أخبار - 2023.09.14

سبتمبر 2023: زلزال جنوب غرب مراكش وعاصفة دانيال شرقي ليبيا: اهم الاستنتاجات بالنسبة لتونس

سبتمبر 2023: زلزال جنوب غرب مراكش وعاصفة دانيال شرقي ليبيا: اهم الاستنتاجات بالنسبة لتونس

بقلم حكيم قبطني، أستاذ تعليم عالي في الجيوفيزياء- حدثان هامان سجّلا في شهر سبتمبر 2023 بالمغرب العربي خلفا اضرارا بشرية واقتصادية هامة. الحدثان يرتبطان بظواهر جيولوجية وطبيعية خصوصية يمكن تفسيرها عبر دراسة جيوفيزياء باطن الارض وفيزياء الغلاف الجوي. فما هي اهم الاستنتاجات بالنسبة لتونس؟

في الليلة الفاصلة بين 8 و9 سبتمبر 2023 أسفر الزلزال المدوي بالمغرب على خسائر بشرية هامة. ورصد الزلزال على بعد 72 كلم جنوب غرب مراكش واسفي بجهه ازقور بدرجة 6.8 على سلم رشتر وعلى عمق يناهز 20 كم كما تم تسجيل عشرات الرجات الارتدادية.

جيولوجيا وجيوفيزيائيا حصول الزلزال وشدته وموقعه ليس بالغريب والغير متوقع. لان منطقة المغرب العربي وتحديدا المغرب والجزائر وتونس تتكون في جزء كبير منها من سلسلة جبلية ضاربة في التاريخ الجيولوجي تسمى الاطلس المتكون من طبقات جيولوجية ترسبت عبر ملايين السنين في بحر التيتس. ويتمركز الاطلس في وضعية جيوديناميكية نشطة بين الصفيحة الافريقية جنوبا والصفيحة الاوروبية او الاورواسيوية شمالا.

تتميز المنطقة بوجود صدعين رئيسيين عميقين. الصدع الشمالي الاطلسي يمثل المنطقة الاكثر نشاطا زلزاليا ولعل زلزال بومرداس المدمر بالجزائر العاصمة أكبر مثال حديث لديناميكية هذا الصدع. وحصل زلزال بومرداس في سنه 2003 بنفس شدة زلزال المغرب الاخير اي 6.8 على سلم ريشتر مخلفا الاف الضحايا وخسائر جسيمة.اما الصدع الجنوبي الاطلسي فهو يمتد من اكادير الى قابس بتونس مرورا ببسكرة بالجزائر وذلك على أكثر من 2000 كلم. وكان يعتبر اقل خطورة مقارنة بالصدع الشمالي لكن زلزال اكادير لسنة 1960 والذي خلف الاف الضحايا كان تنبيها مهما لاتخاذ الاجراءات الخصوصية لتشييد البناءات والعمارات والمدارس والجسور والطرقات في مثل هذه المناطق والتي لم تنجز البتة. وتعتبر المنطقة الواقعة جنوب الحد الجنوبي الاطلسي مما يعني جنوب مدن اكادير والرشيدية وايميتر والورزازات منطقة امنة وبعيدة كل البعد على مراكز النشاط الزلزالي لأنها منتمية للدرع الافريقي الغير حيوي زلزاليا. وهذا ينطبق ايضا على الجزائر وتونس فقفصة وبسكرة مثلا ليستا تطاوين وتمنراست. وهنالك عديد الدراسات والبحوث لعشرات الجيولوجيين والجيوفيزيائيين بالمغرب العربي تأكد على جدية النشاط الزلزلي التاريخي والحديث ولعل منطقة الحوض المنجمي بتونس أفضل مثال (انظر وثيقة عدد 1 التي تخص الحوض المنجمي بقفصة).اما الحدث الثاني المهم الذي فاجأ عديد المختصين مع بداية شهر سبتمبر 2023 فهو عاصفة شرقي ليبيا. ويمكن اعتبار سنة 2023 سنة مفصلية للعلماء والباحثين حيث سجلت اعلى درجات الحرارة في كوكب الارض مع ارقام قياسية تاريخية في شهر جويلية. ومازال الزئبق يفاجئنا بأرقام وفترات حرارة وجفاف مطولة في شهر سبتمبر 2023. هذه الأحداث الغير المعهودة تمظهرت ايضا في شكل عواصف واعاصير وامطار بكميات هائلة وخارقة للعادة في مدة زمنية وجيزة باليونان وليبيا مثلا. كما لم تستطع السدود المشيدة على وادي درنة بليبيا الصمود امام السيول الجارفة مما خلف خسائر بشرية كبيرة وذلك رغم التحذيرات العلمية (انظر وثيقة عدد 2).فعدم الاخذ بعين الاعتبار لهذه الظواهر المناخية المتطرفة عند تشييد السدود كان امرا حاسما ادى الى تحويل مجرى الوادي الى مقبره جماعية. كما وجب التنويه الى ان انجاز السدود يأخذ وجوبا بعين الاعتبار في الحسابات الظواهر المناخية وهذا الامر ليس بالهين ويتوجب نظرة علمية استشرافية في واقع التغير المناخي. فالتغيرات المناخية اصبحت أكثر حدة فاقت التوقعات احيانا مما ادى الى إطلاق صيحات الفزع من الخبراء والباحثين والناشطين في المجال البيئي لاتخاذ اجراءات أكثر صرامة وتفعيل جدي للاتفاقيات الاممية والدولية. فنحن اليوم امام تسارع مذهل للظواهر المتطرفة المرتبطة بالتغيرات المناخية والانحباس الحراري في جزء منه.

في الأخير أصبح لزاما علينا اليوم بتونس الادراك جيدا ان ما بعد سبتمبر 2023 هي مرحلة جديدة لاستخلاص الدروس والاخذ بزمام الامور وتركيز خلايا وطنية لليقظة العلمية في اعلى مستوى للتفاعل الحيني مع المستجدات واعداد برنامج عملي للحد من المخاطر والكوارث الطبيعية.

حكيم قبطني
أستاذ تعليم عالي في الجيوفيزياء

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.