خلال النصف الثاني من المدّة الرئاسيّة للباجي قايد السبسي، قال العميد السابق لكليّة العلوم القانونيّة والسياسيّة والاجتماعيّة بتونس وعضو المجلس الوطني التأسيسي، فاضل موسى، "ينتظر التونسيون من الرئيس أن يتوفّق خلال ما تبقى من المدّة الرئاسيّة إلى الوفاء ببعض الوعود التي أطلقها إبّان الحملة الانتخابية، وأن يضع وثيقة قرطاج موضع التنفيذ وينجز ما ورد في الدستور وهو ضامنه. وهناك في رأيي ثلاثة إنجازات على قدر من الأهمية وهي:

1- هنالك شكوك تساور التونسيين. هم في حاجة اليوم إلى من يطمئنهم وينال ثقتهم، يتُوقُون إلى أن تراودهم من جديد تلك الآمال التي ولَّدتها الثورة، وأتاحها إصدار الدستور والتداول على السلطة الذي حصل في سنة 2014. كثير من المواطنين ينتابهم إحساس بالقرف جراء ما آلت إليه أوضاع البلاد العامّة، وبسبب الغموض الذي يكتنف مستقبلها. ينبغي أن ينصرف السعي إلى تبديد هذا الإحساس. كان بعض القادة من أمثال روزفلت وبورقيبة يستعملون بيداغوجيا الأسمار أو قل "أحاديث السَّمَر
" les causeries au coin du feu "   التي فيها من الطرائف والحِكَم والعبر ما يشد انتباه الناس... مثل هذه الأحاديث ربما تكون مفيدة لكنها غير كافية، لأنّ المواطن في حاجة أكثر إلى العمل المجدي والنتائج الملموسة. وبما أن السلطة التنفيذية عبارة عن" معزوفة بِلَحْنَيْن"، فإنّ ما ينتظر أن تقوم به الحكومة من عمل ينبغي أن يتم بتشاور وانسجام مع الرئيس. لكن الشعور السائد هو أنّ الرئيس هو قائد الأوركسترا، وأنه يُنْظَرُ للحكومة على كونها "تابعة"، ومرتبطة بالرئيس أكثر من ارتباطها بالمجلس. لكن هذه الصورة غير واردة، لأنها تحطّ من شأن الحكومة. والمطلوب من الرئيس أن يثبِّت حكومة الوحدة الوطنية وأن يدعمها بشكل واضح حتى نهاية عهدته. لا بدّ من إزالة كل غموض على هذا المستوى، فعلى الرئيس أن يبادر إلى رسم معالم المستقبل بصورة واضحة لا لبس فيها، لأنّ من شأن ذلك أن يسنده ويدعمه  في سعيه إلى مواجهة التحديات الكبرى وخاصّة مقاومة الفساد. فلا يمكن أن ينتاب الحكومة شعور بأنها مكتوفة الأيدي وأنّ قراراتها تبقى مؤجلة إلى حين، فهذا يُضْعفُها ويَفُتُّ في ساعدها، وهو ما لا ينطلي على التونسيين الذين يجدون غضاضة في عدم استقرار الحكومة، وتلك مفارقة.

هنالك حديث عن حكومة ائتلاف بين الحزبين الأوَّلين يمكن طرحها كبديل، وهو حديث متداول، وليس مجرد فرضيّة نظريّة. وأعتقد أنّ انتهاج هذا الخطّ لو حصل لكان بمثابة الانتكاسة، ولكلفنا غاليا. لذلك يحسن بنا أن نبقى على تشبثنا خلال المدة المتبقية من العهدة الرئاسية بروح "الوحدة الوطنية" بمفهومه الواسع، وأن  نحرص على تعزيزها. أعتقد أن التونسيين لا يرضون ببديل جِدِّيٍّ آخر، ولا يحبّون أن يُزَجَّ بهم مرة أخرى داخل " قاعة انتظار"  خلال الفترة المتبقية من المدّة الرئاسية،  ويرفضون مجرّد التفكير في سيناريو شبيه بذلك الذي أفضى إلى سقوط الحكومة السابقة.

2- عاد الباجي قايد السبسي إلى الحياة السياسية منذ مارس 2011، وارتقى إلى سُدَّة الرئاسة في ديسمبر 2014، وكانت له في كل ذلك، وبامتياز، اليد  الطولي على مستوى الحكومة وحتى على مستوى المجلس؛ إلا أنّ هذه العودة المعجزة خَبا تَوَهُّجُها لسوء الحظ بعد ذلك الانفجار الذي هزّ أركان الحزب الذي أنشأه والذي ساعده على تحقيق هذا الإنجاز التاريخي. خَلَّف هذا التردّي وهذا  السقوط في المنحدر شعورا بالمرارة والقرف لأنّه جاء نتيجة اعتبارات ذاتية تقطع تماما مع مزايا التبصر والمنطق السليم والموضوعية. كنّا نأمل أن يدرك الرئيس في نهاية المطاف أنّ ما حصل سيُخَلِّف حالا من الاضطراب والتجاوز وسيكلف غاليا. وبيّن التونسيون بالفعل ٲنّهم لا يرضون لا بتداخل الأمور ولا بالخلط بين ما هو مركزي وما يقع في الأطراف على مستوى شؤون الدولة. إلا أنّه يراودني إحساس بأنّ كثيرا من التونسيين يأملون في إمكانية تدارك ما حصل بما يمهّد السبيل إلى إعادة تعديل توازن المشهد السياسي من جديد وهو توازن أصبح اليوم على المحكّ. فلم يعد هناك من وجود في المشهد إلا لحزب واحد مهمين. وربما انصرف السعي إلى القيام بمبادرة جديدة لإيجاد توازن جديد على غرار ما تحقّق في سنة 2014؛ فلربما جنَّبَنَا ذلك خشية تجدّد سيناريو 23 أكتوبر 2011 بالنظر إلى تشظّي المشهد السياسي في الوقت الحاضر وفشل العديد من محاولات الائتلاف بين أحزاب يسندها التونسيون وعدم إمكانية تشكل مثل هذا الائتلاف في المستقبل كما يبدو.

3- التونسيون يؤمنون بدولة القانون وهم على تعلّق بها. يكرهون الذِّلَّة ويأبون المنقَصَة أو أن يتمّ التعدّي على حقوقهم أو أن تُصادَر حريتُهم وتُنْتهك كرامتهم. هم على تشبث بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وعلى تعلّق بالمساواة بينهم في حدود ما يسمح به واجب التمييز الإيجابي. ومجمل القول أنهم يطالبون بأن يكونوا مواطنين أحرارا في مجتمع عادل، ويعتقدون أن ذلك يبقى أثمن غنم كسبوه من الثورة. وقد لا يترددون في الركون إلى الثورة في حال حصول تراجع أو انتكاسة. هم ينتظرون تفعيل الضمانات الدستورية وصدور القوانين الأساسية المبرمجة وتركيز المؤسسات الدستورية التي لم تر النور بعد. فكلّ هذه الأمور تدخل في صميم وظائف رئيس الجمهورية العليا .. فهو الذي " يسهر على احترام الدستور (الفصل 72)"، وله كل الصلاحيات الضرورية لذلك، وهي تتمثّل في أولوية مقترحات القوانين، والحق في إحالة القوانين إلى المراقبة الدستورية، وهو حق لم يمارسه لسوء الحظ لمَّا تعلق الأمر على الأقل بالقانون الأساسي المتعلق بالمحكمة الدستورية الذي كان محل اعتراض شديد، وحقّ النقض ضد القوانين الخ. وينتظر أن يفعل ذلك من هنا فصاعدا ويمضي فيه إلى غاية انتهاء عهدته حتى ينتهي العمل بالقسم المتعلق بالإجراءات الانتقالية في الدستور قبل انقضاء العهدة الرئاسية، وبذلك يوضع حدّ لكل ما هو وقتي وانتقالي في الدستور ويكون ذلك بمثابة الإعلان عن نهاية المرحلة الانتقالية على مستوى الدستور على الأقل. وبذلك يصبح الدستور في حكم المستكمل. وهل من حاجة في هذا الصدد إلى التذكير بأنّ اتفاق قرطاج (أوت 2016) قد نصّ على الإسراع بإتمام إرساء المؤسسات الدستورية؟

تفصلنا عن نهاية المدة الرئاسية سنتان ونصف، وبوسع الرئيس خلال هذه الفترة استكمال الاستحقاقات التي بقيت معلّقة، وتكرار ما باشره من أعمال خلال الفترة الممتدة بين أفريل 2012 وديسمبر 2014 من قبيل التداول على السلطة الذي يعتبر من الإنجازات العظيمة التي سيحفظها له التاريخ رغم كل النواقص. أمام الرئيس الآن  تحدّ جديد يكتسب طابعا سياسيا بالأساس: تسليم المشعل وتونس في حال من اليسر، في ظل مشهد سياسي تعددي ومتوازن، في مأمن من كل خطر جدّي يمكن أن ينجرّ عن تسلط حزب حَرِيٌّ به أن يتعوّد على الدولة المدنية التي تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون... وحريّ به كذلك ٲن يتعوّد على تونس الديمقراطية ... على الحقوق والحريات الكونية وترسخها في المجتمع... على تونس التي ليس لها من خيار آخر غير خيار التقدم.
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.