أخبار - 2026.07.29

في أربعينية المؤرخ الدكتور علي الزواري: المؤرخ الذي كتب ذاكرة مدينة، ثم دخل تاريخها

في أربعينية المؤرخ الدكتور علي الزواري: المؤرخ الذي كتب ذاكرة مدينة، ثم دخل تاريخها

بقلم ابنته - رحل أبي... وبقيت كتبه، وبقيت مخطوطاته، وبقيت تلك الكنوز التي طالما أوصاني بأن أحافظ عليها. بقيت رؤوس أقلام، ومسودات، ووثائق لم يجف حبرها بعد، كأنها ما تزال تنتظر عودته ليكمل ما بدأه.

يوم تأملت مكتبته بعد رحيله، لم أر مجرد رفوف مكتظة بالكتب، بل رأيت عمرًا كاملًا اختزلته أوراق، ومذكرات، ووثائق، ومشاريع لم يكن ينظر إليها بوصفها ملكًا له، بل أمانة للأجيال القادمة.

عندها فقط أدركت أن الغياب لا يُقاس بفراغ البيت، بل بالصمت الذي يخلّفه من كان يملأ المكان علمًا وحضورًا. وأدركت أيضًا أن أبي لم يرحل حقًا؛ فمن يترك وراءه علمًا، ويحفظ ذاكرة مدينة بأكملها، لا يغيب، بل يبقى حاضرًا كلما ذُكر تاريخها.

لم يكن أبي يتحدث كثيرًا عن نفسه. كان يرى أن الإنسان يعرّفه عمله، لا حديثه عنه. لكن كلما كان الحديث عن صفاقس، آختلف الأمر ؛ كان صوته يهدأ أكثر، وتلمع عيناه كما لو أنه يتحدث عن فرد من العائلة، لا عن مدينة.

كبرت وأنا أرى والدي يقبع ساعات طويلة في مكتبه محاطا بصور، أو مخطوطات، أو مراجع جديدة يتأملها و يقضي وقته بينها في القراءة والكتابة. لم أكن أدرك آنذاك أن تلك الساعات الصامتة كانت تبني، بصبرٍ نادر، واحدًا من أهم المشاريع العلمية التي عرفتها صفاقس في تاريخها المعاصر.

لم تكن مكتبته مجرد غرفة في المنزل، بل كانت عالمًا كاملًا مليءا كتبا، مجلدات، خرائط، صور، وأرشيفات جمعها على امتداد عشرات السنين. كان يعرف مكان كل وثيقة، وكل قصاصة، وكل ملاحظة كتبها بقلمه. لم يكن يجمع الكتب لزينة الرفوف، بل لأنها أدوات عمل، ورفقاء رحلة لم تنقطع حتى السنوات الأخيرة من حياته.

ولأنه أحب التاريخ، لم يكتف بأن يدرسه، بل عاشه. درس في تونس، ثم واصل تكوينه العلمي بجامعة بروفانس بفرنسا، وعاد إلى وطنه وهو يحمل قناعة راسخة بأن التاريخ لا يُكتب من وراء المكاتب فقط، بل من الوثيقة، ومن الحجر، ومن المدينة نفسها. ولهذا السبب، اختار أن يجعل من صفاقس مشروع عمره.

لم يبحث في تاريخها لأن أحدًا كلّفه بذلك، بل لأنه شعر أن مدينة بهذا العمق الحضاري تستحق من يقرأ ماضيها قراءة جديدة. فغاص في الأرشيفات التونسية، ثم سافر إلى القاهرة يبحث في سجلاتها الشرعية ووثائقها التاريخية، وتتبع أخبار التجار، والسفن، والعائلات، والعلاقات التي ربطت صفاقس بالمشرق عبر قرون طويلة. كان يقول، دون أن ينطق بذلك صراحة، إن المدينة التي لا تعرف ماضيها، يصعب عليها أن تبني مستقبلها.

لكن أبي لم يكن من أولئك المؤرخين الذين يكتفون بكتابة الكتب و المقالات. كان يؤمن بأن حماية الذاكرة لا تكون بالقلم وحده، وإنما أيضًا بحماية الشواهد التي صنعتها. ولذلك، نراه حاضرًا في أهم مشاريع المحافظة على التراث بصفاقس؛ في الجامع الكبير وهو يستعيد بهاءه بعد الترميم، وفي دار الجلولي، وفي أسوار المدينة، وفي متاحفها، وفي متحف القصبة، وفي كل مشروع كان يعيد للحجر ذاكرته.

أتذكر أنني كنت أراه يغادر البيت حاملًا حقيبة لا تفارقه، فيها أوراق أكثر مما فيها أشياء شخصية. لم يكن يذهب إلى عمل يؤديه، بل كان يذهب إلى رسالة آمن بها طوال حياته. كان يعرف أن الحجر، إذا سقط، يمكن أن يُعاد بناؤه، أما الذاكرة إذا ضاعت فلا يمكن أن تُستعاد.

ولهذا لم يكن ينظر إلى الجامع الكبير بصفاقس بوصفه معلمًا دينيًا فحسب، بل كان يراه شاهدًا على قرون من تاريخ المدينة. ولم يكن يرى في دار الجلولي بيتًا أثريًا، بل صفحة من حياة أهل صفاقس، وعاداتهم، وفنونهم، وطرائق عيشهم. أما أسوار المدينة، فكانت بالنسبة إليه أكثر من حجارة عتيقة؛ كانت الحدود التي حفظت هوية مدينة قاومت الزمن، فاستحقت أن يقاوم من أجل بقائها.

ولعل ما كان يميزه أنه لم يكن يعمل وحده من أجل الحاضر، بل من أجل المستقبل. كان يعلم أن كثيرًا ممن سيدخلون تلك المتاحف، أو يعبرون أبواب المدينة العتيقة بعد عشرات السنين، لن يعرفوا أسماء الذين عملوا بصمت حتى تبقى هذه المعالم قائمة. ولم يكن ذلك يعنيه. كان يكفيه أن تبقى المدينة.

حين أقرأ اليوم مؤلفاته، لا أقرأها بعين الابنة، بل بعين القارئ. أكتشف فيها رجلًا لم يكن يكتب ليملأ فراغًا في المكتبة، وإنما ليجيب عن أسئلة ظلت معلقة في تاريخ صفاقس. كان يعود إلى الوثيقة الأصلية، ويقارن الروايات، ويقرأ السجل الشرعي، ويلاحق أسماء التجار، ومسارات السفن، وحركة الأسواق، حتى يعيد تركيب صورة المدينة كما كانت، لا كما تخيلها الناس.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يقوده شغفه إلى القاهرة سنة 1978، حيث قضى أيامًا طويلة بين الوثائق والأرشيفات، يبحث عن كل ما يمكن أن يضيء جانبًا من تاريخ العلاقات بين صفاقس والمشرق، وخاصة مصر. كان يؤمن أن الحقيقة التاريخية لا تُستخرج من كتاب واحد، وإنما من عشرات الوثائق التي يتطلب جمعها صبرًا لا يملكه إلا من جعل البحث أسلوب حياة.لم يكن أبي مؤرخًا ينعزل عن الناس. كان يؤمن بأن الثقافة مسؤولية، وأن المعرفة يجب أن تغادر رفوف المكتبات إلى المجتمع. ولذلك رأيناه في المسرح، حين ترأس جمعية التقدم المسرحي في شبابه، ورأيناه في الإذاعة، منتجًا لبرامج ثقافية، ورأيناه في الجمعيات، من مؤسسي جمعية صيانة مدينة صفاقس وجمعية أحباء المتاحف، ورأيناه في المؤتمرات العلمية داخل تونس وخارجها.

ولم تكن مشاركاته الدولية رحلة شخصية، بل كانت امتدادًا لإيمانه بأن التراث التونسي يستحق أن يكون حاضرًا في المحافل العربية والعالمية. فمن القاهرة إلى البحرين، ومن المؤتمرات العلمية إلى مشروع "متاحف بلا حدود"، ظل يحمل معه صفاقس، كما يحمل الإنسان شيئًا عزيزًا لا يرضى أن يفارقه.

وفي البيت... لم يكن يحدثني كثيرًا عن كل ذلك.
لم يكن يعود ليقول: شاركت في مؤتمر، أو أشرفت على مشروع، أو صدر لي كتاب جديد. كان يعتبر ذلك جزءًا طبيعيًا من عمله. أما أنا، فلم أكن لأدرك قيمة كثير من تلك التفاصيل إلا بعد رحيله، حين بدأت الوثائق والصور والشهادات تتكشف أمامي واحدة بعد أخرى.

وجدت صورًا له إلى جانب علماء، ووزراء، وباحثين من بلدان مختلفة. ووجدت دعوات رسمية، وبطاقات مؤتمرات، ومراسلات، وتقارير، ووثائق لم يكن يحدثني عنها قط. وكأن حياته الحقيقية كانت محفوظة في ذلك المكتب الذي كان يقضي فيه معظم يومه.
عندها فقط فهمت لماذا كانت مكتبته أكبر من مجرد مكتبة، ولماذا كان يوصيني دائمًا بالحفاظ عليها. لم يكن يورثني كتبًا، بل كان يورثني ذاكرته.

واليوم، وأنا أستعيد هذه الرحلة، لا أشعر أنني أكتب عن والدي وحده، بل عن جيل كامل من الباحثين الذين عملوا في صمت، قبل أن تصبح الأضواء هي معيار النجاح. جيل كان يؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يتركه للأمة، لا فيما يناله منها.
لقد عاش أبي متواضعًا كما عرفه الجميع. كان حازمًا في عمله، لكنه لم يكن يومًا متكبرًا. وكان احترامه للمواعيد جزءًا من احترامه للناس. وكل من عرفه، زميلًا كان أو طالبًا أو صديقًا، يجتمع على صفات واحدة: الصدق، والانضباط، والتواضع، وحب صفاقس حبًا لم يكن يحتاج إلى إعلان.

تمر أربعون يومًا على رحيله، لكنني كلما تأملت مكتبته، شعرت أن الغياب لم يكتمل بعد. ما زالت كتبه تنتظر يداه ليتصفحها، وما زالت ملاحظاته على هوامش الصفحات، وما زالت الأقلام التي كتب بها تاريخ مدينة بأكملها تنتظر يدًا تمتد إليها.
وربما كانت هذه هي الرسالة التي تركها لي دون أن يقولها صراحة: أن المدن لا تحفظها الجدران وحدها، وإنما يحفظها الرجال الذين يؤمنون بأن الذاكرة مسؤولية.

لقد كتب علي الزواري تاريخ صفاقس، لكنه، من حيث لا يدري، كتب أيضًا صفحة من تاريخه هو. ومع مرور السنين، سيقرأ الباحثون كتبه ليعرفوا المدينة، وسيقرأون سيرته ليعرفوا الرجل الذي وهب عمره لها.
رحم الله أبي... ورحم المؤرخ الذي لم يكتف بأن يكتب ذاكرة مدينة، بل أصبح، عن استحقاق، جزءًا من تلك الذاكرة.

أنس الزواري

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.