أخبار - 2017.11.25

العائدون من سوريا والعراق ... ماذا أعددنا لهم؟

العائدون من سوريا والعراق ... ماذا أعددنا لهم؟

احتمال عودة قرابة ثلاثة آلاف إرهابي تونسي إلى البلاد يطرح تحديات كبيرة، ليس على الدولة وأجهزتها الأمنية وحسب، وإنّما على المجموعة الوطنية. وبعد نهاية الحرب عمليا في سوريا والعراق، تتوقّع مراكز البحث، ومن بينها مركز علي صوفان، أن يعود 2962 تونسيّا وتونسية إلى بلدهم (الرابط http://thesoufancenter.org/research/foreign-fighters/). لكن هناك حربا أخرى لم تنته، ولن تنتهي، وهي الحرب الإلكترونية التي تشنها التنظيمات الإرهابية على عقول شبابنا بوسائل متطوّرة جدا. ولذا سنتطرق في هذا المقال إلى الواجهتين، فالعائدون من سوريا والعراق لن يجدوا ملاذا يهربون إليه. ربما يلتحق جزء منهم بالمليشيات المسلحة في ليبيا، غير أنّ العدد الأكبر لا خيار له غير العودة إلى البلاد، إن خلسة أو بتسليم نفسه للسلطات. ومن الضروري التعامل مع هؤلاء بما يفرضه قانون مكافحة الارهاب، وخاصة منهم من قتل وذبح ونهب واعتدى على الحرمات، كي نُجنّب بلادنا تسلل الذئاب المنفردة، ونمنع اختراق جسمنا الاجتماعي، وهذا لن يتأتى إلا بالتعاون بين المواطن والأمن، لأن القضاء على الإرهاب مسؤوليتنا جميعا..

لايأتي الخطر الارهابي فقط من عودة المقاتلين ضمن الشبكات الارهابية إلى تونس، وإنمــا تـــشن تلك الشبكات أيضا حربا ناعمة على عقول الشباب بجيش من العاملين على شبكات التواصل الإجتماعي. ولفت أنظار المراقبين والمحللين أن «داعش» نجحت في الترويج لفكرها ونشر خطابها المُخاتل، على نحو لم تستطعه التنظيمات الإرهابية التي سبقتها. واستهدفت آلتها الإعلامية شريحة الشباب على وجه الخصوص، بُغية غسل أدمغتهم والتمهيد لتجنيدهم في صفوفها، عن طريق خلاياها المنتشرة في البلاد العربية والغربية. من هنا نلمح أن تلك الآلة الدعائية تقوم بوظيفة مركزية، ضمن أدوات الحرب التي يقودها تنظيم «داعش»، مما يستوجب فهم آليات عمل جيشه الإلكتروني.

تقنيات سينمائية

يقــول الخبــير الفـرنـسي في شــؤون «داعــش» فــرنسوا برنـار هــويــغ François-Bernard Huyghe إن إعــلام التنظيم متطور جدا، إذ يعتمد على التقنيات السينمائية والإخراج الجميل والألوان الزاهية التي تُستخدم عادة في المحطات التليفزيونية الغربية بما فيها المسلسلات والمنّوعات. وعلى خلاف التنظيمات العنيفة الأخرى التي أهملت «القوة الناعمة» وركّزت فقط على القوة الغاشمة، مُستخدمة التفجيرات والاغتيالات وكل أنواع المُفخخات، فعل «داعش» كل ذلك غير أنه استقطب أيضا كفاءات شابة من ذوي الخبرة في المعلوماتية، لينسج شبكة فعّالة مع هدف مزدوج هو بثّ الرعب بين أعدائه، وتلميع صورته لدى الشباب.

وهذا ما يستوجب تفكيك عناصر بُنيته الإعلامية والتقاط نقاط القوة والضعف فيها، من أجل رسم بعض المعالم لمُواجهتها إعلاميا وكشف مُغالطاتها وأضاليلها، فقد استطاع التنظيم بفضل العناية الكبيرة التي أولاها لترويج صورته في وسائل التواصل الاجتماعي، كما في وسائط الإعلام التقليدية على السواء، أن يُغرق المجالين الرقمي والتقليدي بغزارة المواد الدعائية التي يُنتجها. وطبقا لنتائج دراسة قام بها مركز «كويليام» البريطاني أنتجت الطواقم الإعلامية التابعة للتنظيم في شهر واحد 900 مادة إعلامية بين مرئية ومسموعة ومكتوبة، وهو رقـم لا تحققُهُ عادة سوى الشبكات والمجموعات الإعلامية الكبرى. وأضاف التقرير أن التنظيم يعرض على المهرّبين مبالغ تتراوح ما بين ألف وألفي دولار لتجنيد أطفال وقاصرين داخل مخيمات المهجّرين في الأردن ولبنان، ويعمد إلى استغلال نقص الطعام في المخيمات التي يحاصرها لاستمالة المهجّرين عبر توفير ما يحتاجونه من غذاء ومواد أساسية للعيش، مُبيّنا أن المُهجَرين الشباب الذين جاؤوا إلى الأردن ولبنان دون ذويهم، أو تم فصلهم عنهم، هم الأكثر عرضة للتجنيد.

وأشار التقرير إلى أن تنظيم «داعش» استطاع تجنيد شبان من شمال أفريقيا في صفوفه بعد أن منحهم مبالغ تصل إلى 800 دولار للشخص الواحد، والأمر نفسه في مدينة القطرون الواقعة جنوب ليبيا، حيث أكدت التقارير أن التنظيم الإرهابي يسيطر هناك على نحو 4000 إلى 6000 من الإرهابيين التابعين له.

ثلاث واجهات

وتشتغل الآلة الاعلامية لـ»داعش» على ثلاث واجهات رئيسية هي وكالة «أعماق»، التي تعتبر العصب الأساسي لآلته الإعلامية االإلكترونية، وإذاعة «البيان» ومجلة «دابق»، وهي ورقية وإلكترونية في الآن نفسه، بالإضافة لعشرات المواقع والوسائط الإعلامية المختلفــة التــي لا تنطق رسميا باسم التنظيم.

وكالة «أعماق»

أسسها التنظيم بعد سيطرته السريعة على الموصل شمال العراق ثمّ على الرقة في سوريا، وجعل منها منصته الإعلامية التي تؤدي عدة أغراض في وقت واحد، وجاءت الوكالة بعد تجارب سابقة منها «مؤسسة الفرقان للإعلام» التي كانت ذراعه الإعلامية الأولى، و»مؤسسة الاعتصام» التي استحدثها في أعقاب سيطرته على الرقة، و»مركز الحياة للاعلام»، وهو الذراع المُوجهة للإعلام الخارجي، والتي تبث مواد إخبارية وتسجيلات مرئية باللغات الأجنبية. وبثّت الوكالة الشهـــر الماضي خبرا مفادُه أنها أطلقت القناة الجديدة على تيليغرام: a3maq_agency4

مجلّة «دابق»

صدرت في البدء كمجلة فصلية في النصف الثاني من 2014 عن «مركز الحياة للإعلام» التابع للتنظيم قبل أن تتحوّل إلى مجلة شهرية. ودابق هو اسم قرية سورية تقع شمال حلب جرت فيها معركة كبيرة بين المسلمين والروم. وشعار المجلة حديثٌ ضعيفُ السند مفاده «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابِقَ».

وتوضع النسخة الإلكترونية من هذه المجلة باللغة الإنكليزية على موقع «أمازون» الشهير، مما يشكل اختراقا لعقول الشباب المسلم وكذلك الشباب غير المسلم في البلدان الغربية، أملا في تجنيد مقاتلين منهم. وتُركز المجلة على معالجة قضايا من التراث الإسلامي، إلى جانب قضايا معاصرة بما فيها المسائل العلمية والاقتصادية والسياسية، مع استخدام ورق فاخر وصفحات مُلوّنة وتقنيات طباعة عالية الجودة.

إذاعة «البيان»

بعد استيلائه على الموصل أنشأ التنظيم في مبنى إذاعة «الزهور» العراقية إذاعة سماها «إذاعة البيان»، وجعـل لها أبراجا في الرقة «عاصمة الخلافة»، وكانت تبثّ برامجها على الموجة القصيرة لسكان المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، بالإضافة إلى بث خطب أبي بكر البغدادي. ووصل بث هذه الاذاعة إلى شمال أفريقيا، إذ صرّح كاتب الدولة للداخلية في حكومة الحبيب الصيد أن السلطات «ستتخذ إجراءات فنية للتشويش على إذاعة البيان الداعشية التي تُروج للفكر الإرهابي، والتي يصل بثّها إلى مناطق في جنوب تونس». لكن يبدو أنّها توقّفت عن البث بعد تحرير الموصل والرقة.

ويقول ألبرتو فرنانديز المُشرف على «المركز الاستراتيجي لمكافحة الإعــلام الإرهـــابي» في واشنطن بهـذا الصــدد «بالنسبة لشاب مسلم ليس متأكدا من هويته أو شاب تحوّل لاعتناق الإسلام دون التعمق في فهْم العقيدة أو الإلمام بالخلفية التاريخية للعالم الإسلامي، يتم خداع (أولئك) الشباب السذج وضمّهم لتنظيم داعش، من خلال دعاية قوية تستغلّ أوجه القصور في أنظمة الحُكم الحالية، وتزعم أن التنظيم أكثر إسلاما وأصولية من أية جهة أخرى وأكثر نقاء وحزْما، وبذلك تصبح ممارسة العنف أمرا يدعو إلى الإعجاب بدلا من أن يكون مدعاة للنفور، خاصّة عندما يتمّ تبريره بأنه للدفاع عن الإسلام، في إطار السّعي لبناء دولة خلافة تقيم مجتمعا إسلاميا مثاليا، يُتيح لهؤلاء الشبـــاب تحقيق حُلمهم في العيش كمسلمين حقيقيين.

الأخطر مـــن ذلك أن إعلام التنظيم يصنع صورة نموذجية للفتى المسلم تنــزع منه العــواطف الإنسـانية وتجعله وحشا كاسرا متعطّشا للدماء، فعلى سبيل المثال بثّ التنظيم شريطا مُصوّرا يُظهر فتى لا يتجـــاوز الخامسة عشر وهو يقتاد رجلا مُكبل اليدين يرتدي لباسا برتقاليا، اتضح أنه محمد عبد العزيز طبشو، وهو إمام مسجد تل فراح في ريف حلب الشمالي، ثم يُجثيه على ركبتيه ويذبحُه حتّى انفصل رأسُه عن جسده. واضطرّ طبشو، الذي جرى أسرُه لدى خروجه من المسجد، أن يعترف في الشريط المصور قبل ذبحه أنّ محاكم الجبهة الشامية «لا تحكم بشرع الله»، وأنّ «القـــويّ فيها يـأكل الضعيف». والرسالة التي يبعث بها التنظيم من خلال هذا الشريط هي إعطاء صورة للفتى المثالي تقوم على تمجيد الذبـح واعتباره تنفيذا لشرع الله في «الكفار».

حرب مضادّة

كيف يمكن محاربة هذه الآلة الإعلامية النزقة والضخمة من أجل حماية الأجيال الشابة من السموم التي تبثّها عبر أذرعها الأخطبوطية؟ يحتاج الأمر إلى حملة تشمل أوّلا نصائح لحماية الشباب والمراهقين من الانزلاق إلى مستنقع الإرهاب، تحت شعــارات برّاقة عن الجهاد وتأييد الخلافة المزعومة، وثانيا كشف أنماط التجنيد التعسفي وسوء المعاملة التي يلقاها المُجندون تحت راية «داعش»، والتي تصل في أحيان كثيرة إلى حدّ القتل بدعوى الردة أو الجوسسة أو «الانتماء للطاغوت» (النظام).

وثالثا لا بدّ من دعم الحملات المضادة لإعلام «داعش» أسوة بالمبادرة التي أطلقها مركز «صواب» في الإمارات، وهي عبارة عن حملة على منصّات التواصل الاجتماعي في «تويتر» و«إنستغرام» تحـــت اسم «أتباع الضلال»، والتي ترمي لفضح الأساليب التضليلية التي يعتمدها التنظيم للتغرير بالشباب من كافة أنحاء العالم وتجنيدهم كمقاتلين في صفوفه.

ولكي ينجح هذا العمل لابد من إطلاق عملية تنويرية وتثقيفية واسعة لمجتمعاتنا لتوعيتها بخــطورة الالتحاق بالتنظيمــات الإرهابية والمساهمة في الجهد الدولي لتجفيف ينابيعها، وفضح أساليبها المُخاتلة وإبراز الطابع الإنساني لديننا الإسلامي، باعتباره رسالة تسامح وحوار وسلام للإنسانية قاطبة.

رشيد خشانة

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.