أخبار - 2026.07.15

حرّاس المنارات التونسية: مهمة أساسية لضمان السلامة البحرية

حرّاس المنارات التونسية: مهمة أساسية لضمان السلامة البحرية

كمال، البالغ من العمر 44 سنة، هو حارس منارة، وورث هذه المهنة عن والده الذي كان أيضًا حارسًا للمنارات، وهي حالة نادرة في هذا المجال. فقد أمضى والده عبد المجيد 38 سنة من العمل في جزر الغاليت، وغاليتون، وكاني، وبلان، قبل أن يستقر في نهاية مسيرته المهنية بمنارة رأس أنجيلا.

تقاعد الأب سنة 2001. وكان كمال قد رافقه منذ طفولته المبكرة في مختلف المنارات التي عمل بها، وعندما بلغ سن الدراسة انتقل إلى تونس للإقامة عند جديه. لكن مع كل عطلة كان يعود إلى بيته الحقيقي، عند سفح المنارة. لذلك ظل هذا المكان جزءًا من حياته وذكرياته. التحق كمال بالعمل كمدني سنة 1990، وسار على خطى والده في نفس المسار، حتى أصبح حارسًا لمنارة رأس أنجيلا.

أما توفيق، البالغ من العمر 42 سنة، فهو مساعد أول في البحرية الوطنية، وقد أصبح حارسًا للمنارة عبر مسار مختلف، إذ تلقى تكوينه في المدارس العسكرية. وعادة ما يلتحق المنتسبون إلى البحرية بإحدى مدارس التكوين، مثل مدرسة مساعدي الضباط بمنزل عبد الرحمان. وبعد التخرج، يختار بعضهم العمل في مصلحة المنارات والعلامات البحرية، حيث يتابعون دورة تكوين متخصصة تدوم بين ثلاثة وأربعة أشهر، يتعلمون خلالها مبادئ الإرشاد البحري، وكيفية تشغيل المنارات وصيانتها، وخاصة الأنظمة البصرية والقواعد الواجب احترامها.

بعد ذلك، يخضعون لفترات تدريب في منارات معزولة تقع في الجزر. إن هؤلاء المتدربين يكتسبون هناك الخبرة العملية، ويتعلمون أسلوب الحياة داخل المنارة، من أبسط التفاصيل إلى أكثرها تعقيدًا. فهم يتعلمون العمل الجماعي، والعيش المشترك، وإعداد الخبز، والمحافظة على المؤونة واستعمالها بحكمة، وطلب المستلزمات، وتنظيم الحياة اليومية، والتصرف في الحالات الطارئة، واحترام التعليمات. ويضيف أن برنامج عمل حارس المنارة مليء بالمهام والمسؤوليات.

كل الاحتياجات متوفرة

ورغم أن البحرية الوطنية تفرض انضباطًا كبيرًا في العمل، فإنها تحرص أيضًا على توفير ظروف إقامة مريحة لحراس المنارات. فقد وُضعت على ذمتهم مساكن مجهزة بالكامل بالأثاث والتجهيزات الضرورية.

وفي المنارات الموجودة بالجزر المعزولة، يقيم غالبًا أعوان عازبون، وأحيانًا أزواج شباب لم يبلغ أطفالهم بعد سن الدراسة. أما في المنارات الموجودة على اليابسة، فيوجد خليط من العائلات والعازبين. ولا يعمل أي حارس بمفرده، إذ يتكون الفريق عادة من أربعة أو خمسة أشخاص على الأقل.

وتبين قائمة تجهيزات المنارة مدى العناية التي توليها الإدارة لهذه المرافق. فالمساكن مجهزة بمواقد للطهي، وثلاجات، ومجمدات، ووسائل تدفئة، وأسرة، وأغطية، وأجهزة تلفاز، وهوائيات استقبال فضائي وغيرها. كما توفر وزارة الدفاع جميع مستلزمات الصيانة والتنظيف واللوازم المكتبية.

وبفضل المنحة اليومية التي يتمتع بها حراس المنارات، يمكنهم اختيار المؤونة التي يحتاجونها. أما المنارات المعزولة فتُزوَّد شهريًا بكل ما يلزم من خضر وغلال، وحليب، وعجين غذائي، ومعلبات، ومياه معدنية، ومشروبات، وعصائر، وخبز وغيرها.
ولمواجهة سوء الأحوال الجوية التي قد تمنع وصول الإمدادات، توجد مخازن احتياطية لا تُفتح إلا بإذن خاص. وخلال كل عملية تزويد، تُستعمل المواد القديمة الموجودة في المخزون الاحتياطي، ثم تُعوَّض بمواد جديدة، حتى تبقى جميع المنتجات ضمن مدة الصلاحية.

كما توفر الإدارة صيدلية مجهزة تحتوي على مختلف أدوية الإسعافات الأولية، إضافة إلى حقائب إسعاف. ويمكن لحراس المنارات الاتصال بالأطباء عن بُعد عند الحاجة، وفي الحالات الاستعجالية يتم تنظيم عملية الإجلاء بواسطة زورق سريع، أو حتى بطائرة مروحية إذا استدعى الأمر ذلك.

حياة منظمة في مكان معزول

يقول أحد حراس المنارات: «مع مرور الوقت يعتاد الإنسان على هذا النمط من الحياة. ففي الأيام العشرة الأولى نستفيد من الخضر الطازجة التي تصلنا، ثم نعتمد خلال العشرين يومًا التالية على العجين الغذائي والمعلبات. وهكذا ننظم حياتنا».

ويضيف أن زراعة الخضر في أغلب الجزر أمر صعب بسبب الطبيعة الصخرية للأرض وشدة الرياح التي لا تسمح للنباتات بالنمو، بينما تكون الظروف أفضل في المنارات الموجودة على اليابسة حيث يمكن إنشاء حدائق صغيرة.

ولا يقتصر تجهيز المنارة على وسائل المعيشة فقط، بل يضم أيضًا صندوقًا متكاملًا للأدوات، يحتوي على كل ما يلزم لأعمال الصيانة الكهربائية والميكانيكية، والنجارة، والسباكة، واللحام، والطلاء، وصيانة العدسات والأجهزة البصرية.

فرق قليلة العدد... قوية بالتعاون

قد يبدو وجود أربعة أو خمسة أشخاص في المنارة عددًا كبيرًا، لكن أحد الحراس يجيب مازحًا: «نحتاج إلى أربعة أشخاص على الأقل حتى نتمكن من لعب الورق!». ثم يوضح السبب الحقيقي قائلاً إن نظام العمل يمنحهم فترات راحة طويلة بعد كل شهر من الخدمة، ومع الإجازات يصبح عدد الموجودين في المنارة محدودًا، في حين تبقى المهام كثيرة ومتواصلة.

فلا بد من التناوب ليلًا ونهارًا دون انقطاع، والتأكد من بقاء المنارة مضاءة طوال الليل، إضافة إلى صيانة العدسات والآلات والمباني. فالمنارات تتعرض باستمرار للرياح والأمواج والرطوبة، مما يفرض مكافحة الصدأ، وإعادة الطلاء، وإصلاح الأعطال، والمحافظة على سلامة جميع التجهيزات.

ويذكّر الدليل المخصص لحراس المنارات بهذه المسؤولية قائلاً: «في ظلام الليل، وبين أخطار البحر، يحتاج البحّار إلى نور منارتك. ويجب أن يكون ضوء المنارة مطابقًا تمامًا لخصائصه المميزة، لأن أي خطأ قد يجعل البحّار يخلطه بضوء منارة أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى كارثة».

ولهذا يجب أن تكون جميع أجزاء المنارة في أفضل حالة، من زجاج الفانوس والعدسات التي ينبغي أن تكون لامعة كالبلور، إلى انتظام إشارات الضوء دون أي خطأ أو تغيير.

إنها مهنة تقوم على الكفاءة والخبرة، وحب العمل، وتحمل المسؤولية، وروح المبادرة، ودقة الملاحظة، مع الالتزام بالنظام والانضباط، لأن كل تفصيل مهما كان صغيرًا قد يكون له أثر كبير.

وعندما يُسأل كمال، الذي ورث هذه الرسالة عن والده، إن كان يتمنى أن يواصل أبناؤه هذا المشوار، يجيب بابتسامة: «إذا أرادوا ذلك، فمرحبًا... لكنني لا أظن أنهم سيفعلون. ومع ذلك، سيأتي شباب آخرون ليواصلوا هذه المهمة».

ويجمع جميع العاملين في مصلحة المنارات والعلامات البحرية على حقيقة واحدة: المنارة ليست مجرد وظيفة، بل هي شغف ورسالة في خدمة سلامة البحارة.

قراء المزيد

 طينة: أول منارة خرسانية شُيّدت في العالم 

كيف أنارت تونس سواحلها لتأمين الملاحة في البحر الأبيض المتوسط 

منشآت الإرشاد البحري: لكل موقع سحره، بين العزلة وقلب المدينة العتيقة 

التراث البحري التونسي: منارات السواحل... حراس البحر وروائع الهندسة 

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.